قصة الأعرابي ومعاوية بن أبي سفيان

الصبر مر لكن عواقبه مثل العسل 07-03-2011 5 رد 18,906 مشاهدة
ا
بينما كنت أقرأ في كتاب أخبار النساء إذا بي أجدهذه القصة الجميلة جداً جداً جداً التي رسم الحب والطمع في المال والوفاء أركانهالا تفوتكم-.


ذكر أنّ معاوية بن أبي سفيان جلس ذات يومٍبمجلسٍ كان له بدمشق على قارعة الطّريق،
وكان المجلسمفتّح الجوانب لدخول النّسيم، فبينما هو على فراشه وأهل مملكته بينيديه،
إذ نظر إلى رجلٍ يمشي نحوه وهو يسرع في مشيتهراجلاً حافياً، وكان ذلك اليوم شديد
الحرّ، فتأمّلهمعاوية ثمّ قال لجلسائه: لم يخلق الله ممّن أحتاج إلى نفسه في مثل هذا اليوم. ثمّقال: يا غلام سر إليه واكشف عن حاله وقصّته فوالله لئنكان فقيراًلأغنينّه، ولئن كان
شاكياً لأنصفنّه، ولئن كانمظلوماً لأنصرنّه، ولئن كان غنياً لأفقرنّه. فخرج إليهالرسول
متلقياً فسلّم عليه فردّ عليه السّلام. ثمّقال له: ممّن الرّجل؟ قال: سيّدي أنا رجلٌ أعرابيٌّ
من بني عذرة، أقبلت إلى أمير المؤمنين مشتكياً إليه بظلامةٍ نزلت بي من بعضعمّاله. فقال
له الرّسول: أصبحت يا أعرابي؟ ثمّ ساربه حتّى وقف بين يديه فسلّم عليه بالخلافة ثمّ
أنشأيقول:


معاوي يا ذا العلم والحلم والفضل*** ويا ذاالنّدى والجود والنّابل الجزل
أتيتك لمّا ضاق في الأرض مذهبي*** فيا غيث لا تقطع رجائي منالعدل
وجد لي بإنصافٍمن الجّائر الذي*** شواني شيّاً كان أيسره قتلي
سباني سعدى وانبرى لخصومتي*** وجار ولم يعدل،وأغصبني أهلي
قصدتلأرجو نفعه فأثابني*** بسجنٍ وأنواع العذاب مع الكبل
وهمّ بقتلي غير أن منيّتي*** تأبّت، ولمأستكملالرّزق من أجلي
أغثنيجزاك الله عنّي جنّة*** فقد طار من وجدٍ بسعدى لها عقلي
فلمّا فرغ من شعره قال له معاوية: يا إعرابي إنّي أراك تشتكي عاملاً من عمّالنا ولمتسمعه
لنا! قال: أصلح الله أمير المؤمنين، وهو واللهابن عمّك مروان بن الحكم عامل المدينة. قال
معاوية: وما قصّتك معه يا أعرابي. قال: أصلح الله الأمير، كانت لي بنت عمٍّ خطبتها إلىأبيها فزوّجني منها. وكنت كلفاً بها لما كانت فيه من كمال جمالها وعقلها والقرابة. فبقيت معها يا أمير المؤمنين، في أصلح حالٍ وأنعم بالٍ، مسروراً زماناً، قريرالعين. وكانت لي صرمةً من إبلٍ وشويهات، فكنت أعولها ونفسي بها. فدارت عليها أقضيةالله وحوادث الدّهر، فوقع فيها داءٌ فذهبت بقدرة الله. فبقيت لا أملك شيئاً، وصرتمهيناً مفكّراً، قد ذهب عقلي، وساءت حالي، وصرت ثقلاً على وجه الأرض. فلمّا بلغ ذلكأباها حال بيني وبينها، وأنكرني، وجحدني، وطردني، ودفعها عنّي. فلم أدر لنفسيبحيلةٍ ولا نصرةٍ. فأتيت إلى عاملك مروان بن الحكم مشتكياً بعمّي، فبعث إليه، فلمّاوقف بين يديه، قال له مروان: يا أيّها الرّجل لم حلت بين ابن أخيك وزوجته؟ قال: أصلح الله الأمير، ليس له عندي زوجة ولا زوجته من ابنتي قط. قلت أنا: أصلح اللهالأمير، أنا راضٍ بالجّارية، فإن رأى الأمير أن يبعث إليها ويسمع منها ما تقول؟فبعث إليها فأتت الجّارية مسرعةً، فلمّا وقفت بين يديه ونظر إليها وإلى حسنها وقعتمنه موقع الإعجاب والاستحسان، فصار لي يا أمير المؤمنين خصماً وانتهرني، وأمر بيإلى السّجن. فبقيت كأني خررت من السّماء في مكانٍ سحيقٍ، ثمّ قال لأبي بعدي: هل لكأن تزوّجها منّي، وأنقدك ألف دينارٍ، وأزيدك أنت عشرة آلاف درهمٍ تنتفع بها، وأناأضمن طلاقها؟ قال له أبوها: إن أنت فعلت ذلك زوّجتها منك. فلمّا كان من الغد بعثإليّ، فلمّا أدخلت عليه نظر إليّ كالأسد الغضبان، فقال لي: ياأعرابي طلّق سعدى. قلت: لا أفعل. فأمر بضربي ثم ردّني إلى السّجن، فلمّا كان في اليوم الثّاني قال: عليّ بالأعرابي. فلمّا وقفت بين يديه، قال: طلّق سعدى. فقلت: لا أفعل. فسلّط عليّيا أمير المؤمنين خدّامه فضربوني ضرباً لا يقدر أحدٌ على وصفه، ثمّ أمر بي إلىالسّجن؛ فلمّا كان في اليوم الثّالث قال: عليّ بالإعرابي، فلمّا وقفت بين يديه قال: عليّ بالسّيف والنّطع وأحضر السيّاف، ثمّ قال: يا أعرابي، وجلالة ربّي، وكرامةوالدي، لئن لم تطلّق سعدى لأفرّقنّ بين جسدك وموضع لسانك. فخشيت على نفسي القتلفطلّقتها طلقةً واحدةً على طلاق السّنّة، ثمّ أمر بي إلى السّجن فحبسني فيه حتّىتمّت عدّتها ثمّ تزوّجها، فبنى بها، ثمّ أطلقني. فأتيتك مستغيثاً قد رجوت عدلكوإنصافك، فارحمني يا أمير المؤمنين. فوالله يا أمير المؤمنين لقد أجهدني الأرق،وأذابني القلق، وبقيت في حبّها بلا عقلٍ، ثمّ انتحب حتىّ كادت نفسه تفيض. ثمّ
أنشأ يقول:
في القلب منّي نارٌ*** والنّار فيهالدّمار
والجّسم منّيسقيمٌ*** فيه الطّبيب يحار
والعين تهطل دمعاً*** فدمعها مدرار
حملت منه عظيماً*** فما عليهاصطبار
فليس ليليليلٌ*** ولا نهاري نهار
فارحم كئيباً حزيناً*** فؤاده مستطار
اردد عليّ سعادي*** يثيبكالجبّار
ثمّ خرّ مغشيّاً عليه بين يدي أمير المؤمنين كأنّه قد صعق به قال: وكان في ذلك الوقت معاوية متكّئاً، فلمّا نظر إليه قد خرّ بين يديه قام ثمّ جلس،وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. اعتدى والله مروان بن الحكم ضراراً في حدودالدّين، وإحساراً في حرم المسلمين: ثمّ قال: والله يا أعرابي لقد أتيتني بحديثٍ ماسمعت بمثله. ثمّ قال: يا غلام عليّ بداوةٍ وقرطاسٍ فكتب إلى مروان: أمّا بعد، فإنّهبلغني عنك أنّك اعتديت على رعيّتك في بعض حدود الدّين، وانتهكت حرمةً لرجلٍ منالمسلمين. وإنّما ينبغي لمن كان والياً على كورةٍ أو إقليمٍ أن يغضّ بصره وشهواته،ويزجر نفسه عن لذّاته. وإنّما الوالي كالرّاعي لغنمةٍ، فإذا رفق به بقيت معه، وإذاكان لها ذئباً فمن يحوطها بعده. ثمّ كتب بهذه الأبيات
ولّيت، ويحك أمراً لست تحكمه*** فاستغفر اللهمن فعل امرئٍ زاني
قدكنت عندي ذا عقلٍ وذا أدبٍ*** مع القراطيس تمثالاًوفرقان
حتّى أتانا الفتىالعذريّ منتحباً*** يشكو إلينا ببثٍّ ثمّ أحزان
أعطي الإله يميناً لا أكفّرها*** حقّاً وأبرأ من دينيودياني
إن أنت خالفتنيفيما كتبت به*** لأجعلنّك لحماً بين عقباني
طلّق سعاد وعجّلها مجهّزةً*** مع الكميت، ومع نصر بنذبيان
فما سمعت كمابلّغت في بشرٍ*** ولا كفعلك حقاً فعل إنسان
فاختر لنفسك إمّا أن تجود بها*** أو أن تلاقي المنايابين أكفان


ثمّ ختم الكتاب. وقال: عليّ بنصر بن ذبيان والكميت صاحبيّ البريد. فلمّا وقفا بين يده قال: اخرجا بهذا الكتاب إلى مروان بن الحكم ولا تضعاه إلاّبيده. قال فخرجا بالكتاب حتّى وردا به عليه، فسلّما ثمّ ناولاه الكتاب. فجعل مروانيقرأه ويردّده، ثمّ قام ودخل على سعدى وهو باكٍ، فلمّا نظرت إليه قالت له: سيّدي ماالذي يبكيك؟ قال كتاب أمير المؤمنين، ورد عليّ في أمرك يأمرني فيه أن أطلّقكوأجهّزك وأبعث بك إليه. وكنت أودّ أن يتركني معك حولين ثمّ يقتلني، فكان ذلك أحبّإليّ. فطلّقها وجهّزها ثمّ كتب إلى معاوية
بهذهالأبيات:
لا تعجلنّ أمير المؤمنين فقد*** أوفي بنذرك فيرفقٍ وإحسان
وما ركبتحراماً حين أعجبني*** فكيف أدعى باسم الخائن الزاني
أعذر فإنّك لو أبصرتها لجرت*** منك الأماقي على أمثالإنسان
فسوف يأتيك شمسٌ لايعادلها*** عند الخليفة إنسٌ لا ولا جان
لولا الخليفة ما طلّقتها أبداً*** حتّى أضمّنّ في لحدٍوأكفان
على سعادٍ سلامٌ منفتىً قلقٍ*** حتّى خلّفته بأوصابٍ وأحزان
ثمّ دفعه إليهما، ودفع الجّارية على الصّفة التي حدّث له. فلمّاوردا على معاوية فكّ كتابه وقرأ أبياته ثمّ قال: والله لقد أحسن في هذه الأبيات،ولقد أساء إلى نفسه. ثمّ أمر بالجّارية فأدخلت إليه، فإذا بجاريةٍ رعبوبةٍ لا تبقيلناظرها عقلاً من حسنها وكمالها. فعجب معاوية من حسنها ثمّ تحوّل إلى جلسائه وقال: والله إنّ هذه الجّارية لكاملة الخلق فلئن كملت لها النّعمة مع حسن الصّفة، لقدكملت النّعمة لمالكها. فاستنطقها، فإذا هي أفصح نساء العرب. ثمّ قال: عليّبالأعرابي. فلمّا وقف بين يديه، قال له معاوية: هل لك عنها من سلوٍ، وأعوّضك عنهاثلاث جوارٍ أبكارٍ مع كلّ جاريةٍ منهنٍ ألف درهمٍ، على كلّ واحدةٍ منهنّ عشر خلعٍمن الخزّ والدّيباج والحرير والكتّان، وأجري عليك وعليهنّ ما يجريعلى المسلمين،وأجعل لك ولهنّ حظاً من الصّلات والنّفقات؟ فلما أتمّ معاوية كلامه غشي علىالأعرابيّ وشهق شهقةً ظنّ معاوية وأسوأ حالٍ، أعوذ بعدلك يا أمير المؤمنين من جورمروان. ثمّ أنشأ يقول
لا تجعلني هداك الله من ملكٍ*** كالمستجير منالرّمضاء بالنّار
أرددسعاد على حرّان مكتئبٍ*** يمسي ويصبح في همٍّ وتذكار
قد شفّته قلقٌ ما مثله قلقٌ*** وأسعر القلب منه أيّإسعار
والله والله لاأنسى محبّتها*** حتّى أغيّب في قبري وأحجاري
كيف السّلوّ وقد هام الفؤاد بها*** فإن فعلت فإني غيركفّار
فأجمل بفضلك وافعلفعل ذي كرمٍ*** لا فعل غيرك، فعل اللؤم والعار


ثمّ قال: والله يا أمير المؤمنين لو أعطيتني كلّ ما احتوته الخلافةما رضيت به دون سعدى. ولقد صدق مجنون بني عامر حيث يقول:
أبى القلب إلاّ حبّ ليلى وبغّضت*** إليّ نساءٌ ما لهنذنوب
وما هي إلاّ أن أراهافجاءةً*** فأبهت حتّى لا أكاد أجيب
فلمّا فرغمن شعره، قال له معاوية: يا أعرابي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: إنك مقرٌّعندنا أنّك قد طلّقتها، وقد بانت منك ومن مروان، ولكن نخيّرها بيننا. قال: ذاكإليك، يا أمير المؤمنين. فتحوّل معاوية نحوها ثمّ قال لها: يا سعدى أيّنا أحبّإليك: أمير المؤمنين في عزّه وشرفه وقصوره، أو مروان في غصبه واعتدائه، أو هذاالأعرابي في جوعه وأطماره؟
فأشارت الجّارية نحو ابن عمّها الأعرابي، ثمّ أنشأتتقول:
هذا وإن كان في جوعٍوأطمار*** أعزّ عندي من أهلي ومن جاري
وصاحب التّاج أو مروان عامله*** وكلّ ذي درهمٍ منهمودينار
ثمّ قالت: لست، والله، يا أميرالمؤمنين لحدثان الزمان بخاذلته، ولقد كانت لي معه صحبة جميلة، وأنا أحقّ من صبرمعه على السّرّاء والضّرّاء، وعلى الشّدّة والرّخاء، وعلى العافية والبلاء، وعلىالقسم الذي كتب الله لي معه. فعجب معاوية ومن معه من جلسائه من عقلها وكمالهاومروءتها وأمر لها بعشرة آلاف درهمٍ وألحقها في صدقات بيت المسلمين.
بينما كنت أقرأ في كتاب أخبار النساء إذا بي أجدهذه القصة الجميلة جداً جداً جداً التي رسم الحب والطمع في المال والوفاء أركانهالا تفوتكم-.


ذكر أنّ معاوية بن أبي سفيان جلس ذات يومٍبمجلسٍ كان له بدمشق على قارعة الطّريق،
وكان المجلسمفتّح الجوانب لدخول النّسيم، فبينما هو على فراشه وأهل مملكته بينيديه،
إذ نظر إلى رجلٍ يمشي نحوه وهو يسرع في مشيتهراجلاً حافياً، وكان ذلك اليوم شديد
الحرّ، فتأمّلهمعاوية ثمّ قال لجلسائه: لم يخلق الله ممّن أحتاج إلى نفسه في مثل هذا اليوم. ثمّقال: يا غلام سر إليه واكشف عن حاله وقصّته فوالله لئنكان فقيراًلأغنينّه، ولئن كان
شاكياً لأنصفنّه، ولئن كانمظلوماً لأنصرنّه، ولئن كان غنياً لأفقرنّه. فخرج إليهالرسول
متلقياً فسلّم عليه فردّ عليه السّلام. ثمّقال له: ممّن الرّجل؟ قال: سيّدي أنا رجلٌ أعرابيٌّ
من بني عذرة، أقبلت إلى أمير المؤمنين مشتكياً إليه بظلامةٍ نزلت بي من بعضعمّاله. فقال
له الرّسول: أصبحت يا أعرابي؟ ثمّ ساربه حتّى وقف بين يديه فسلّم عليه بالخلافة ثمّ
أنشأيقول:


معاوي يا ذا العلم والحلم والفضل*** ويا ذاالنّدى والجود والنّابل الجزل
أتيتك لمّا ضاق في الأرض مذهبي*** فيا غيث لا تقطع رجائي منالعدل
وجد لي بإنصافٍمن الجّائر الذي*** شواني شيّاً كان أيسره قتلي
سباني سعدى وانبرى لخصومتي*** وجار ولم يعدل،وأغصبني أهلي
قصدتلأرجو نفعه فأثابني*** بسجنٍ وأنواع العذاب مع الكبل
وهمّ بقتلي غير أن منيّتي*** تأبّت، ولمأستكملالرّزق من أجلي
أغثنيجزاك الله عنّي جنّة*** فقد طار من وجدٍ بسعدى لها عقلي
فلمّا فرغ من شعره قال له معاوية: يا إعرابي إنّي أراك تشتكي عاملاً من عمّالنا ولمتسمعه
لنا! قال: أصلح الله أمير المؤمنين، وهو واللهابن عمّك مروان بن الحكم عامل المدينة. قال
معاوية: وما قصّتك معه يا أعرابي. قال: أصلح الله الأمير، كانت لي بنت عمٍّ خطبتها إلىأبيها فزوّجني منها. وكنت كلفاً بها لما كانت فيه من كمال جمالها وعقلها والقرابة. فبقيت معها يا أمير المؤمنين، في أصلح حالٍ وأنعم بالٍ، مسروراً زماناً، قريرالعين. وكانت لي صرمةً من إبلٍ وشويهات، فكنت أعولها ونفسي بها. فدارت عليها أقضيةالله وحوادث الدّهر، فوقع فيها داءٌ فذهبت بقدرة الله. فبقيت لا أملك شيئاً، وصرتمهيناً مفكّراً، قد ذهب عقلي، وساءت حالي، وصرت ثقلاً على وجه الأرض. فلمّا بلغ ذلكأباها حال بيني وبينها، وأنكرني، وجحدني، وطردني، ودفعها عنّي. فلم أدر لنفسيبحيلةٍ ولا نصرةٍ. فأتيت إلى عاملك مروان بن الحكم مشتكياً بعمّي، فبعث إليه، فلمّاوقف بين يديه، قال له مروان: يا أيّها الرّجل لم حلت بين ابن أخيك وزوجته؟ قال: أصلح الله الأمير، ليس له عندي زوجة ولا زوجته من ابنتي قط. قلت أنا: أصلح اللهالأمير، أنا راضٍ بالجّارية، فإن رأى الأمير أن يبعث إليها ويسمع منها ما تقول؟فبعث إليها فأتت الجّارية مسرعةً، فلمّا وقفت بين يديه ونظر إليها وإلى حسنها وقعتمنه موقع الإعجاب والاستحسان، فصار لي يا أمير المؤمنين خصماً وانتهرني، وأمر بيإلى السّجن. فبقيت كأني خررت من السّماء في مكانٍ سحيقٍ، ثمّ قال لأبي بعدي: هل لكأن تزوّجها منّي، وأنقدك ألف دينارٍ، وأزيدك أنت عشرة آلاف درهمٍ تنتفع بها، وأناأضمن طلاقها؟ قال له أبوها: إن أنت فعلت ذلك زوّجتها منك. فلمّا كان من الغد بعثإليّ، فلمّا أدخلت عليه نظر إليّ كالأسد الغضبان، فقال لي: ياأعرابي طلّق سعدى. قلت: لا أفعل. فأمر بضربي ثم ردّني إلى السّجن، فلمّا كان في اليوم الثّاني قال: عليّ بالأعرابي. فلمّا وقفت بين يديه، قال: طلّق سعدى. فقلت: لا أفعل. فسلّط عليّيا أمير المؤمنين خدّامه فضربوني ضرباً لا يقدر أحدٌ على وصفه، ثمّ أمر بي إلىالسّجن؛ فلمّا كان في اليوم الثّالث قال: عليّ بالإعرابي، فلمّا وقفت بين يديه قال: عليّ بالسّيف والنّطع وأحضر السيّاف، ثمّ قال: يا أعرابي، وجلالة ربّي، وكرامةوالدي، لئن لم تطلّق سعدى لأفرّقنّ بين جسدك وموضع لسانك. فخشيت على نفسي القتلفطلّقتها طلقةً واحدةً على طلاق السّنّة، ثمّ أمر بي إلى السّجن فحبسني فيه حتّىتمّت عدّتها ثمّ تزوّجها، فبنى بها، ثمّ أطلقني. فأتيتك مستغيثاً قد رجوت عدلكوإنصافك، فارحمني يا أمير المؤمنين. فوالله يا أمير المؤمنين لقد أجهدني الأرق،وأذابني القلق، وبقيت في حبّها بلا عقلٍ، ثمّ انتحب حتىّ كادت نفسه تفيض. ثمّ
أنشأ يقول:
في القلب منّي نارٌ*** والنّار فيهالدّمار
والجّسم منّيسقيمٌ*** فيه الطّبيب يحار
والعين تهطل دمعاً*** فدمعها مدرار
حملت منه عظيماً*** فما عليهاصطبار
فليس ليليليلٌ*** ولا نهاري نهار
فارحم كئيباً حزيناً*** فؤاده مستطار
اردد عليّ سعادي*** يثيبكالجبّار
ثمّ خرّ مغشيّاً عليه بين يدي أمير المؤمنين كأنّه قد صعق به قال: وكان في ذلك الوقت معاوية متكّئاً، فلمّا نظر إليه قد خرّ بين يديه قام ثمّ جلس،وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. اعتدى والله مروان بن الحكم ضراراً في حدودالدّين، وإحساراً في حرم المسلمين: ثمّ قال: والله يا أعرابي لقد أتيتني بحديثٍ ماسمعت بمثله. ثمّ قال: يا غلام عليّ بداوةٍ وقرطاسٍ فكتب إلى مروان: أمّا بعد، فإنّهبلغني عنك أنّك اعتديت على رعيّتك في بعض حدود الدّين، وانتهكت حرمةً لرجلٍ منالمسلمين. وإنّما ينبغي لمن كان والياً على كورةٍ أو إقليمٍ أن يغضّ بصره وشهواته،ويزجر نفسه عن لذّاته. وإنّما الوالي كالرّاعي لغنمةٍ، فإذا رفق به بقيت معه، وإذاكان لها ذئباً فمن يحوطها بعده. ثمّ كتب بهذه الأبيات
ولّيت، ويحك أمراً لست تحكمه*** فاستغفر اللهمن فعل امرئٍ زاني
قدكنت عندي ذا عقلٍ وذا أدبٍ*** مع القراطيس تمثالاًوفرقان
حتّى أتانا الفتىالعذريّ منتحباً*** يشكو إلينا ببثٍّ ثمّ أحزان
أعطي الإله يميناً لا أكفّرها*** حقّاً وأبرأ من دينيودياني
إن أنت خالفتنيفيما كتبت به*** لأجعلنّك لحماً بين عقباني
طلّق سعاد وعجّلها مجهّزةً*** مع الكميت، ومع نصر بنذبيان
فما سمعت كمابلّغت في بشرٍ*** ولا كفعلك حقاً فعل إنسان
فاختر لنفسك إمّا أن تجود بها*** أو أن تلاقي المنايابين أكفان


ثمّ ختم الكتاب. وقال: عليّ بنصر بن ذبيان والكميت صاحبيّ البريد. فلمّا وقفا بين يده قال: اخرجا بهذا الكتاب إلى مروان بن الحكم ولا تضعاه إلاّبيده. قال فخرجا بالكتاب حتّى وردا به عليه، فسلّما ثمّ ناولاه الكتاب. فجعل مروانيقرأه ويردّده، ثمّ قام ودخل على سعدى وهو باكٍ، فلمّا نظرت إليه قالت له: سيّدي ماالذي يبكيك؟ قال كتاب أمير المؤمنين، ورد عليّ في أمرك يأمرني فيه أن أطلّقكوأجهّزك وأبعث بك إليه. وكنت أودّ أن يتركني معك حولين ثمّ يقتلني، فكان ذلك أحبّإليّ. فطلّقها وجهّزها ثمّ كتب إلى معاوية
بهذهالأبيات:
لا تعجلنّ أمير المؤمنين فقد*** أوفي بنذرك فيرفقٍ وإحسان
وما ركبتحراماً حين أعجبني*** فكيف أدعى باسم الخائن الزاني
أعذر فإنّك لو أبصرتها لجرت*** منك الأماقي على أمثالإنسان
فسوف يأتيك شمسٌ لايعادلها*** عند الخليفة إنسٌ لا ولا جان
لولا الخليفة ما طلّقتها أبداً*** حتّى أضمّنّ في لحدٍوأكفان
على سعادٍ سلامٌ منفتىً قلقٍ*** حتّى خلّفته بأوصابٍ وأحزان
ثمّ دفعه إليهما، ودفع الجّارية على الصّفة التي حدّث له. فلمّاوردا على معاوية فكّ كتابه وقرأ أبياته ثمّ قال: والله لقد أحسن في هذه الأبيات،ولقد أساء إلى نفسه. ثمّ أمر بالجّارية فأدخلت إليه، فإذا بجاريةٍ رعبوبةٍ لا تبقيلناظرها عقلاً من حسنها وكمالها. فعجب معاوية من حسنها ثمّ تحوّل إلى جلسائه وقال: والله إنّ هذه الجّارية لكاملة الخلق فلئن كملت لها النّعمة مع حسن الصّفة، لقدكملت النّعمة لمالكها. فاستنطقها، فإذا هي أفصح نساء العرب. ثمّ قال: عليّبالأعرابي. فلمّا وقف بين يديه، قال له معاوية: هل لك عنها من سلوٍ، وأعوّضك عنهاثلاث جوارٍ أبكارٍ مع كلّ جاريةٍ منهنٍ ألف درهمٍ، على كلّ واحدةٍ منهنّ عشر خلعٍمن الخزّ والدّيباج والحرير والكتّان، وأجري عليك وعليهنّ ما يجريعلى المسلمين،وأجعل لك ولهنّ حظاً من الصّلات والنّفقات؟ فلما أتمّ معاوية كلامه غشي علىالأعرابيّ وشهق شهقةً ظنّ معاوية وأسوأ حالٍ، أعوذ بعدلك يا أمير المؤمنين من جورمروان. ثمّ أنشأ يقول
لا تجعلني هداك الله من ملكٍ*** كالمستجير منالرّمضاء بالنّار
أرددسعاد على حرّان مكتئبٍ*** يمسي ويصبح في همٍّ وتذكار
قد شفّته قلقٌ ما مثله قلقٌ*** وأسعر القلب منه أيّإسعار
والله والله لاأنسى محبّتها*** حتّى أغيّب في قبري وأحجاري
كيف السّلوّ وقد هام الفؤاد بها*** فإن فعلت فإني غيركفّار
فأجمل بفضلك وافعلفعل ذي كرمٍ*** لا فعل غيرك، فعل اللؤم والعار


ثمّ قال: والله يا أمير المؤمنين لو أعطيتني كلّ ما احتوته الخلافةما رضيت به دون سعدى. ولقد صدق مجنون بني عامر حيث يقول:
أبى القلب إلاّ حبّ ليلى وبغّضت*** إليّ نساءٌ ما لهنذنوب
وما هي إلاّ أن أراهافجاءةً*** فأبهت حتّى لا أكاد أجيب
فلمّا فرغمن شعره، قال له معاوية: يا أعرابي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: إنك مقرٌّعندنا أنّك قد طلّقتها، وقد بانت منك ومن مروان، ولكن نخيّرها بيننا. قال: ذاكإليك، يا أمير المؤمنين. فتحوّل معاوية نحوها ثمّ قال لها: يا سعدى أيّنا أحبّإليك: أمير المؤمنين في عزّه وشرفه وقصوره، أو مروان في غصبه واعتدائه، أو هذاالأعرابي في جوعه وأطماره؟
فأشارت الجّارية نحو ابن عمّها الأعرابي، ثمّ أنشأتتقول:
هذا وإن كان في جوعٍوأطمار*** أعزّ عندي من أهلي ومن جاري
وصاحب التّاج أو مروان عامله*** وكلّ ذي درهمٍ منهمودينار
ثمّ قالت: لست، والله، يا أميرالمؤمنين لحدثان الزمان بخاذلته، ولقد كانت لي معه صحبة جميلة، وأنا أحقّ من صبرمعه على السّرّاء والضّرّاء، وعلى الشّدّة والرّخاء، وعلى العافية والبلاء، وعلىالقسم الذي كتب الله لي معه. فعجب معاوية ومن معه من جلسائه من عقلها وكمالهاومروءتها وأمر لها بعشرة آلاف درهمٍ وألحقها في صدقات بيت المسلمين.
بينما كنت أقرأ في كتاب أخبار النساء إذا بي أجدهذه القصة الجميلة جداً جداً جداً التي رسم الحب والطمع في المال والوفاء أركانهالا تفوتكم-.


ذكر أنّ معاوية بن أبي سفيان جلس ذات يومٍبمجلسٍ كان له بدمشق على قارعة الطّريق،
وكان المجلسمفتّح الجوانب لدخول النّسيم، فبينما هو على فراشه وأهل مملكته بينيديه،
إذ نظر إلى رجلٍ يمشي نحوه وهو يسرع في مشيتهراجلاً حافياً، وكان ذلك اليوم شديد
الحرّ، فتأمّلهمعاوية ثمّ قال لجلسائه: لم يخلق الله ممّن أحتاج إلى نفسه في مثل هذا اليوم. ثمّقال: يا غلام سر إليه واكشف عن حاله وقصّته فوالله لئنكان فقيراًلأغنينّه، ولئن كان
شاكياً لأنصفنّه، ولئن كانمظلوماً لأنصرنّه، ولئن كان غنياً لأفقرنّه. فخرج إليهالرسول
متلقياً فسلّم عليه فردّ عليه السّلام. ثمّقال له: ممّن الرّجل؟ قال: سيّدي أنا رجلٌ أعرابيٌّ
من بني عذرة، أقبلت إلى أمير المؤمنين مشتكياً إليه بظلامةٍ نزلت بي من بعضعمّاله. فقال
له الرّسول: أصبحت يا أعرابي؟ ثمّ ساربه حتّى وقف بين يديه فسلّم عليه بالخلافة ثمّ
أنشأيقول:


معاوي يا ذا العلم والحلم والفضل*** ويا ذاالنّدى والجود والنّابل الجزل
أتيتك لمّا ضاق في الأرض مذهبي*** فيا غيث لا تقطع رجائي منالعدل
وجد لي بإنصافٍمن الجّائر الذي*** شواني شيّاً كان أيسره قتلي
سباني سعدى وانبرى لخصومتي*** وجار ولم يعدل،وأغصبني أهلي
قصدتلأرجو نفعه فأثابني*** بسجنٍ وأنواع العذاب مع الكبل
وهمّ بقتلي غير أن منيّتي*** تأبّت، ولمأستكملالرّزق من أجلي
أغثنيجزاك الله عنّي جنّة*** فقد طار من وجدٍ بسعدى لها عقلي
فلمّا فرغ من شعره قال له معاوية: يا إعرابي إنّي أراك تشتكي عاملاً من عمّالنا ولمتسمعه
لنا! قال: أصلح الله أمير المؤمنين، وهو واللهابن عمّك مروان بن الحكم عامل المدينة. قال
معاوية: وما قصّتك معه يا أعرابي. قال: أصلح الله الأمير، كانت لي بنت عمٍّ خطبتها إلىأبيها فزوّجني منها. وكنت كلفاً بها لما كانت فيه من كمال جمالها وعقلها والقرابة. فبقيت معها يا أمير المؤمنين، في أصلح حالٍ وأنعم بالٍ، مسروراً زماناً، قريرالعين. وكانت لي صرمةً من إبلٍ وشويهات، فكنت أعولها ونفسي بها. فدارت عليها أقضيةالله وحوادث الدّهر، فوقع فيها داءٌ فذهبت بقدرة الله. فبقيت لا أملك شيئاً، وصرتمهيناً مفكّراً، قد ذهب عقلي، وساءت حالي، وصرت ثقلاً على وجه الأرض. فلمّا بلغ ذلكأباها حال بيني وبينها، وأنكرني، وجحدني، وطردني، ودفعها عنّي. فلم أدر لنفسيبحيلةٍ ولا نصرةٍ. فأتيت إلى عاملك مروان بن الحكم مشتكياً بعمّي، فبعث إليه، فلمّاوقف بين يديه، قال له مروان: يا أيّها الرّجل لم حلت بين ابن أخيك وزوجته؟ قال: أصلح الله الأمير، ليس له عندي زوجة ولا زوجته من ابنتي قط. قلت أنا: أصلح اللهالأمير، أنا راضٍ بالجّارية، فإن رأى الأمير أن يبعث إليها ويسمع منها ما تقول؟فبعث إليها فأتت الجّارية مسرعةً، فلمّا وقفت بين يديه ونظر إليها وإلى حسنها وقعتمنه موقع الإعجاب والاستحسان، فصار لي يا أمير المؤمنين خصماً وانتهرني، وأمر بيإلى السّجن. فبقيت كأني خررت من السّماء في مكانٍ سحيقٍ، ثمّ قال لأبي بعدي: هل لكأن تزوّجها منّي، وأنقدك ألف دينارٍ، وأزيدك أنت عشرة آلاف درهمٍ تنتفع بها، وأناأضمن طلاقها؟ قال له أبوها: إن أنت فعلت ذلك زوّجتها منك. فلمّا كان من الغد بعثإليّ، فلمّا أدخلت عليه نظر إليّ كالأسد الغضبان، فقال لي: ياأعرابي طلّق سعدى. قلت: لا أفعل. فأمر بضربي ثم ردّني إلى السّجن، فلمّا كان في اليوم الثّاني قال: عليّ بالأعرابي. فلمّا وقفت بين يديه، قال: طلّق سعدى. فقلت: لا أفعل. فسلّط عليّيا أمير المؤمنين خدّامه فضربوني ضرباً لا يقدر أحدٌ على وصفه، ثمّ أمر بي إلىالسّجن؛ فلمّا كان في اليوم الثّالث قال: عليّ بالإعرابي، فلمّا وقفت بين يديه قال: عليّ بالسّيف والنّطع وأحضر السيّاف، ثمّ قال: يا أعرابي، وجلالة ربّي، وكرامةوالدي، لئن لم تطلّق سعدى لأفرّقنّ بين جسدك وموضع لسانك. فخشيت على نفسي القتلفطلّقتها طلقةً واحدةً على طلاق السّنّة، ثمّ أمر بي إلى السّجن فحبسني فيه حتّىتمّت عدّتها ثمّ تزوّجها، فبنى بها، ثمّ أطلقني. فأتيتك مستغيثاً قد رجوت عدلكوإنصافك، فارحمني يا أمير المؤمنين. فوالله يا أمير المؤمنين لقد أجهدني الأرق،وأذابني القلق، وبقيت في حبّها بلا عقلٍ، ثمّ انتحب حتىّ كادت نفسه تفيض. ثمّ
أنشأ يقول:
في القلب منّي نارٌ*** والنّار فيهالدّمار
والجّسم منّيسقيمٌ*** فيه الطّبيب يحار
والعين تهطل دمعاً*** فدمعها مدرار
حملت منه عظيماً*** فما عليهاصطبار
فليس ليليليلٌ*** ولا نهاري نهار
فارحم كئيباً حزيناً*** فؤاده مستطار
اردد عليّ سعادي*** يثيبكالجبّار
ثمّ خرّ مغشيّاً عليه بين يدي أمير المؤمنين كأنّه قد صعق به قال: وكان في ذلك الوقت معاوية متكّئاً، فلمّا نظر إليه قد خرّ بين يديه قام ثمّ جلس،وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. اعتدى والله مروان بن الحكم ضراراً في حدودالدّين، وإحساراً في حرم المسلمين: ثمّ قال: والله يا أعرابي لقد أتيتني بحديثٍ ماسمعت بمثله. ثمّ قال: يا غلام عليّ بداوةٍ وقرطاسٍ فكتب إلى مروان: أمّا بعد، فإنّهبلغني عنك أنّك اعتديت على رعيّتك في بعض حدود الدّين، وانتهكت حرمةً لرجلٍ منالمسلمين. وإنّما ينبغي لمن كان والياً على كورةٍ أو إقليمٍ أن يغضّ بصره وشهواته،ويزجر نفسه عن لذّاته. وإنّما الوالي كالرّاعي لغنمةٍ، فإذا رفق به بقيت معه، وإذاكان لها ذئباً فمن يحوطها بعده. ثمّ كتب بهذه الأبيات
ولّيت، ويحك أمراً لست تحكمه*** فاستغفر اللهمن فعل امرئٍ زاني
قدكنت عندي ذا عقلٍ وذا أدبٍ*** مع القراطيس تمثالاًوفرقان
حتّى أتانا الفتىالعذريّ منتحباً*** يشكو إلينا ببثٍّ ثمّ أحزان
أعطي الإله يميناً لا أكفّرها*** حقّاً وأبرأ من دينيودياني
إن أنت خالفتنيفيما كتبت به*** لأجعلنّك لحماً بين عقباني
طلّق سعاد وعجّلها مجهّزةً*** مع الكميت، ومع نصر بنذبيان
فما سمعت كمابلّغت في بشرٍ*** ولا كفعلك حقاً فعل إنسان
فاختر لنفسك إمّا أن تجود بها*** أو أن تلاقي المنايابين أكفان


ثمّ ختم الكتاب. وقال: عليّ بنصر بن ذبيان والكميت صاحبيّ البريد. فلمّا وقفا بين يده قال: اخرجا بهذا الكتاب إلى مروان بن الحكم ولا تضعاه إلاّبيده. قال فخرجا بالكتاب حتّى وردا به عليه، فسلّما ثمّ ناولاه الكتاب. فجعل مروانيقرأه ويردّده، ثمّ قام ودخل على سعدى وهو باكٍ، فلمّا نظرت إليه قالت له: سيّدي ماالذي يبكيك؟ قال كتاب أمير المؤمنين، ورد عليّ في أمرك يأمرني فيه أن أطلّقكوأجهّزك وأبعث بك إليه. وكنت أودّ أن يتركني معك حولين ثمّ يقتلني، فكان ذلك أحبّإليّ. فطلّقها وجهّزها ثمّ كتب إلى معاوية
بهذهالأبيات:
لا تعجلنّ أمير المؤمنين فقد*** أوفي بنذرك فيرفقٍ وإحسان
وما ركبتحراماً حين أعجبني*** فكيف أدعى باسم الخائن الزاني
أعذر فإنّك لو أبصرتها لجرت*** منك الأماقي على أمثالإنسان
فسوف يأتيك شمسٌ لايعادلها*** عند الخليفة إنسٌ لا ولا جان
لولا الخليفة ما طلّقتها أبداً*** حتّى أضمّنّ في لحدٍوأكفان
على سعادٍ سلامٌ منفتىً قلقٍ*** حتّى خلّفته بأوصابٍ وأحزان
ثمّ دفعه إليهما، ودفع الجّارية على الصّفة التي حدّث له. فلمّاوردا على معاوية فكّ كتابه وقرأ أبياته ثمّ قال: والله لقد أحسن في هذه الأبيات،ولقد أساء إلى نفسه. ثمّ أمر بالجّارية فأدخلت إليه، فإذا بجاريةٍ رعبوبةٍ لا تبقيلناظرها عقلاً من حسنها وكمالها. فعجب معاوية من حسنها ثمّ تحوّل إلى جلسائه وقال: والله إنّ هذه الجّارية لكاملة الخلق فلئن كملت لها النّعمة مع حسن الصّفة، لقدكملت النّعمة لمالكها. فاستنطقها، فإذا هي أفصح نساء العرب. ثمّ قال: عليّبالأعرابي. فلمّا وقف بين يديه، قال له معاوية: هل لك عنها من سلوٍ، وأعوّضك عنهاثلاث جوارٍ أبكارٍ مع كلّ جاريةٍ منهنٍ ألف درهمٍ، على كلّ واحدةٍ منهنّ عشر خلعٍمن الخزّ والدّيباج والحرير والكتّان، وأجري عليك وعليهنّ ما يجريعلى المسلمين،وأجعل لك ولهنّ حظاً من الصّلات والنّفقات؟ فلما أتمّ معاوية كلامه غشي علىالأعرابيّ وشهق شهقةً ظنّ معاوية وأسوأ حالٍ، أعوذ بعدلك يا أمير المؤمنين من جورمروان. ثمّ أنشأ يقول
لا تجعلني هداك الله من ملكٍ*** كالمستجير منالرّمضاء بالنّار
أرددسعاد على حرّان مكتئبٍ*** يمسي ويصبح في همٍّ وتذكار
قد شفّته قلقٌ ما مثله قلقٌ*** وأسعر القلب منه أيّإسعار
والله والله لاأنسى محبّتها*** حتّى أغيّب في قبري وأحجاري
كيف السّلوّ وقد هام الفؤاد بها*** فإن فعلت فإني غيركفّار
فأجمل بفضلك وافعلفعل ذي كرمٍ*** لا فعل غيرك، فعل اللؤم والعار


ثمّ قال: والله يا أمير المؤمنين لو أعطيتني كلّ ما احتوته الخلافةما رضيت به دون سعدى. ولقد صدق مجنون بني عامر حيث يقول:
أبى القلب إلاّ حبّ ليلى وبغّضت*** إليّ نساءٌ ما لهنذنوب
وما هي إلاّ أن أراهافجاءةً*** فأبهت حتّى لا أكاد أجيب
فلمّا فرغمن شعره، قال له معاوية: يا أعرابي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: إنك مقرٌّعندنا أنّك قد طلّقتها، وقد بانت منك ومن مروان، ولكن نخيّرها بيننا. قال: ذاكإليك، يا أمير المؤمنين. فتحوّل معاوية نحوها ثمّ قال لها: يا سعدى أيّنا أحبّإليك: أمير المؤمنين في عزّه وشرفه وقصوره، أو مروان في غصبه واعتدائه، أو هذاالأعرابي في جوعه وأطماره؟
فأشارت الجّارية نحو ابن عمّها الأعرابي، ثمّ أنشأتتقول:
هذا وإن كان في جوعٍوأطمار*** أعزّ عندي من أهلي ومن جاري
وصاحب التّاج أو مروان عامله*** وكلّ ذي درهمٍ منهمودينار
ثمّ قالت: لست، والله، يا أميرالمؤمنين لحدثان الزمان بخاذلته، ولقد كانت لي معه صحبة جميلة، وأنا أحقّ من صبرمعه على السّرّاء والضّرّاء، وعلى الشّدّة والرّخاء، وعلى العافية والبلاء، وعلىالقسم الذي كتب الله لي معه. فعجب معاوية ومن معه من جلسائه من عقلها وكمالهاومروءتها وأمر لها بعشرة آلاف درهمٍ وألحقها في صدقات بيت المسلمين.
أ
lماشاء الله طرح مفيد بارك الله فيك
ا
وفيك بارك الله
ل
جزاج الله خير على الطرح والقصه الاكثر من رائعه..
سلمت اناملج..
F:F:
n
يعطيك العافية حلو ة كتير
ز
جزاكى الله خيراا حبيبتى

وجعله فى ميزاان حسنااتك
X