الحكمة من الطواف بينها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : (( إنما جعل الطواف بالبيت والصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله )) رواه أبو داود ، فالطائف يطوف بجسده وأما قلبه وروحه فإلى الله اتجهاهما ، وبه تعلقهما . ولسان الحاج وقلبه يلهجان بقولهما : (( لبيك اللهم لبيك )) وما سمعنا عن أحد أنه قال : (( لبيك يا كعبة لبيك )) ، فالطواف والتلبية استجابة لأمر الله ، وليست للكعبة . . ولعل مما يفسر هذا قول بعض الصالحين : طاف الجسد بالبيت ، وطاف القلب برب البيت .
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : (( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ )) (البقرة:125).
وأما ما أورده بعض الزنادقه من أن الطواف بالبيت هو وثنية ، فذاك من زندقتهم وإلحادهم وجهلهم ، فإن المؤمنين ما طافوا به إلا بأمر الله ، وما كان بأمر الله فالقيام به عبادة لله تعالى .
و لإظهار رعاية التقيد والتعبد لله تعالى بتأدية هذا الواجب المقدس بكيفيته الخاصة من حيث اشتراط الابتداء به من الحجر الأسود وختامه به مع جعل الكعبة على جهة يسار الطائف وإدخال حِجْر إسماعيل في الطواف بمعنى جعله على اليسار أيضاً وتحديد العدد بسبعة أشواط فإذا التزم المكلف بإتيان هذا الواجب بهذه الكيفية وتلك الكمية من دون أن يعرف السرف في ذلك كله على وجه التفصيل وإنما يأتي به كذلك لأن الله سبحانه تعبده به وما عليه إلا أن يقوم بواجب العبودية والتسليم للإرادة الإلهية مع الاقتناع التام بالحكمة السماوية وأن كل ما يأمر به الله سبحانه لابد أن يكون لحكمة ومصلحة تعود إلى المكلف كما هو الشأن العام في كل ما يتعبد به المكلفين من الواجبات .

وكذلك كل ما ينهى عنه سبحانه لابد أن يكون ذلك لحكمة ومفسدة تعود على المكلف .

وهذا المقدار من المعرفة الكاشفة عن وجود الحكمة في أصل تشريع وجوب الحج بصورة عامة ووجوب كل جزء من أجزائه وشعيرة من شعائره .