![]()
سيرة السيدة عائشة بنت أبي بكر - رضي الله عنهما -
توطئة:
لقد أدت عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – وأعطت أسمى وأشرف ما يكون العطاء، وقدمت للتاريخ نموذجًا رائعًا قل أن نجد له مثيلاً على مدى الحياة.
فقد أعطت للناس العلم وخلفت تراثًا في أحكام الفقه وأصوله وهي مثال للحياة الزوجية الناجحة الودودة، وبلغت درجة عالية في مكارم الأخلاق وكانت نبراسًا وقدوة للداعيات إلى الله على بصيرة وهكذا كانت أمهات المؤمنين جميعًا زادًا للسائرين على الدرب وها نحن نعيش رحلة مباركة تحمل بين طياتها نفحات هذه الكريمة التي عطرت كتب السيرة بسيرتها الميمونة.
السيدة عائشة – رضي الله عنها – مولدها ومنبتها الكريم:
هي عائشة بنت أبي بكر خليفة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصاحبه في الغار، تكنت بأم عبدالله وهو ابن أختها أسماء وأبوه الزبير وهي "أم المؤمنين" لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 6).
وتلقب بالصديقة نسبة إلى أبيها أول المؤمنين والمصدقين بالإسلام وهي قرشية مكية وأمها أم رومان بنت عامر التميمية وكانت عائشة – رضي الله عنها – جميلة بيضاء ومن ثم يقال لها الحميراء، ولدت في الإسلام بين أبوين كريمين مؤمنين، فأبوها من خير الناس بعد الرسول – صلى الله عليه وسلم – وقد نشأت في تربة صالحة، وأراد الله أن يصنعها على عينه فاختارها زوجة لحبيبه المصطفى - صلى الله عليه وسلم-
السيدة عائشة – رضي الله عنها قدرها ومنزلتها:
إن مناقب أم المؤمنين كثيرة وجليلة ومنها:-
روى البخاري – رضي الله عنه – أنها قالت أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال لها أريتك في المنام مرتين، أرى أنك في سُرقة "قطعة حرير جيد" ويقال: هذه امرأتك، فأكشف عنها فإذا هي أنت!! فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه وكان من عند الله فأمضاه، وتزوج بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكانت أحب نسائه إليه وهي زوجته في الدنيا والآخرة.. ويالها من كرامة عظيمة لأمنا عائشة – رضي الله عنها –.
ومن مناقبها العظيمة التي تذكر لها مدى الدهر: أن الله – تعالى – أنزل براءتها من فوق سبع سماوات في عشر آيات من كتابه العزيز "سورة النور" برأها مما قاله أهل الإفك والنفاق وبشرها في الآيات بالجنة قال تعالى: ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ...﴾ (النور: من الآية 26).
ويتجلى موقف عزيز شجاع لأم المؤمنين آنذاك لما قال لها أبوها بعد آيات البراءة قومي لرسول الله قبلي رأسه واحمديه على ذلك، وقد عرفت أن الذي برأها هو الله – سبحانه – فقالت: "والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله – تعالى – الذي أنزل براءتي" فلم تر غيره يستحق الحمد على ذلك، وصدق الرسول على قولها في ذلك! إذ قال: "عرفتِ الحق لأهله، ولم يكره ذلك منها، ولم يعتب عليها فيه.
ومن الفضائل العظيمة والمنزلة السامية عن شهاب قال أبو سلمة: إن عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يومًا: "يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام"، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى يعني رؤيته – صلى الله عليه وسلم – لجبريل، وفي هذا الموقف رأت عائشة جبريل عليه السلام في صورة الصحابي دحية الكلبي.
ومن المناقب العظيمة نزول الوحي على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في لحاف عائشة وقد أخبر – صلى الله عليه وسلم – بذلك حين غارت أم سلمة منها حيث كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وطلبت من الرسول أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان، فأعرض الرسول عن طلب أم سلمة وفي الثالثة قال لها: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها".
ومن الخلال التي لم تكن لأحد غيرها ما قالته عن نفسها: "كنت أحب الناس إليه، وبنت أحب الناس إليه، وقد نزلت فيَّ آيات من القرآن وقد كادت الأمة تهلك، ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه – صلى الله عليه وسلم – غيري وقبض في بيتي ولم يله أحد – غير الملك – إلا أنا.
ومن بركاتها – رضي الله عنها – أن الله أنزل بسببها آية التيمم تيسيرًا على المسلمين ففرح المسلمون لذلك فرحًا شديدًا.
يقول الإمام الذهبي عن مكانتها ومنزلتها في قلب الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم – فما تزوج بكرًا سواها، وأحبها حبًا شديدًا كان يتظاهر به، بحيث إن عمرو بن العاص، وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة، سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: "عائشة" قال: فمن الرجال؟ قال "أبوها".
نقف أمام هذه العاطفة البشرية لنقتدي ونتأسى بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في رقة مشاعره وينبغي أن نتجاوب معها في حياتنا.
ومن الفضائل التي تحسب لأمنا السيدة عائشة – رضي الله عنها – كون الرسول – صلى الله عليه وسلم – طلب أن يُمَرَّضَ في حجرتها لتقوم هي بتمريضه حتى يتوفاه الله، فكان ذلك ثم مات رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في بيتها وهو بين سحرها ونحرها، وقال عنها – صلى الله عليه وسلم – "فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
عائشة – رضي الله عنها – القانتة الخائفة:
كانت أم المؤمنين من أشد الناس خشية من الله، فإذا مرت بآية فيها تخويف من النار ارتعدت وبكت وتضرعت وطلبت النجاة، وإذا مرت بآية فيها تشويق إلى الجنة ركنت إليها، ومن الأحاديث النبوية التي تدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد والحاكم وأبو داود عن عائشة – رضي الله عنها – أن رأس النبي كانت في حجرها فبكت حتى سقطت دموعها على خده فقال لها: ما يبكيك يا عائشة؟ قالت ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال – صلى الله عليه وسلم -: "أما في ثلاثة مواطن: فلا يذكر أحدٌ أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الكتاب حين يقال هاؤم اقرأوا كتابية حتى يعلم أين يقع كتابه؛ أفي يمينه أم في شماله أو ومن وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حافتاه كلاليب "الخطاف" كثيرة وحسبك كثير يحبس الله به من يشاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا".
وقال عروة: فما كانت عائشة تستجد ثوبًا حتى ترقع ثوبها وتنكسه، وكانت تقول – رضي الله عنها – والله لوددت أني كنت شجرة، والله لوددت أني كنت مدرة "حجرًا" والله لوددت أن الله لم يكن خلقني شيئًا قط، وهكذا شأن القلوب العامرة بالإيمان تبكي خوفًا من الله وتدعوه.
السيدة عائشة – رضي الله عنها – العابدة الزاهدة:
رغم أن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – تزوجت النبي صغيرة في سن مفطور على اللهو واللعب والتمتع بالحياة، إلا أنها شغلت نفسها بمعالي الأمور والتضحية بملذات الدنيا مدركة أنها زوجة نبي فكانت متعتها أن تهب نفسها لله وطاعة نبيه معرضة عن الدنيا، ومن زهدها – رضي الله عنها – أنها كانت تصوم الدهر ولا تفطر إلا يوم عيد الفطر أو يوم عيد الأضحى.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مسروق عن عائشة – رضي الله عنها – قالت ما شبعت بعد النبي من طعام إلا ولو شئت أن أبكي لبكيت، ما شبع آل محمد – صلى الله عليه وسلم – حتى قبض"، وذلك لإدراكها أن كثرة الطعام يقعد الإنسان عن العبادة ويمنع الحكمة ويقطع الفكرة، أما السكن فكان البيت من الطوب اللبن، والسقف من الجريد، والفرش حصيرًا، ولم تتغير حينما فتح الله على المسلمين بالغنائم، وامتلأت الخزائن ومفاتحها بيده – صلى الله عليه وسلم – لكن عائشة كانت قدوة للناس في الزهد حتى لا يتفاخروا ولا يتكاثروا، كل ذلك ولم تدفع مرارة الجوع عائشة إلى السخط، رغم يقينها أن الله لو أراد لجعل الجبال لنبيه ذهبًا ولكنه وأهله آثروا الحياة الآخرة على الدنيا وصبرت معه راضية زاهدة دون شكوى أو ضجر بل وعلت حلاوة الإيمان على مرارة الجوع.
السيدة عائشة – رضي الله عنها – الجوادة الكريمة:
كانت عائشة – رضي الله عنها – مثالاً في الكرم والجود، وأعطت المثل الأعلى في الجود بالموجود عن طيب خاطر ونفس طيبة ابتغاء مرضاة الله، فكانت تطيب الدرهم بالمسك قبل أن تتصدق به لأنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد السائل.
وكانت الدنيا عند أم المؤمنين أهون من أي شيء، ولا يجتمع إيمان وبخل في قلب مؤمن أبدًا لأن الدنيا في يده وليست في قلبه وحبها لله أعظم من المال، والذين آمنوا أشد حبًا لله وعن عبدالله بن الزبير – رضي الله عنه – قال: "ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء، وجودهما مختلف، أما عائشة فكانت تجمع الشيء حتى إذا اجتمع عندها قسمت، وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئًا لغد".
وكانت إذا أرسل إليها معاوية – رضي الله عنه – مالاً وعطايا فتنظر إليه فتجده سخيًا تبكي وتقول: "لكن رسول الله لم يكن يجد هذا ثم تفرقه كله ولا تدخر منه شيئًا لنفسها".
أخرج أبو نعيم في الحلية عن أم ذرة قالت: بعث إليها ابن الزبير بمال: أراه ثمانين أو مائة ألف.. فجلست تقسم بين الناس فأمست وما عندها من درهم ولم تجد ما تفطر عليه وهي صائمة يومها إلا الخبز والزيت، وعلقت أم ذرة قائلة أما استطعت أن تشتري لنا لحمًا بدرهم نفطر عليه؟ قالت: لا تعنفيني لو كنت ذكرتيني لفعلت! لقد نسيت نفسها وآثرت بهذا المال غيرها، وهكذا المؤمن ينشغل بغيره عن نفسه ورغم أن عمرها حينما توفى النبي – صلى الله عليه وسلم – ثمانية عشر عامًا إلا أنها لم تفتن وظلت كريمة عالية الهمة معطاءة لم تدخر شيئًا زاهدة خاشعة متبتلة لربها حتى توفيت – رضي الله عنها –.
السيدة عائشة – رضي الله عنها – العالمة الفقيهة:
كانت عائشة – رضي الله عنها – أعلم الناس يسألها أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد اشتغلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعن أبي سلمة قال: "ما رأيت أحدًا أعلم بسنن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا أفقه في رأي إن احتيج إلى رأيه ولا أعلم بآية فيما نزلت ولا فريضة من عائشة"، وعن مسروق قال: نحلف بالله لقد رأينا الأكابر من أصحاب رسول الله يسألون عائشة عن الفرائض.
وقد عاشت عائشة بعد وفاة النبي ما يقرب من خمسين سنة يأخذ المسلمون عنها نصف دينهم، ونقل عنها ربع الأحكام الشرعية، وعن أبي موسى الأشعري قال: "ما أشكل علينا حديث قط فسألنا عائشة عنه إلا وجدنا عندها منه علمًا".
وعن عروة عن أبيه قال: ما رأيت أحدًا من الناس أعلم بالقرآن ولا بفريضة ولا بحلال ولا حرام ولا بشعر ولا بحديث العرب ولا بنسب من عائشة – رضي الله عنها -.
وكانت عائشة من أعلم الناس بأسباب نزول كثير من آيات القرآن واستنباط الأحكام منها.
وأخرج الطبراني عن معاوية – رضي الله عنه – قال: "والله ما رأيت خطيبًا قط أبلغ ولا أفصح ولا أفطن من عائشة".
فمن مثل عائشة في العلم؟ كانت تعلم الجاهل وتهدي الحائر وترشد الناس إلى الفضائل والمكارم وتدعو إلى الحق فملأت الدنيا علمًا ودينًا وأدبًا ومعرفة وزهدًا وورعًا – رضي الله عنها –.
السيدة عائشة – رضي الله عنها – وصفحات من الجهاد في سبيل الله:
لقد شاركت أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – في الجهاد وغزوات مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالضوابط والحدود التي شرعها الله من سقاية الماء، وتمريض الجرحى، وإعداد الطعام.
فقد حملت الماء في أحد وسقت المجاهدين، وكانت صغيرة السن ويروي أنس بن مالك – رضي الله عنه – فيقول: "ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر، وأم سليم، وإنهما لمشمرتان؛ أرى خدم "الخلخال" سوقهما؛ تنقلان القرب على متونهما ثم تفرغانه في أفواههم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان تفرغانه في أفواه القوم.
وفي غزوة الخندق، أبدت عائشة – رضي الله عنها – شجاعة نادرة حيث رآها عمر تقترب من الصفوف الأولى للمجاهدين، وشاركت – رضي الله عنها – مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في غزوة بني المصطلق تلك الغزوة التي بليت فيها بحادث الإفك، وخرجت منها ببراءة وشهادة ربانية تبين طهارتها وعفتها وكمال شرفها وهي التي بلغت بحرصها أن تستأذن الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الجهاد من كثرة ما سمعت عن فضله، فعنها – رضي الله عنها – قالت: "استأذنت النبي – صلى الله عليه وسلم – في الجهاد فقال: "جهادكن الحج" وهكذا فلتكن المرأة المسلمة على استعداد للتضحية إذا دعت الضرورة.
السيدة عائشة – رضي الله عنها – الصابرة على المكاره والبلاء:
لقد تعرضت عائشة – رضي الله عنها – لحادثة ذاقت منها أقسى أنواع الظلم والغم والكرب، وهي حادثة الإفك التي استقبلتها بصبر جميل واحتساب لله بثقة ويقين وأمل في عدل الله ورحمته دون أن تقول ما يغضب ربها، ولم يذكر أحد من الناس أنها قالت كلمة جارحة لمن ظلموها تعبر بها عن غضبها وحزنها وإحساسها بمرارة الظلم والبهتان الذي أصابها ولكنها تعلقت بالله وطلبت منه أن يكشف عنها الكرب والغم، ويظهر الحق ويفضح وجه الباطل ويرد كيد أهل النفاق والكذب والبهتان، بعد أن رموها في عرضها وهي أهل الطهر والعفاف والشرف والفضائل والمكارم، فيالها من مؤمنة صبرت على بلاء يعصف بالقلوب ويهد الجبال حيث اتهمت في أعز ما تملك المرأة!!!
وعاشت مدة شهر أوقات عصيبة حرجة بعد فرية من المنافقين الذين رأوا انتصارات المسلمين تتسع يومًا بعد يوم فأرادوا أن يوجهوا ضربة قاسمة للنبي – صلى الله عليه وسلم – في أحب الناس إليه فرموا أمنا الطاهرة النقية، ولكن الله للباطل وأهله بالمرصاد، وكان لهذا الحدث على نفس الرسول ما له من حزن، ولكنه صبر وعالج الأمر بحكمة وروية رغبة في أن يقي الأمة الفتن والمكائد وإن الله – سبحانه – يدافع عن عباده المؤمنين، حيث كشف الغمة وفرج الكرب وأنزل البراءة من فوق سبع سماوات بقرآن مجيد يتلى إظهارًا لشرفها وعفتها ومكانتها ومكارمها ومكانتها من قلب رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – ونزلت الآية الشريفة: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: من الآية 11).
قال القرطبي في تفسيره: "قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف عليه السلام لما رمي بالفاحشة برَّأه الله – سبحانه – على لسان صبي في المهد، وإن مريم لما رميت بالفاحشة برَّأها الله على لسان ابنها عيسى عليه السلام، وإن عائشة لما رميت بالفاحشة برَّأها الله تعالى بالقرآن، فما رضي لها ببراءة صبي ولا نبي، حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان" وهذا يناسب قدر أمنا الغالية.
وصدق الله – تعالى – إذ يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج: من الآية 38).
السيدة عائشة – رضي الله عنها – وقصة الزواج المبارك:
عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: لما توفيت خديجة، قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص – امرأة عثمان بن مظعون، وذلك بمكة -: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: "من؟" قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا؟ قال: "فمن البكر؟" قالت: ابنة أحب خلق اله إليك عائشة بنت أبي بكر، قال: "فمن الثيب؟" قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك، واتبعتك على ما أنت عليه، قال: "فاذهبي فاذكريهما عليَّ".
فجاءت فدخلت بيت أبي بكر، فوجدت أم رومان أم عائشة فقالت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة، أرسلني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخطب عليه عائشة! قالت: وددت، انتظري أبا بكر، فإنه آتٍ، فجاء أبو بكر فقالت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة!! أرسلني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخطب عليه عائشة فقال: هل تصلح له، إنما هي بنت أخيه؟ فرجعت إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فذكرت ذلك له، فقال: "ارجعي إليه فقولي له: أنت أخي في الإسلام، وأنا أخوك، وابنتك تصلح لي".
فأتت أبا بكر فقال: ادعي لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فجاء فأنكحه "وأنا يومئذ ابنة ست سنين" [قال الهيثمي في المجمع (15285): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث].
لقد أدركت "خولة" – السيدة الأنثى صاحبة التجارب – حاجة البيت النبوي الشريف إلى من يملأ الفراغ، ويسد الثغرة، حنانًا وحبًا وإشفاقًا وكانت "خولة" بحكم نضوجها وبُعد نظرها وعمق إيمانها، تحيط بالظروف النفسية والاجتماعية والزمنية التي تستقطب صاحب الرسالة – صلى الله عليه وسلم – فقالت بعد درس وتفكير، عارضة على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الزواج.
ولعل خولة في عرضها هذا كانت تهدف إلى من يقوم على رعاية الأسرة وتدبير شئون البيت من خلال "سودة" وعلى رأب صدع القلب الشريف من خلال "عائشة" وتوثيق العروة بالمصاهرة بين النبي – صلى الله عليه وسلم والصدِّيق رضي الله عنه.
قال الإمام الذهبي: وكان تزويجه بها إثر وفاة خديجة فتزوج بها وبسودة في وقتٍ واحد ثم دخل بسودة فتفرَّد بها ثلاثة أعوام حتى بنى بعائشة في شوال بعد وقعة بدر فما تزوج بكرًا سواها.
هكذا جاء الوحي بصورتها إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأخبره بأنها زوجته في الدارين، وكانت تحلم بهذه اللحظات الخالدة لتكون زوجة لسيد الأولين والآخرين وأمّاً للمؤمنين.
وقفات من حياتها:
غيرتها على الحبيب:
كانت حياة أمهات المؤمنين جميعًا ملؤها المودة والانسجام والثقة في الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكن طبيعة المرأة تأبى أن يحتل غيرها مكانها في قلب زوجها، والغيرة المعتدلة تزيد من الحب والمودة والاهتمام وتشعر الطرف الآخر بأنه موضع اهتمام وعناية.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن من الغيرة ما يحبه الله، ومنها ما يبغضه الله – سبحانه – فالتي يحبها الله الغيرة في الريبة".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت امرأة سوداء على النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليها قالت: فقلت: يا رسول الله، أقبلت على هذه السوداء فقال: "إنها كانت تدخل على خديجة وإن حسن العهد من الإيمان". وكانت رضي الله عنها تحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتغار عليه غيرة شديدة.
فعنها – رضي الله عنها –أن رسول الله خرج من عندها ليلاً قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: "مالك يا عائشة! أغرت؟، فقالت وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال: "أقد جاءك شيطانك.. إلخ؟".
وقالت – رضي الله عنها –: "كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأقول أتهب المرأة نفسها؟.
فلما أنزل الله – تعالى -: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ﴾ (الأحزاب: من الآية 51)
يعني يتزوج من شاء ويترك من شاء ويقيم لمن شاء، قلت ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك "يعني موجدًا لما يريد ويحب الرسول".
ويقول الإمام الذهبي من أعجب الأشياء أن تغار عائشة من خديجة رغم أنها تزوجت النبي بعد وفاتها، وأن الله قد حمى عائشة من غيرة باقي النساء.
وموقعة الجمل:خرجت السيدة عائشة – رضي الله عنها – إلى البصرة لما حدثت الفتنة بين علي ومعاوية – رضي الله عنهما – ومعها سيدنا طلحة والزبير بن العوام وجماعة من كبار الصحابة – رضي الله عنهم – يريدون الإصلاح بين الناس والمطالبة بدم عثمان، وكان ما كان بقضاء الله وقدره من القتل في هذه الموقعة، وقد تجلت الخشية في أمنا – رضي الله عنها – بعد هذا الموقف فكانت عندما تقرأ قول اله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (الأحزاب: من الآية 33) تبكي حتى يبتل بدموعها خمارها.
وروي في هذا الموقف أنها لما أقبلت على مكان يسمى "مياه بني عامر" ليلاً نبحت الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا ماء الحوأب، قالت: ما أظنني إلا أنني راجعة، قال بعض من كان معها اجتهادًا منهم: بل تقدمين فيراك المسلمون، فيصلح الله ذات بينهم، قالت: إن رسول الله قال ذات يوم: "كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب، وقد خرجت متأولة قاصدة الخير" يقول الإمام الذهبي: ولا ريب أن عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة وحضورها يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ، ومن كلامه رحمه الله يتضح موقف السيدة عائشة في هذه الواقعة التي أرادها الله لحكمة يعلمها وهو الأعلى والأعلم بمصائر العباد.
السيدة عائشة – رضي الله عنها – في سماء الفصاحة والبلاغة:
لقد كان لنشأة أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – في بيت أبي بكر الصديق المعروف بالفصاحة والبلاغة والبيان، ومعرفته بعلم الأنساب وأيام العرب أكبر الأثر في روعة بيانها ولا أدل على ذلك من روايتها لحديث الإفك وهو قطعة أدبية نادرة، وذلك لأنها نهلت من موارد القرآن والسنة ويتملكك العجب في مقدرة عائشة – رضي الله عنها – على صوغ المعاني والألفاظ بأنفس الكلام وأحلاه وأجوده فكانت مضرب المثل.
يقول الإمام الذهبي – رحمه الله – عنها: لها حفظ وافر من الفصاحة والبلاغة مع ما لها من المناقب.
وعن موسى بن طلحة قال: ما رأيت أحدًا أفصح من عائشة.
وعن الشعبي: أن عائشة قال: رويت للبيد نحوًا من ألف بيت وكان يتعجب من فقهها وعلمها ويقول: ما ظنكم بأدب النبوة؟ وما نزل بها شيء إلا وأنشدت شعرًا.
وسأل معاوية زياد بن أبيه عن أفصح الناس وعزم عليه بقوله: أي الناس أبلغ يا زياد؟ قال زياد: أما إذا عزمت عليَّ يا أمير المؤمنين فعائشة ابنة أبي بكر أم المؤمنين – رضي الله عنها – وذلك لامتلاكها ناصية البيان.
وعن هشام عن أبيه قال: ربما روت عائشة القصيدة ستين بيتًا أو أكثر.
وروى ابن سيرين عن الأحنف، قال: "سمعت خطبة أبي وعمر وعثمان وعلي والخلفاء بعدهم، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة.
وذكر أبو عمر عن عبد البر رحمه الله: "أنها كانت وحيدة عصرها في ثلاثة علوم: علوم الفقه وعلم الطب وعلم الشعر.
ومن روافد بلاغتها أيضًا استماعها لشعر وخطب وفود العرب بحكم ملاصقة حجرتها للمسجد النبوي.
وهكذا شهد هذا الجمع لأمنا بالفصاحة والبيان التي أثرت بقوة في قلوب الخلائق وبلغت ما لم تبلغه امرأة قط في عصر النبوة وحتى وقتنا، فرضي الله عنها وأرضاها.
السيدة عائشة – رضي الله عنها – والرفيق الأعلى:
في ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان المبارك، ألم المرض بأم المؤمنين عائشة، وصعدت روحها إلى بارئها وقد وصت أن تدفن بالبقيع مع صواحبها أمهات المؤمنين وآل البيت – صلى الله عليه وسلم – ودفنت من ليلتها بعد صلاة الوتر.
وقدم أبو هريرة – رضي الله عنه – فصلى عليها، فاجتمع الناس وكانوا كثر وصلوا عليها.
فرضي الله عن أمنا وزوجة نبينا – صلى الله عليه وسلم – وسلام عليها في المؤمنات الصالحات وجعل جنة الفردوس مثواها.آمين
لسيدة عائشة (رضي الله عنها) هو ما لهذه الإنسانة من عقل نير، وذكاء حاد ، وعلم جم. ولدورها الفعال في خدمة الفكر الإسلامي من خلال نقلها لأحاديث رسول الله وتفسيرها لكثير من جوانب حياة الرسول صلى الله عليه و سلم واجتهاداتها . وهي كذلك المرأة التي تخطت حدود دورها كامرأة لتصبح معلمة أمة بأكملها ألا وهي الأمة الإسلامية. لقد كانت (رضي الله عنها) من أبرع الناس في القرآن والحديث و الفقه، فقد قال عنها عروة بن الزبير (( ما رأيت أحداً أعلم بالقرآن ولا بفرائضه ولا بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بحديث عرب ولا بنسب من عائشة)). 1
وفي هذه النقطة البحثية تطرقت إلى ثلاث مجالات تميزت فيهم السيدة عائشة وهي :
1. علمها وتعليمها .
2. السيدة المفسرة المحدثة.
3. السيدة الفقيهه .
وقد اخترت هذه المجالات ؛ لأهميتها ولأثرها الواضح في المجتمع والفكر الإسلامي، فهي (رضي الله عنها) بعلمها ودرايتها ساهمت بتصحيح المفاهيم، والتوجيه لإتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد كان أهل العلم يقصدونها للأخذ من علمها الغزير، فأصبحت بذلك نبراساً منيراً يضيء على أهل العلم وطلابه.تلكم هي عائشة بنت أبي بكر الصديق زوجة رسول الله وأفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالقرآن والحديث والفقه. ولدت بمكة المكرمة في العام الثامن قبل الهجرة ، تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية للهجرة، فكانت أكثر نسائه رواية لأحاديثه.
كانت من أحب نساء الرسول إليه، وتحكي (رضي الله عنها) عن ذلك فتقول ((قالت عائشة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم : فضلت عليكن بعشر ولا فخر : كنت أحب نسائه إليه وكان أبي أحب رجاله إليه ، وابتكرني ولم يبتكر غيري ، وتزوجني لسبع ، وبنى بي لتسع ، ونزل عذري من السماء واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم نساءه في مرضه ، فقال : إنه ليشق علي الاختلاف بينكن فائذن لي أن أكون عند بعضكن . فقالت أم سلمة : قد عرفنا من تريد عائشة . أذنا لك ، وكان آخر زاده من الدنيا ريقي ، أتي بسواك ، فقال : انكثيه ياعائشة . فنكثته وقبض بين حجري ونحري ، ودفن في بيتي )).
الراوي: عبدالملك بن عمير - خلاصة الدرجة: إسناده صالح ، ولكن فيه انقطاع - المحدث: الذهبي - المصدر: سير أعلام النبلاء - الصفحة أو الرقم: 2/147
توفيت(رضي الله عنها) في الثامنة والخمسين للهجرة.
علمها وتعليمها
تعد عائشة (رضي الله عنها) من أكبر النساء في العالم فقهاً وعلماً، فقد أحيطت بعلم كل ما يتصل بالدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه. وكانت (رضي الله عنها) مرجعاً لأصحاب رسول الله عندما يستعصي عليهم أمر، فقد كانوا (رضي الله عنهم) يستفتونها فيجدون لديها حلاً لما أشكل عليهم. حيث قال أبو موسى الأشعري : ((ما أشكل علينا –أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً)) .
وقد كان مقام السيدة عائشة بين المسلمين مقام الأستاذ من تلاميذه، حيث أنها إذا سمعت من علماء المسلمين والصحابة روايات ليست على وجهها الصحيح،تقوم بالتصحيح لهم وتبين ما خفي عليهم، فاشتهر ذلك عنها ، وأصبح كل من يشك في رواية أتاها سائلاً.
لقد تميزت السيدة بعلمها الرفيع لعوامل مكنتها من أن تصل إلى هذه المكانة، من أهم هذه العوامل:
- ذكائها الحاد وقوة ذاكرتها، وذلك لكثرة ما روت عن النبي صلى الله عليه و سلم .
- زواجها في سن مبكر من النبي صلى الله عليه و سلم، ونشأتها في بيت النبوة، فأصبحت (رضي الله عنها) التلميذة النبوية.
- كثرة ما نزل من الوحي في حجرتها، وهذا بما فضلت به بين نساء رسول الله.
- حبها للعلم و المعرفة، فقد كانت تسأل و تستفسر إذا لم تعرف أمراً أو استعصى عليها مسائلة، فقد قال عنها ابن أبي مليكة ((كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه)).
ونتيجة لعلمها وفقهها أصبحت حجرتها المباركة وجهة طلاب العلم حتى غدت هذه الحجرة أول مدارس الإسلام وأعظمها أثر في تاريخ الإسلام. وكانت (رضي الله عنها) تضع حجاباً بينها وبين تلاميذها، وذلك لما قاله مسروق((سمعت تصفيقها بيديها من وراء الحجاب)).
لقد اتبعت السيدة أساليب رفيعة في تعليمها متبعة بذلك نهج رسول الله في تعليمه لأصحابه. من هذه الأساليب عدم الإسراع في الكلام وإنما التأني ليتمكن المتعلم من الاستيعاب، . فقد قال عروة إن السيدة عائشة قالت مستنكرة((ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يسمعني ذلك، وكنت أسبِّح-أصلي-فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم.
كذلك من أساليبها في التعليم، التعليم أحياناً بالإسلوب العملي، وذلك توضيحاً للأحكام الشرعية العملية كالوضوء. كما أنها كانت لا تتحرج في الإجابة على المستفتي في أي مسائلة من مسائل الدين ولو كانت في أدق مسائل الإنسان الخاصة. كذلك لاحظنا بأن السيدة عائشة كانت تستخدم الإسلوب العلمي المقترن بالأدلة سواء كانت من الكتاب أو السنة. ويتضح ذلك في رواية مسروق حيث قال((كنت متكئا عند عائشة . فقالت : يا أبا عائشة ! ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية . قلت : ما هن ؟ قالت : من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية . قال وكنت متكئا فجلست . فقلت : يا أم المؤمنين ! أنظريني ولا تعجليني . ألم يقل الله عز وجل : { ولقد رآه بالأفق المبين } [ 81 / التكوير / الآية - 23 ] { ولقد رآه نزلة أخرى } [ 53 / النجم / الآية - 13 ] فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : " إنما هو جبريل . لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين . رأيته منهبطا من السماء . سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض )
الراوي: عائشة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 177
فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فقال: ( إنما هو جبريل )) الراوي: عبدالله بن مسعود و عائشة - خلاصة الدرجة: صح عن عائشة وابن مسعود - المحدث: ابن القيم - المصدر: زاد المعاد - الصفحة أو الرقم: 3/33
فقالت: أولم تسمع أن الله يقوللا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) أو لم تسمع أن الله يقول
وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليٌ حكيم).
قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية ، و الله يقول: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ). قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية ، والله يقول ( قل لا يعلم من في السماوات و الأرض الغيب إلا الله ))
وبذلك يتضح لنا بأن السيدة عائشة (رضي الله عنها)كانت معقلاً للفكر الإسلامي، وسراجاً يضيء على طلاب العلم. ولذكائها و حبها للعلم كان النبي صلى الله عليه و سلم يحبها ويؤثرها حيث قال( وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)).
السيدة المفسرة المحدثة
كانت السيدة عائشة (رضي الله عنها) عالمة مفسرة ومحدثة، تعلم نساء المؤمنين،ويسألها كثير من الصحابة في أمور الدين،فقد هيأ لها الله سبحانه كل الأسباب التي جعلت منها أحد أعلام التفسير والحديث. وإذا تطرقنا إلى دورها العظيم في التفسير فإننا نجد أن كونها ابنة أبو بكر الصديق هو أحد الأسباب التي مكنتها من احتلال هذه المكانة في عالم التفسير، حيث أنها منذ نعومة أظافرها وهي تسمع القرآن من فم والدها الصديق، كما أن ذكائها و قوة ذاكرتها سبب آخر،ونلاحظ ذلك من قولها( لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه و سلم وإني لجارية ألعب (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده)).
ومن أهم الأسباب إنها كانت تشهد نزول الوحي على رسول الله، وكانت(رضي الله عنها)تسأل الرسول عن معاني القرآن الكريم وإلى ما تشير إليه بعض الآيات.فجمعت بذلك شرف تلقي القرآن من النبي صلى الله عليه و سلم فور نزوله وتلقي معانيه أيضا من رسول الله. وقد جمعت (رضي الله عنها) إلى جانب ذلك كل ما يحتاجه المفسر كقوتها في اللغة العربية وفصاحة لسانها و علو بيانها.
كانت السيدة تحرص على تفسير القرآن الكريم بما يتناسب وأصول الدين وعقائده، ويتضح ذلك في ما قاله عروة يسأل السيدة عائشة عن قوله تعالى(( حتى إذا استيأس الرسل و ظنوا أنهم قد كُذِبُوا جاءهم نصرنا…)) قلت: أ كُذِبُوا أم كُذِّبُوا؟ قالت عائشة: كُذِّبُوا، قلت: قد استيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن، قالت: أجل قد استيقنوا بذلك، فقلت لها:وظنَّوا أنهم قد كُذِبُوا؟ قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء و استأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن اتباعهم قد كذَّبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك)).
وفي موقف آخر يتضح لنا أن السيدة عائشة كانت تحرص على إظهار ارتباط آيات القرآن بعضها ببعض بحيث كانت تفسر القرآن بالقرآن. وبذلك فإن السيدة عائشة تكون قد مهدت لكل من أتى بعدها أمثل الطرق لفهم القرآن الكريم . أما من حيث إنها كانت من كبار حفاظ السنة من الصحابة، فقد احتلت (رضي الله عنها) المرتبة الخامسة في حفظ الحديث وروايته، حيث إنها أتت بعد أبي هريرة ، وابن عمر وأنس بن مالك ، وابن عباس (رضي الله عنهم).
ولكنها امتازت عنهم بأن معظم الأحاديث التي روتها قد تلقتها مباشرة من النبي صلى الله عليه و سلم كما أن معظم الأحاديث التي روتها كانت تتضمن على السنن الفعلية . ذلك أن الحجرة المباركة أصبحت مدرسة الحديث الأول يقصدها أهل العلم لزيارة النبي صلى الله عليه و سلم وتلقي السنة من السيدة التي كانت أقرب الناس إلى رسول الله، فكانت لا تبخل بعلمها على أحدٍ منهم، ولذلك كان عدد الرواة عنها كبير.
كانت (رضي الله عنها) ترى وجوب المحافظة على ألفاظ الحديث كما هي، وقد لاحظنا ذلك من رواية عروة بن الزبير عندما قالت له (( يا ابن أختي ! بلغني أن عبدالله بن عمرو مار بنا إلى الحج . فالقه فسائله . فإنه قد حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علما كثيرا . قال فلقيته فساءلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال عروة : فكان فيما ذكر ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعا . ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم . ويبقى في الناس رؤسا جهالا . يفتونهم بغير علم . فيضلون ويضلون " . قال عروة : فلما حدثت عائشة بذلك ، أعظمت ذلك وأنكرته . قالت : أحدثك أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا ؟ قال عروة : حتى إذا كان قابل ، قالت له : إن ابن عمرو قد قدم . فالقه . ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم . قال فلقيته فساءلته . فذكره لي نحو ما حدثني به ، في مرته الأولى . قال عروة : فلما أخبرتها بذلك . قالت : ما أحسبه إلا قد صدق . أراه لم يزد فيه شيئا ولم ينقص )) .
الراوي: عائشة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 2673
ولذلك كان بعض رواة الحديث يأتون إليها ويسمعونها بعض الأحاديث ليتأكدوا من صحتها، كما إنهم لو اختلفوا في أمر ما رجعوا إليها. ومن هذا كله يتبين لنا دور السيدة عائشة و فضلها في نقل السنة النبوية ونشرها بين الناس، ولولا أن الله تعالى أهلها لذلك لضاع قسم كبير من سنة النبي صلى الله عليه و سلم الفعلية في بيته عليه الصلاة و السلام .
السيدة الفقيهة :
تعد السيدة عائشة(رضي الله عنها) من أكبر النساء في العالم فقهاً وعلماً، فقد كانت من كبار علماء الصحابة المجتهدين، وكما ذكرنا سابقاً بأن أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم كانوا يستفتونها فتفتيهم، وقد ذكر القاسم بن محمد أن عائشة قد اشتغلت بالفتوى من خلافة أبي بكر إلى أن توفيت. ولم تكتفِ (رضي الله عنها) بما عرفت من النبي صلى الله عليه و سلم وإنما اجتهدت في استنباط الأحكام للوقائع التي لم تجد لها حكماً في الكتاب أو السنة، فكانت إذا سئلت عن حكم مسألة ما بحثت في الكتاب والسنة، فإن لم تجد اجتهدت لاستنباط الحكم، حتى قيل إن ربع الأحكام الشرعية منقولة عنها. فها هي (رضي الله عنها) تؤكد على تحريم زواج المتعة مستدلة بقول الله تعالى : (( والذين هم لفروجهم حافظون.إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين.فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)).
وقد استقلت السيدة ببعض الآراء الفقهية، التي خالفت بها آراء الصحابة، ومن هذه الآراء:
1-جواز التنفل بركعتين بعد صلاة العصر، قائلة((لم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر . قال فقالت عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها . فتصلوا عند ذلك )).
الراوي: عائشة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 833
وعلى الرغم من أنه من المعلوم أن التنفل بعد صلاة العصر مكروه، فقال بعض الفقهاء أن التنفل بعد العصر من خصوصياته .
2- كما أنها كانت ترى أن عدد ركعات قيام رمضان إحدى عشرة ركعة مع الوتر، مستدلة بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ،وذلك عندما سألها أبو سلمة بن عبدالرحمن (( كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ؟ فقالت : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ، يصلي أربعا ، فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي أربعا ، فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي ثلاثا . قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله ، أتنام قبل أن توتر ؟ . فقال : يا عائشة ، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي )).
الراوي: عائشة - خلاصة الدرجة: [صحيح] - المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 1147
2 - الراوي: عائشة - خلاصة الدرجة: [صحيح] - المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 2013
فكان الصحابة (رضي الله عنهم) يصلونها عشرين ركعة، لأن فعل النبي صلى الله عليه و سلم لهذا العدد لا يدل على نفي ما عداه . وهكذا جمعت السيدة عائشة بين علو بيانها و رجاحة عقلها، حتى قال عنها عطاء( كانت عائشة أفقه الناس وأحسن الناس رأياً في العامة)).
الخلاصة :
توفيت السيدة عائشة (رضي الله عنها) وهي في السادسة و الستين من عمرها،بعد أن تركت أعمق الأثر في الحياة الفقهية و الاجتماعية والسياسية للمسلمين. وحفظت لهم بضعة آلاف من صحيح الحديث عن رسول صلى الله عليه و سلم .
لقد عاشت السيدة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم لتصحيح رأي الناس في المرأة العربية ، فقد جمعت (رضي الله عنها) بين جميع جوانب العلوم الإسلامية ، فهي السيدة المفسرة العالمة المحدثة الفقيهة. وكما ذكرنا سابقاً فهي التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم أن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، فكأنها فضلت على النساء.
كما أن عروة بن الزبير قال فيها(ما رأيت أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة))، وأيضا قال فيها أبو عمر بن عبدالبر
( إن عائشة كانت وحيدة بعصرها في ثلاثة علوم علم الفقه وعلم الطب وعلم الشعر)).
وهكذا فإننا نلمس عظيم الأثر للسيدة التي اعتبرت نبراساً منيراً يضيء على أهل العلم وطلابه،للسيدة التي كانت أقرب الناس لمعلم الأمة وأحبهم، والتي أخذت منه الكثير وأفادت به المجتمع الإسلامي. فهي بذلك اعتبرت امتدادا لرسول الله صلى الله عليه و سلم
هذا اقل مايقدم من المحب لإمه الغاليه
التي برئه رب العالمين في سماء
وياتي من لا يستحق ويتهمها بطل وكفر
حسبي الله ونعم والوكيل
يارب قل المعين ولم نجد سواك انت ملذنا
فعليك بكل خبيث وخبيثه تطول على رموزنا وقيمنا
![]()



لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) أو لم تسمع أن الله يقول
رد مع اقتباس




