فدوى طوقان

أمانيـــز 17-04-2010 30 رد 7,861 مشاهدة
أ

ولدت فدوى طوقان في نابلس عام 1917 لأسرة عريقة وغنية ذات نفوذ اقتصادي وسياسي اعتبرت مشاركة المرأة في الحياة العامة أمرًا غير مستحبّ, فلم تستطع شاعرتنا إكمال دراستها, واضطرت إلى الاعتماد على نفسها في تثقيف ذاتها.

وقد شكلت علاقتها بشقيقها الشاعر إبراهيم علامة فارقة في حياتها, إذ تمكن من دفع شقيقته إلى فضاء الشعر, فاستطاعت -وإن لم تخرج إلى الحياة العامة- أن تشارك فيها بنشر قصائدها في الصحف المصرية والعراقية واللبنانية, وهو ما لفت إليها الأنظار في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي ومطلع الأربعينيات.

موت شقيقها إبراهيم ثم والدها ثم نكبة 1948, جعلها تشارك من بعيد في خضم الحياة السياسية في الخمسينيات, وقد استهوتها الأفكار الليبرالية والتحررية كتعبير عن رفض استحقاقات نكبة 1948.

كانت النقلة المهمة في حياة فدوى هي رحلتها إلى لندن في بداية الستينيات من القرن الماضي, والتي دامت سنتين, فقد فتحت أمامها آفاقًا معرفية وجمالية وإنسانية, وجعلتها على تماسٍّ مع منجزات الحضارة الأوروبيّة.

وبعد نكسة 1967 تخرج الشاعرة لخوض الحياة اليومية الصاخبة بتفاصيلها, فتشارك في الحياة العامة لأهالي مدينة نابلس تحت الاحتلال, وتبدأ عدة مساجلات شعرية وصحافية مع المحتل وثقافته.

تعدّ فدوى طوقان من الشاعرات العربيات القلائل اللواتي خرجن من الأساليب الكلاسيكية للقصيدة العربية القديمة خروجًا سهلاً غير مفتعل, وحافظت فدوى في ذلك على الوزن الموسيقي القديم والإيقاع الداخلي الحديث. ويتميز شعر فدوى طوقان بالمتانة اللغوية والسبك الجيّد, مع ميل للسردية والمباشرة. كما يتميز بالغنائية وبطاقة عاطفية مذهلة, تختلط فيه الشكوى بالمرارة والتفجع وغياب الآخرين.

مؤلفات :
على مدى 50 عامًا, أصدرت الشاعرة ثمانية دواوين شعرية هي على التوالي: (وحدي مع الأيام) الذي صدر عام 1952, (وجدتها), (أعطنا حباً), (أمام الباب المغلق), (الليل والفرسان), (على قمة الدنيا وحيدًا), (تموز والشيء الآخر) و(اللحن الأخير) الصادر عام 2000, عدا عن كتابيّ سيرتها الذاتية (رحلة صعبة, رحلة جبلية) و(الرحلة الأصعب). وقد حصلت على جوائز دولية وعربية وفلسطينية عديدة وحازت تكريم العديد من المحافل الثقافية في بلدان وأقطار متعددة .




أ
[FONT=Arial Black]
[/FONT]
[FONT=Arial Black]وأطلّ وجهك مشرقاً من خلف عام [/FONT]
[FONT=Arial Black] عام طويل ظلّ في عمري يدب كألف عام [/FONT]
[FONT=Arial Black] عام ظللت أجرّه خلفي وأزحف في الظلام [/FONT]
[FONT=Arial Black] وعواصف ثلجية تصطكّ حولي والطريق [/FONT]
[FONT=Arial Black] كانت تضيق كأنها أمل يضيق [/FONT]
[FONT=Arial Black] ويضيع في تيه القتام [/FONT]
[FONT=Arial Black] عام طويل ظلّ يفصلنا به بحر صموت [/FONT]
[FONT=Arial Black] بحر دجت أمواجه و تجمدت ، بحر تموت [/FONT]
[FONT=Arial Black] فيه الحياة و تغرق الجلجات في برد السكوت [/FONT]
[FONT=Arial Black] و أنا على شط الأصم [/FONT]
[FONT=Arial Black] أنا و الفراغ و ليل وهمي [/FONT]
[FONT=Arial Black] أصغي لعل صدى يمر [/FONT]
[FONT=Arial Black] بي ، علّ شيئاً منك ، همس ، نبأة ، [/FONT]
[FONT=Arial Black] شيئاً يمر [/FONT]
[FONT=Arial Black] بي منك عبر مدى السكوت [/FONT]
[FONT=Arial Black] لا شيء ، إلا وطأة ثقلت و صمتٌ مستمر [/FONT]
[FONT=Arial Black] عام ، و دبت بعده بعده في البحر معجزة الحياة [/FONT]
[FONT=Arial Black] لم أدر كيف ، هناك رفّت بغتة فوق المياه [/FONT]
[FONT=Arial Black] و هفت حمامه [/FONT]
[FONT=Arial Black] زرقاء ، في طهر السماء ، هفت إلي على غمامه [/FONT]
[FONT=Arial Black] و طوت جناحيها وقرت في يديه [/FONT]
[FONT=Arial Black] و رنت إليه [/FONT]
[FONT=Arial Black] و تنفست دفئاً و عطراً [/FONT]
[FONT=Arial Black] و شممت فيها منك شيئاً هاجني وجداً و ذكرى [/FONT]
[FONT=Arial Black] فمضيت ألثم ريشها [/FONT]
[FONT=Arial Black] و جعلت صدري عشها [/FONT]
[FONT=Arial Black] و شعرت أنك عدت ، أنك في الطريق [/FONT]
[FONT=Arial Black] و اجتاحني فرح الغريق [/FONT]
[FONT=Arial Black] حضنته شطآن النجاة [/FONT]
[FONT=Arial Black] و أطل وجهك من بعيد [/FONT]
[FONT=Arial Black] حلواً يرف على وجودي [/FONT]
[FONT=Arial Black] و رأيت أحزاني تموت على تعانق راحتينا [/FONT]
[FONT=Arial Black] و أضاء في فمك ابتسام [/FONT]
[FONT=Arial Black] البسمة الجذلى التي أحببتها منذ التقينا [/FONT]
[FONT=Arial Black] عادت تضيء كأنها قلب النهار [/FONT]
[FONT=Arial Black] و تصب في نفسي فيشربها دمي [/FONT]
[FONT=Arial Black] و يعبها قلبي الظمي [/FONT]
[FONT=Arial Black] و نسيت آلامي الكبار [/FONT]
[FONT=Arial Black] و نسيت في فرح اللقاء عذاب عام [/FONT]
[FONT=Arial Black] عام طويل ظلّ في عمري يدب كألف عام[/FONT]




أ
مسحت عن الجنون ضبابة الدمع –
الرمادية
لألقاكم و في عينيّ نور الحب و الإيمان
بكم,بالأرض,بالإنسان
فوا خجلي لو اني جئت القاكم–
وجفني راعشُ مبلول
وقلبي يائسٌ مخذول
وها أنا يا أحبائي هنا معكم
لأقبس منكمو جمرة
لآخذ يا مصابيح الدجى من –
زيتكم قطرة
لمصباحي ؛
و ها أنا أحبائي
إلي يدكم أمد يدي
و عند رؤوسكم ألقي هنا رأسي
وأرفع جبهتي معكم إلي الشمس
و ها أنتم كصخر جبالنا قوّة
كزهر بلادنا الحلوة
فكيف الجرح يسحقني؟
وكيف اليأس يسحقني؟
وكيف أمامكم أبكي؟
يميناً,بعد هذا اليوم لن أبكي!
أحبائي حصان الشعب جاوز –
كبوة الأمس
وهبّ الشهر منتفضاً وراء النهر
أصيخوا ,ها حصان الشعب –
يصهل واثق النّهمة
ويفلت من حصار النحس و العتمة
ويعدو نحو مرفأه على الشمس




س
وجهٌ على الرمال
وعنقٌ تخزّ فيه عقدة الحبال
هامته مشروخهٌ ودمّه مداد
تشربه حروف مرثاة رهيبة السواد
ظلّت على شفاه أمه تسيل
ظلت تسيل
ظلت تسيل
ستة أعوامٍ طوال
وجاء عام الفيل
ممتطياً مسافه
تقطعها الفصول بين الموت والحياه
تفجّر الصوت العظيم بالرعود والبروق
حاملاً النبوءة
مجتثاً الخرافه
وانطلق المجندل المسحوق ، نظرةٌ على الطريق
ونظرةٌ على السماء الرحبة المضيئة
وغطّ في القناه
مغتسلاً متمماً وضوءه
وقامت الصلاه !
س
(( إلى كرمة وعمر ))
- - -
يا كرمتي أودّ لو أطير
على جناح الشوق لو أطير
لكنّ توقي يا صغيرتي مقيّد أسير ...
يعجزني يا كرمتي العبور
فالنهر يقطع الطريق بيننا
وهم هنا يرابطون
كلعنهٍ سوداء هم هنا يرابطون
قد نسفوا نسفوا الجسور
وحرموني منك يا صغيرتي
وحرّموا العبور
**********
الموت رابضٌ على النّهر
الموت رابضٌ لكل من عبر(1)
يا كرم يا غزالتي
العسل الصّافي المضيء في العيون
يوحشني كثير
والخصل الشقراء مثل القمح ، مثل –
موسم الحصاد في حقولنا
توحشني ، توحشني كثير
أود لو أطير يا غزالتي
ش
قد نضت عنها الثياب السود لا! لا تظُنوا جُرحها الدامي اِلْتَأَمْ

وبدت في البيض من أثوابــــها من رأى إحدى حمامات الحَرَمْ؟

و مضت تمسح الكــــــف على جبهة رهن اشتعــــال و ضرمْ

نظر الطفــــــل إليها صــامــتا وبعينيه حديـــــــث و كلــــمْ

ليـــت شعري مـــابه؟ما يبتغي أبنفس الطـــــــفل سؤل مكتتمْ؟

لو أراد النجـــــم لاحتـــالت له كل ســـؤل هيّن مهمـــــــا عظُمْ

و حنت تسأل عن طلبـــــــــته فرنــــت عيـــن له و افــــترّ فمْ

قال:"يــــــاأمّي! تُرى أين أبي؟ لم لا يرجـــــع من حيث اعتزمْ؟

ناشديــــه!اسأليــــــه رجـــعةً فَلَكَـــمْ يفْرحُ قلبـــي لو قـــَـــدِمْ!

لا تَسَلْ عن جرحها كيف مضى من هنـــا أو من هنا ينزف دمْ

ضمّـــت الطفل إليهـــــــــا بيدٍ وبأخرى مسحـــت دمعـــا سَجَمْ

عزّ ما يطلبه يـــــــــا رحمتا! كيْف تأتــــي برُفــــاتٍ و ِرمـــَـمْ؟
~







هناك فوق الربوة العالية
هناك في الأصائل الساجيه
فتاة أحلام خالية
تسبح في أجوائها النائيه
الصمت والظلّ وأفكارها
رفاقها ، والسرحة الحانية
*
حياتها قصيدة فذّة
منبعها الحسّ ونيرانه
وحلم محيّر تائه
من قلق اللهمة ألوانه . .
حياتها بحر نأى غوره
وإن بدت للعين شطآنه
*
رنت فتاة الشعر مأخوذةً
بصور الطبيعة الخالية
والأفق الغربي تطفو به
ألوانه الورديه اللّاهبه
كأنه أرض خرافيّةٌ
هوت اليها شمسه الغاربه
*
ودّت وفيها لهفٌ كاسح
لو تأخذ الكون الى صدرها
تحضنه وتشبع الروح من
آياته الكبرى ومن سحرها
تعانق الأرض . . تضمُ السنا
تقبّل الغيوم في سيرها
*
ودفعت بعينها في المدى
تنهبه بالنظرة الواغله
ما أجمل الوجود ! واستغرقت
في نشوة فائضة شامله
تلتهم الكون بإحساسها
بقلبها، بروحها الذّاهلة
*
ما أجمل الوجود !! لكنها
أيقظها من حلو أحساسها
فراشة تجدَ لت في الثرى
تودعه آخر أنفاسها
تموت في صمت كأن لم تفض
مسارح الروض بأعراسها
*
دنت إليها و انثنت فوقها
ترفعها مشفقة حانيه:
أختاه ، ماذا ؟هل جفاك الندى
فمتّ في أيامك الزاهية ؟
هل صدّ عنك الزهر ؟هل ضيّعت
هواك أنسام الربى اللاهيه؟
*
كم أشعلت روحك حمّى الصبى
وأنت سكرى بالشذى و الرضاب
طافرةً بين رياض الهوى
راقصة فوق الربى و الهضاب
توشوشين الزهر حتى يُرى
منفعلاً من هذيانِ الشباب
*
كم بلبل بالورد ذي صبوةٍ
ألهبت فيه الغيرة السّاعرة
كم زنبق عانقته كم شذى
روّيت منه روحك الفائره.
فأين منك الآن دنيا الهوى
وأين أحلام الهوى الساحره!!
*
ماذا ؟ تموتين ؟ فوا حسرتا
على عروس الروض بنت الربيع
أهكذا في فوران الصّبى
يطويك إعصار الفناء المريع
وحيدةً ، لا شيّعتك الربى
ولا بكى الروض بقلب صديع
أختاه لا تأسي فهذي أنا
أبكيك بالشعر الحنون الرقيق
قد أنطوي مثلك منسيّةً
لا صاحب يذكرني أو رفيق
أواه : ما أقسى الردى ينتهي
بنا الى كهف الفناء السحيق !
واضطربت اعماقها مثلما
دوّم إعصارٌ بقلب الخضم
و انتفضت مذعورة في أسىً
و ارتعدت مرعوبة في ألم
فلم يكن يصدم أحلامها
إلا رؤى الموت وطيف العدم
وحدّقت في غير شيء وقد
حوّمت الأشباح في رأسها
ولا صور الوجود خلابة
تنبعث النشوة في نفسها
ولا رؤى الخيال رفّافة
تخدّر المحموم من هجسها
و دفق الليل كبحر طغى
فانحدرت تحت عباب المساء
تخبط في الدرب و قد غمغمت
شاخصة المقلة نحو السماء
يا مبدع الوجود ، لو صنته
من عبث الموت و طيش الفناء !.
~
خريف ومساء
ها هي الروضة قد عاثت بها أيدي الخريف
عصفت بالسَجف الخضر وألوت بالرفيف
تعس الإعصار ، كم جار على اشراقها
جرَدتها كفَه الرعناء من أوراقها
عريت ، لا زهر ، لا أفياء ، لا همس حفيف
*
ها هي الريح مضت تحسر عن وجه الشتاءِ
وعروق النور آلت لضمورٍ وانطفاء !
الفضاء الخالد اربدَ وغشَاه السحابُ
وبنفسي ، مثله ، يجثم غيم وضباب
وظلالٌ عكستها فيَ أشباح المساء !
*
وأنا في شرفتي ، أصغي الى اللحن الأخير
وقَعته في وداع النور أجواق الطيور
فيثير اللحن في نفسي غمَا واكتئابا
ويشيع اللحن في روحي ارتباكا واضطرابا
أي أصداء له تصدم أغوار شعوري !
*
الخريف الجهم ، والريح ، وأشجان الغروب
ووداع الطير للنور وللروض الكئيب
كلها تمثل في نفسي رمزاً لانتهائي !
رمز عمرٍ يتهاوى غاربا نحو الفناء
فترةً ، ثم تلفّ العمر ، أستار المغيب
*
سيعود الروض للنضرة والخصب السّريّ
سيعود النور رفّافاً مع الفجر الطّريّ
غير أني حينما أذوي وتذوي زهراتي
غير أني حينما يخبو غداً نور حياتي
كيف بعثي من ذبولي وانطفائي الأبديّ ؟!
*
آه يا موت ! ترى ما أنت ؟ قاس أم حنون
أبشوش أنت أم جهمٌ ؟ وفيٌّ أم خؤون ؟!
يا ترى من أي آفاق ستنقضّ عليّه؟
يا ترى ما كنه كأسٍ سوف تزجيها !!
قل ، أبن ، ما لونها ؟ ما طعمها ؟ كيف تكون ؟
*
ذاك جسمي تأكل الأيم منه والليّالي
وغداً تلقى الى القبر بقاياه الغوالي
وي ! كأني ألمح الدود وقد غشّى رفاتي
ساعياً فوق حطام كان يوما بعض ذاتي
عائثاً في الهيكل الناخر ، يا تعس مآلي !
*
كلّه يأكل ، لا يشبع ، من جسمي المذاب
من جفوني ، من شغافي ، من عروقي ، من غهابي
وأنا في ضجعتي الكبرى ، وحضن الارض مهدي
لا شعورٌ ، لا انفعالات ، ولا نبضات وجد
جثّة تنحل في صمتٍ ، لتنفى في التراب
*
ليت شعري ، ما مصير الروح ، والجسم هباء ؟!
أتراها سوف تبلى ويلاشيها الفناء ؟
أم تراها سوف تنجو من دياجير العدم . .
حيث تمضي حرّةً خالدةً عبر السُدم . .
ساط النور مرغاها ، ومأواها السماء ؟!
*
عجباً ، ما قصة البعث وما لغز الخلود ؟
هل تعود الروح للجسم الملقّى في اللحود ؟
ذلك الجسم الذي كان لها يوما حجابا !
ذلك الجسم الذي في الأرض قد حال ترابا !
أو تهوى الروح بعد العتق عودا للقيود ؟!
*
حيرةٌ حائرةٌ كم خالطت ظنّي وهجسي
عكست ألوانها السود على فكري وحسّي
كم تطلعت ؛ وكم ساءلت : من أين ابتدائي؟
ولكم ناديت بالغيب : الى أين انتهائي؟
قلقٌ شوَش في نفسي طمأنينة نفسي!
~
حياتي دموع
وقلب ولوع
وشوق ، وديوان شعر، وعود
حياتي ، حياتي أسىً كلهّا
اذا ما تلاشى غداً ظلّها
سيبقى على الأرض منه صدى
يردد صوتي هنا منشداً :
حياتي دموع
وقلب ولوع
وشوق ، وديوان شعر ، وعود
بليل الشجون
وعمق السكون
تمر أمامي كحلم سرى
طيوف أحبّاي تحت الثرى
فتزعج ناري خلف الرماد
ويغرق سيل الدموع وسادي
دموع الحنين
الى راحلين
مضوا وطواهم ظلام اللحود
بقلبي اليتيم
تنادي كلومي
أطلّ بروحك يا والدي
لتنظر من أفقك الخالد
فموتك ذلٌ لنا أيّ ذلّ
ونحن هنا بين أفعى وصل
ونفث سموم
وكيد خصوم
بدنيا العقوق ، بدنيا الجحود
ويبدو خيال
بغفو الليالي
خيال أبي شقّ حجب الغيوب
بعينيه ظلّ شعورٍ كئيب
أراه فتهم له أدمعي
ويحنو علي ويبكي معي
وأدعو : تعال
رحيلك طال
بمن نستظل وانت بعيد!
وفي ليل سهدي
يحرّك وجدي
اخٌ كان نبع حنانٍ وحبّ
وكان الضياء لعيني وقلبي
وهبّت رياح الردى العاتية
واطفأت الشعلة الغالية
وأصبحت وحدي
ولا نور يهدي
ألجلج حيري بهذا الوجود
وهذا شبابي
أمان كوابي
شباب سقاه الأسى ورواه
اذا ما دعته إليها الحياه
وأشواقها ، شدّه ألف غلّ
وطوّقه ألف طوق مذلّ
شباب عذاب
رهين اغتراب
يضيع شذاه بأسر القيود :
واطرق رأسي
بوحشة يأسي
وفي الروح تصخب أشواقها
وفي النفس ترعد آفاقها
وأفزع للشعر سلوة روحي
أصور أشواق عمر ذبيح . .
فيهدأ حسي
وتخشع نفسي
وتسكن لهفة روحي الشريد
وأجذب عودي
لقلبي الوحيد
فتخفق أوتاره باللحون
تهدهد قلبي وتجلو شجوني
بفنّي وشعري والحان عودي
أصارع آلام عمر شهيد
وهذا نشيدي
نشيد وجودي
سيبقى ورائي صداه يعيد :
حياتي دموع
وقلب ولوع
وشوق ، وديوان شعر ، وعود!
~
أتيت درب العمر مع قلبي
أغرس زهر الحب في الدرب
ليغرق الناس بأشذائه
تنهل في دفق وفي سكب
ليغمر الصحب بعطر الهوى
فينعموا في فيئه الرطب
فبعثروا زهري بأقدامهم
و وطأوه في الثرى الجدب ! . .
وارتجّ قلبي خلف صدري أسى
ولجّ في دقّ وفي وثب
فقلت : في أهلي وفي أخوتي
غنىّ عن الناس ، عن الصحب
وخلتني ملأت منهم يدي
وخلتهم قد ملأوا قلبي . .
فلم يطل وهمي حتى هوى
خنجرهم وغاص في جنبي !
وضحكت نفسي في سرّها
هازئةً منّي ومن حبي . .
وسرت مع قلبي وحيدين . . لا
شيء سوى الأشواك في الدرب !
~
سرت وحدي في غربة العمر ، في التيه المعمّى ، تيه الحياة السحيق
لا أرى غاية لسيري . . ولا أبصر قصداً يوفي إليه طريقي
ملل في صميم روحي ينساب ، وفيض من الظلام الدفوق
وأنا في توحّشي ، تنفض الحيرة حولي حولي أشباح رعب محيق
سرت وحدي ، في التيه ، لا قلب يهتزُّ صدى خفقه بقلبي الوحيد
سرت وحدي ، لا وقع خطو سوى خطوي على المجهل المخوف البعيد
لا رفيق ، لا صاحب لا دليل ، غير يأسي ووحدتي وشرودي
وجمود الحياة يضفي على عمري طلّ الفناء . . . طل الهمود
والتقينا . . لم أدر أي قوىً ساقتك حتى عبرت درب حياتي
كيف كان اللقاء ؟ من ذا هدى خطوك ؟ كيف انبعث في طرقاتي
لست ادري لكن رأيتك روحاً يوقظ الشوق في مسارب ذاتي
ويذرّي الرماد عن روحي الخابي ، ويذكي ناري ، ويحي مواتي
حدّقت مقلتاك فيّ ، وآلامي يغشّي ضبابها مقلتيّه
لست أدري ما استجلتاه ولا ما رأتا خلف وحدتي الأبديّه . . .
غير أني أبصرت روحك تهتّز انعطافاً ، في رقة علويّه
وهنا خلتني شعرت بروح الله رفّت من السماء عليّه!
وافترقنا ، و بين كفّي رسمٌ
لم يزل كلّ زاد روحي المتيّم
كم تلمّست عمق عينيك فيه
و بعينيّ أدمعٌ تتضرّم ...
يا لقلبي ، كم راح بين يديه
يهتك الحجب عن هواه المكتّم..
أصغ ، تسمع عبر الصحارى صداه
يترامى إليك شعراً مرنّم !
~
مضيت ؟ إلى أين؟ هلاّ تعود إليّ ، إلى روحي اللاّئب
حنانك ، ضفت وضاقت حياتي بهذا الصدى المحرق اللاهب
بأشواقي العاتيات تزلزل صدري ، في عنفها الصاخب
حنانك ، قلبي يذوب وراءك ، أوّاه من قلبي الذّائب
تلفّت ، وراع بقايا تذوي و تنفى مع الأمل الغارب
مضيت ؟ و كيف ؟ ألا رجعة
تردّ إلى القلب دنيا رؤاه
لقد أقفز الكون في ناظري
و غشّى الظلام مجالي ضياه
وكيف أحسّ جمال الوجود
ووجهك عني توارى سناه
فما أقبح العيش يا موحشي
وياما أشدّ سواد الحياه
وأنت بعيد بعيد هناك ...
وقلبي وحيد يعاني أساه
مضيت ؟ فيا لحني إليك
وواهاً لأمسي القريب البعيد
زمان أمرّ بدرب الكروم
وللدرب نفح جنان الخلود..
ويشرد طرفي ويطوي المدى
ولقياك غاية طرفي الشرود
وفي القلب نار جموح الوقود
ينادي بها الشوق : يا نار زيدي
وطرفي قرير بذاك الشرود
وقلبي سعيد بذاك الوقود
ويفجأني وقع خطو بعيد
ورائي ، إليه طويلا
ويهتف قلبي : هذي خطاه
أرى في صداها عليه دليلا
خطى العنفوان ، خطى الكبرياء
تنمّ عليه عظيماً نبيلا
وتختطف الروح غيبوبةٌ
وقد رحت تدنو قليلاً قليلا
وأغرق في حلم ساحرٍ
أحال حياتي فنّا ً جميلا
وفي غمرات الذهول العميق
تطالعني القامه الفارعه
فأشخص ، ثم أغضّ حياءً
واكسر من لهفتي الجائعه
وأبدي جمود الخليّ كأن لم
ترجّ دمي الطلعة الرائعه
وتحت جمودي اضطراب عصوف
أداريه مغضبةً وادعه
وتحت جمودي من العاطفات
أعاصير جارفة دافعه
وتنهب عيناك وجهي وقد
عرا مهجتي منهما ما عرا
فيمحني بعينيّ كلّ الوجود
ويمحي بعينيّ كلّ الورى
وما لفتة النسر يا فتنتي
تطلّع من عاليات الذرى
وسلّط لحظاً على إلفه
عنيف التوقّد مستكراً
بأروع منك وعيناك فيّ
أوارٌ تلظّى وسحر سرى
وتمضي ، وأمضي مع العابرين
وما بيننا غير نجوى النظر
وطيف ابتسام على شفتيك
ووهج هيام بعمقي استعر
وقد هبط الليل حلو الغموض
خلوب الرؤى ، عبقري الصور
وماجت مع الريح خضر الكروم
مشعشعة بضياء القمر
وفاض الوجود شعوراً و شعراً
وذاب من الوجد حتى الحجر !
سل الدرب كم جئت غبّ النوى
أجرّ الخطى في الغروب الحزين
وحولي من الذكريات الخوالي
طيوف تثير لهيب الحنين
أخاف تكرّ عليها الليالي
وتدفن تحت ركام السنين
فيبسط قلبي جناحي هواه
عليها ويحنو حنوّ الضنين
وأنت بأعماقي روحي صلاة
يسبّح باسمك روحي الأمين
مضيت ؟ إلى أين ؟ هلاّ تعود
لروحي اللهيف ، لقلبي الغريب؟
توحّدت بعدك يا موحشي
على الدرب ، درب الكروم الجديب
أسير إلى غير ما غاية
وكفّي على جرح قلبي الخضيب
وفي مقلتي ّ غيوم حزانى
وفوق جبيني وجوم كئيب
وسمتك في خاطري ماثل
يهيج الحنين ويذكي اللهيب
إلى أين ؟ رحماك يا ابن الصحارى
وبرّد ظماء الفؤاد العميد
فما برمال عطاشى نمتك
كهذا الغليل الملّح العنيد
إلى أين؟ يا لك طيفاً ألمّ
وعانق روحي بحلم سعيد
ويا لك وهم سراب تألق
في قفز عمري لقلبي الشريد
حنانك عد؛ كيف أحيا الحياة ، وأنت هناك بعيد بعيد
~
(( لاتتكلم ، إن التفسير يقلل من طرافة الموضوع ! ))
اذهبي ، واعبري الصحارى إليه
فإذا ما احتواك بين يديه
ولمحت الأشواق في مقلتيه
مائجات أشعةً وظلالا
مفعمات ضراعةً وابتهالا
فإذا الليل سفّ منه الجناح
ومضت في انسراحها الأرواح
تتلاقى على مهاد الأثير
عبر آفاق عالم مسحور اللاشعور
عالم الحلم ، مسبح اللاشعور
فاسبقني أنت كل حلم إليه
واستقرّي هناك في جفنيه
عانقي روحه ، ورفّي عليه
انشديه شعري وغنّي لحوني
في هواه ،
بثّيه كلّ شجوني
صورّي لهفتي له وحنيني
حدّثيه . . حتى يلوح الصباح
فاذا قبّل النى عينيه
وصحا ، لم يجد هناك لديه
غير (( لا شيء)) ماثلاً في يديه
وارجعي أنت صورةً بكماء
وجهها خامدٌ بلا تعبير
ميّت القلب والهوى والشعور !.
هكذا وليظل حبّي سرا
غامضاً ،
إن للغموض لسحرا
آسراً ، يجذب النفوس اليه
حيث تبقى مشدودة في يديه
ليس تقوي على الفكاك
فكوني
أنت مثلي لديه عمقاً وغورا
هكذا ، وليظلّ نهب الظنون
تائها بين شكه واليقين!.
أنت روح طائر . . يشدو على كل الغصون . .
يرتوي من خمرة الحب ، ومن نبع الفتون
وأنا روح سجين قصّت الدنيا جناحي
نغمي ينبيك عني ، عن مدى عمق جراحي !
رحمة يا شاعري ، وانظر الى اصداء روحي
إنها في شعري الباكي استغاثات ذبيح!
إنها يا شاعري أنات مظلوم طريد
إنها غصّات مخنوق بأطواق الحديد
كلّما ضمّك حضن الليل في صمت وحزن
ومضى قلبك حيران الهوى يسأل عني . .
أرهف السمع ، تجد روحي مجروح النداء .
ضارعاً في ألمٍ:
رحماك لا تظلم وفائي!
~
أحبّك للفنّ ، يسمو هواك بنفسي نحو الرحاب العلى
فيدني إليها معاني السماء ، وينأى بها عن معاني الثرى
سموت بقلبي وروحي فراحا يفيضان بالشعر شعر الهوى
ونضّرت عيشي ، فأمسى غضيراً ترف عليه زهور المنى
ورفرف في القلب حلم سعيد جميل الخيالات حلو الرؤى
وقد كنت في وحشة لا أرى لي أليفاً يبدّد عنّي الأسى
فلا النفس يسعدها فيض حب ، ولا القلب يسطع فيه السنى
الى ان تجليت روحاً مشعاً كنجم تلألأ لأبن السّرى
فضوّ أت أيامي الحالكات وأفغمتها بذكيّ الشذى
وأحييت نفسي بأسمى هوى هو الخلد أو نفحات السما
وأرويت روحي بصوب الحنان كالروض أرواه صوب الحيا.
ومن عجب أنني لا أراك ولكن أحسك روحاً هفا
يحن إليّ ويحنو عليّ وينساب حولي هنا أو هنا
إذا ما صحوت ، اذا ما غفوت ، اذا ضجّ يومي وليلي سجا
رقيقاً شفيفا كنور الصباح زكياً نقياً كقطر الندى
فيا أيها الروح ، ما أنت ؟ قل لي ، أأنت من الله روح الرضى ؟
وهل أنت ظلّ الأمان الظليل دنا ليّ من سدرة المنتهى ؟
ترى شعّ نور الإله بنفسي ليجلو الطريق ويهدي الخطى ؟
وهل للملائك الحان حبٍ فأنت بقلبي رجع الصدى ؟
فإني أحسّك روح الرضى وظلّ الأمان ونور الهدى
وأصغي لدقّات قلبي لحناً طهوراً بعيد المدى
يوقعه حبك المستفيض فيذهلني وقعه المشتهى
وتغمرني سكرات التجلي كأن الإله لعيني بدا ! . .
أخالك صورة حبس كبير
جلاها لعيني وحي السما
تهيئ روحي لصوفيّةٍ
وتنفض عنها غبار الثرى
~
هذا مكانك ، ههنا محراب أشواقي وحبّي
كم جئته والدمع ، دمع الشوق مختلج بهدبي
كم جئته والذكريات تفيض من روحي وقلبي
يمددن حولي ظلهن ، وينتفضن بكل درب
هذا مكانك ، كم أتيت الى مكانك موهنا
تمضي بي الساعات لا أدري بها ، وأنا هنا
روح أصاخ لهتفة الذكرى ، وللماضي رنا
يتنسم الجوّ الحبيب ، ويستعيد رؤى المنى
هذا مكانك ، مثل روحي ، فيه إحساس كئيب
متحسرٌ . . يصبو الى الماضي ، الى الامس الحبيب
متسائل عن شاعرين ، هواهما حلم غريب
كم رنّحا بالشعر جوّهما ، ففاض جوى مهيب
هذا مكانك ، أين أنت ؟ وأين أطياف الفنون ؟!
المقعد الخالي يحنّ إليك مرفقه الحنون . .
أسوان ، يرمقني وقد أهويت أنشج في سكون
ومواجدي ملهوفة الثيران ، تهدر في جنون ؟
ذنبي الذي قد هاج ثورة قلبك المرتفع
كَِفَرت عنه بأدمعي ، بتنهدي بتوجعي
كفرت عنه بما ترى من ذلتي و تخشعي
و يخفض قمة كبريائي الشامخ المتمنع !
ذنبي ؟ و ما ذنبي ألا ويلاه من ظلم القيود !
ما حيلتي و الغل في عنقي على حبل الوريد
أواه ؛ حتى انت لم تنصف قلبي الشهيد؟!
أواه؛ حتى أنت تضلمني مع القدر العنيد؟!
قلبي يئن، يلوب في ألم ، يسائل في شرود:
لم لا يعود ؟ فلا يجيب سوى صدى : (لم لا يعود )
و أروح ، في شفتي أشعار، و في كفي عود
و أععاتب الأيام ..و الزمن المفّرق ..و الوجود !..
لم لا تعود ؟ أنا هنا وحدي بهيكل ذكرياتي
وحدي ، و لكني أحسّك في دمي ، في عاطفاتي
أصغي لصوتك ، للصدى المنغوم في أغوار ذاتي
و أراك من حولي ، و في ّ ،و ملء آفاق الحياة !..
~
هنا في جوانحي الخافقة
هنا ملء مهجتي العاشقة
نما أمل العمر يا شاعري
تغذيه لهفي الحارقة
و ترويه أشواقي الدفقة
و راحت مع الأمل المسعد
ترف بقلبي رؤى الموعد
و حلم اللقاء ،لقاء الغد
و كنت أقول لقلبي اللهيف :
و راحت مع الأمل المسعد
ترف بقلبي رؤى الموعد
و حلم اللقاء ، لقاء الغد
وكنت أقول لقلبي اللهيف :
رويدك يا قلبي ، ماذ دهاك
رويدك ، أي جنون عراك
وأي اصطخاب وأي اندفاع
وكأنك مستقبل في عراك
تصارع فيه انتظار السنين !
رويدك زعزعت صدري الضعيف
بهذا الخفوق القويّ الضعيف
بهذا الوثوب، بهذا الصراع
وكنت أقول لأشواقه :
تحملت دهراً عذاب الفراق
وأنت على ظمأ واحتراق
فما بالك اليوم لا تصبرين
فما وقف الفلك الدائر
ولا اليوم ليس له آخر
مساء و يمضي و يأتي الغد يجمعنا الموعد
ونلقاه ، أوّاه كم تهدرين
رويدك عصفت بأضلاعه
وقطّعت أنفاسي الواهيه
ورحت بأشواقي الجامحات
أشق السحاب وأطوي السما
ورائي تموت ليالي العذاب
أمامي ترفّ مجالي الهناء
ونفسي سكرى بحلم اللقاء
تشعشع من فرح باللقاء
فكنت أحس بها تتألق في روعة .. في سنىً .. في بهاء ..
تذرّ على الكون أنوارها
وتغمره ببحار الضياء ..
فما كنت أعلم هل أنا ذاتي ، أم أنا نجم يجوب الفضاء !! أفي الحب قوّة خلق تحيل نفوس الحبين كيف تشاء ؟
ترى ما الهوى ؟ أهو روح الحياة ؟ ترى ما الهوى ؟ أهو سر البقاء
أتعرف ما هو ؟ قل لي ، لا ، لا تقل لي ودع سرّه في انطواء
فسحر الهوى هو هذا الغموض وسحر الهوى هو هذا الخفاء
كفافي بأن الهوى قد أحال فراغ حياتي غنىً وامتلاء
وإني وإياك قصة حبّ
يخلّدها الشعر رغم الفناء !
وكان الغد الحلو يا شاعري
تنسمت في جوّه الناضر
شذى الموعد المقبل الساحر
وقلبي في نزق ثائر
يعدّ خطى الزمن السائر
ويرقص في خفة الطائر ..
وأقبلت .. روح هوى خافقاً
يلاقيه دربٌ ويطويه درب
أحث خطاي وملء كياني
رؤى لاهثات وشعر وحب
وهل أنا إلا ّخيال يشبّ
وهل أنا إلاّ شعورٌ وقلب
وكان يصوّر قلبي اللقاء
وماسيجيء .. وما سيكون !
وكيف ستلقى العيون العيون
وكيف سيصرخ فيها النداء
نداء الحنين .. نداء السنين
فنخنقه تحت خفض الجفون
وكيف سترجف أشواقنا
وكيف سترعش كفٌ بكف
وقلبي وقلبيك معتنقان
على راحتنا بشوق ولهف !!
كطيرين راحا معاً يلهثان انبهارا ، وفرط اختلاج ورفّ.
فيا لخيالات حرمانيه!
ويا لخرافة ميعاديه!
فما كنت أعلم شاعري
بأن يد القدر الجانيه
تلوح لي برؤى المستحيل
وتصنع منهنّ حلمي الجميل
لتحكم ضربتها القاسية
وتلهو بمأساتي الدّاميه . .
فها أنا بالدار ، ماذا ؟ فراغٌ يمد ووحشة صمت كئيب
وقفل ثقيل ، يعض على الباب كالوحش ، أبكم لا يستجيب
تمثّل لي قدراً راصداً
يحدّ جني بجمود رهيب
تراجعت ، أين أنا ؟ أين أنت ؟ فواحيرتي في المكان الغريب
ويا صعقة الروح ؛ ماذا ؟ ضللت طريقي ، وغمّت عليّ الدروب
فما كانت الدرب درب اللقاء ولا كانت الدار دار الحبيب !
وأحسست في أفق روحي ظلاماً وأحسست في غور قلبي دويّا
دوّي فراديس حلم اللقاء تنهار فيه وتهوي هويا !!
وأطرقت . . يعقد يأسي المرير سحابة دمع ٍعلى مقلتيا
. . . . . . .
هناك على شاطىء كم حواك
و كم ضم من ذكريات هواك
تململ قلبي فوق الرمال
يعانق ذرّاتها في ابتهال
و أجهشت في وله ضارع
و قد بتّ من يأسي الفاجع
أفتش عن عالمي الضائع !!
هنا و انتهت قصة الموعد
و لا شيء من أملي في يدي
سوى غصص اليقظة القاسية
تبدّد أحلام أشواقيه
و تنقض وحشية ضارية
على قلبي التائه المجهد!!
~
بجسمي قفقفة و انخذال
فيا نار زيدي لظى و اشتعال
و مدّي يجوّي دفيء الجناح
فللبرد عربدة و اجتياح
و أما تسعين احتدام النضال
نضال العواصف فوق الجبال
وأنت اعصفي ، واملئي ليلني
بدفء بهدّيء من رعدتي
فحولي يدب صقيع الشتاء
فبثّي الحرارة في غرفتي
ألا يا إبنة الأعصر البائدة
ألا قدّست روحك الخالدة
ثبي وازفري ، ننضنضي والهبي
بلى ، هكذا ، هكذا واسربي
بروحك في عزلتي الهامدة
وفي قلب جدرانها الباردة
بلى ، هكذا عانقي ذاتية
بموجة أنفاسك الدافيه
أحسّ بقرب لظاك الحبيب
شعوراً غريب
خفياً كألغازك الخافيه
فها أنا أطفىء مصباحيه
وأعنو لغمرة إحساسيه
فتحملني نحو ماضٍ سحيق
وأرنو هناك لطيف رقيق
لطيف طفولتي الفانيه
بأيامها المرة القاسية
وإذ أنا يا نار شيء صغير
يفتش عن نبع حب كبير
سدّي ، ويظل لقىً مهملا
فيمضي الي
رؤاه ، وفي أفقهنّ يطير
وإذ انت دنيا غموض تلوح
لعين خيالي الطليق السبوح
فكنت رفيقة أوهاميه
ومسرح أحلام يقظاتيه
وادفع نحوك جسماً وروح
وأخشع قرب لظاك الجموح
وأمضي ، وفيّ انجذاب عميق
أحدّق مأخوذة بالحريق
وأرقب في سكرة وانذهال
جموح الظلال
ترجرج فوق الجدار العتيق
وألمح خلف اشتعال الحطب
وقد شبّ في ثورة والتهب
خيالا لدوحٍ قديم وريف
نمته الحياة بغابٍ كثيف
قد ازدحمت في حشاه الحقب
. . . وكنت إخال كأن اللهب
تعانق فيه ضياء القمر
ولون الغروب ، ولون السحر
وكل شعاع على الدوح مر
وظل عبر
قد ارتدّ في اللهب المستعر
وفي سبحاتي بدنيا الأوار
تباغتني حزمة من شرار
قد انقذفت من فم الموقد
تؤزّ ؛ فأرسل فيها يدي
هنا وهناك بشوقٍ مثار
لأخطف تلك النجوم الصغار
فكانت تروغ وتركض في
مداها ، وسرعان ما تختفي
وأسأل نفسي : أين يغيب
شرار اللهيب
وهل تحزن النار إذ ينطفي
وها أنا يا نار لو تعلمين
فتاة طوت حزمةً من سنين
وما زلت رغم العهود الطوال
تثيرين فيها جموح الخيال
وحين تفورين أو تزفرين
كأنك نفسٌ تقاسي الحنين
أغوص الى عمق أغواريه
أجوس عوالمها القاسيه
فألمس فيها أواراً غريب!
وما من لهب !
أوار شعوري وإحساسيه!
أمن عنصر النار أعماقيه؟
أروحك يا نار بي ثاويه
فما هذه العاطفات الحرار
لها في الجوانح أيّ استعار
وما هذه اللهفة العاتيه
تشب فتلهب خلجاتيه
وتعكس وهجاً على مقلتيّه
وتلفح لفحاً على شفتيّه
وهذا الحنين ، وهذا القلق
وهذي الحرق
كأن بذاتي ّ ناراً خفيّه!
مضى الليل غير هزيع قصير
و أنت همدت كأهل القبور
و حبّات جمرك بعد اتّقاد
خبت و استحالت تلول رماد
أتخمد مثلك نار شعوري
غدا ، و تؤول لهذا المصير ؟
أيغشى أواري رماد السنين ؟
أيهمد قلبي كما تهمدين ؟
لماذا ؟ أتدرين ؟ أم أنت مثلي
أسيرة جهل
أجيبي أجيبي، أما تسمعين ؟!
~
يا مصر ، حلم ساحر الألوان ، رافق كل عمري
كم داعبت روحي رؤاه فرفّ روحي خلف صدري
حلم كظل الواحة الخضراء في صحراء قفر
أن اجتلي هذا الحمى . . . واضمه قلباً وعين. .
واليوم ، في حلم أنا ، أم يقظةٍ ، أم بين بين !؟
صدحت بقلبي إذ وطئت ثراك أنغامٌ سواحر
فكأنما في قلبي المأخوذ غنّى الف طائر
وغرقت في أمواج إحساسٍ بعيد الغور فائر
أأنا هنا ؟ في مصر ، في الوادي النبيل ؟!
أأنا هنا في النيل ، في الأهرام ، في ظل النخيل ؟!
وتلفتت عيناي في دهشٍ ، وفي لهف غريب . .
ماذا ؟ هنا الدنيا الخلوب تثير أهواء القلوب . .
ماذا ؟ هنا نار الحياة تؤجّ صارخة اللهيب . .
في كل مجلىً فتنةٌ رقصت ، وسحرٌ مدّ ظلّه
ماذا ؟ أمصرٌ أم رؤى أسطورةٍ من ألف ليله!؟
كيف اتجهت تجاوبٌ وصدىً لموسيقى الوجود
في النيل يعزف لحنة الأبدي للشط السعيد
في وشوشات النسمة المعطار ، في النخل الميود
حتى النجوم هنا أحسّ لهنّ الحاناً شجيّه
حتى السحاب أخاله تحدوه موسيقى خفيّه
يا مصر ، بي عطش الى فرح الحياة . . الى الصفاء . .
يا مصر ، نحن هناك أمواتٌ بمقبرة الشقاء
لا يطمئن بنا قرارٌ . . . لا يعانقنا رجاء . . .
لا شيء إلا ضحكة الهزء المرير على المباسم !
كالضحكة الخرساء قد يبست على فك الجماجم!!
نفسي مصدّعة . . فضميني لأنسى فيك نفسي
قست الحياة وأترعت بمرارة الآلام كأسي
والظلمة السوداء مطبقة على روحي وحسي
فاحني عليّ وزوّديني من مفاتنك الجميله . . .
هي نهزة لم أدر كيف سخت بها الدنيا البخيله !
يا ليتني يا مصر نجم في سمائك يخفق
يا ليتني في نيلك الأزليّ موجٌ يدفق
يا ليتني لغزٌ ، أبو الهول احتواه ، مغلق . . .
تهوى وتنسق الدهور مواكباً ، وأنا هنا
بعض خفيٌ من كيانك لست أدرك ما أنا !!
يا مصر حلم ساحر الألوان رافق كل عمري
كم داعبت روحي رؤاه ، فرف روحي خاف صدري
حلم كظل الواحة الخضراء في صحراء قفر
أن أجتلي هذا الحمى وأضمّه قلباً وعين
واليوم في حلم أنا ؟ أم يقظة ؟ أم بين بين ؟!
~
في الليل ، إذ تهبط روح الظلام
مرسلة فيه الرؤى الهائمة
يطيف بي في يقظتي الحالمه
طيف ولكن ما له شكل
يحضنه جفني ، ولا ظلّ
وإنما بحسّي الملهم
أعيه شيئاً ملغزاً مبهم
كأنما طلسمه الليل
وكلما رفعت في وحدتي
له مصابيحي انزوى في القتام
في الليل ، اذ تنعس روح الوجود
يخطفني شيء وراء الفضاء
كأنما تحملني في الخفاء
ضبابة تسير في تيه
لا لمعة تجلو دياجيه
لكن روحاً غير منظور
وإراده دوني ألف ديجور
أحسّه في لا تناهي المدى
يشّدني الى بعيد بعيد
في الليل إذ تخشع روح السكون
أسمع في الهدأة صوتاً غريب
صوتاً له طعم ولون رطيب
طعم ، ولكن غير أرضي
لون ، ولكن غير مرئي
طيب ، ولكن . .
لا ، فما أدري
ما كنهه ، كأنما يسري
من عالم هناك غيبيّ
تظل روحي وهي مأخوذة
تصغي اليه من وراء الدجون
ما أنت يا من في ظلال الليال
احسّه ملء حنايا الوجود
في الأرض ، في الأثير في اللاحدود
في قلب قلبي في سماواتي
هلاّ توضّحت لآفاقي ؟!
هلاّ تجسّدت لأشواقي ؟!
هلاّ ؟
ولكن كيف ؟
هيهات
فأنت مثل الغيب ما تنجلي
يا لغز . . يا حقيقة كالخيال !
~
كنت على الدنيا سؤالا شريد
في الغيهب المسدول
جوابه استتر
وكنت لي إشراق نور جديد
من عتمة المجهول
أطلعه قدر
دار به الفلك
ودار مرتين . .
حتى انتهى إلي
إشعاعه الفريد
وانقشع الحلك
وفي انتفاضتين
وجدت في يدي
جوابي الفقيد
يا انت ، يا أنت القريب البعيد
لا تذكر الأفول
روحك يستعر
الكون لي ولك
لنا ، لشاعرين
رغم المدى القصي
ضمّتها وجود !!
X