فدوى طوقان

أمانيـــز 17-04-2010 30 رد 7,861 مشاهدة
~
أي لحن مسلسل رقراق
راح ينساب في مدى الآفاق
أيقظ الكون حين منبثق الفجر على غمرةٍ من الأشواق
وإذا الحب ملء هذا الوجود الرحب يسري في روعة وانطلاق
وإذا الكائنات يغرقها الوجد الإلهيّ في سنى الاشراق !
السموات من حنين ووجدٍ
خاشعات خلف الغيوم الرقاق
والجبال الشّماء تشخص نحو الله سكرى في ذهلة المشتاق
وندى الفجر في الرياض الحوالي
أدمع الشوق رقرقت في المآقي
كلّ ما في الوجود من روعة اسم الله في نشوةٍ وفي استغراق !
أي لحن مخلّد سرمديّ
من لحون الآزال و الآباد
أي لحن قد صيّر الكون أغرودة حب رخيمة الإنشاد
يا لهذا النشيد تنطلق الأرواح فيه من ربقة الأجساد
يا لهذا النشيد أوغل في أعماق ذاتي محطّماً أصفادي
يا لقيدي الارضيّ يسحقه اللحن ويذروه حفنةً من رماد
وإذا الروح في تجرده يسمو مشعّاً كالكوكب الوقّاد
عانق اللحن مصعداً وتوارى يتخطى شواسع الأبعاد
غارقاً في صفائه ، قد تغشّته غواشي غيبوبةٍ وامتداد
كلّما رنّ في السكون صدى تسبيحة الله رائع الترديد
و سرت في الأثير الطهر و أوغلن في الفضاء البعيد
أهطعت أنفس و ذابت قلوب
يزهيها الفناء في المبعود !
و تسامىالشعور يلهب فيها
خلجات الأيمان و التمجيد
يا لهذا الصفاء ..يا لتجّلي الله .. يا روعة الجلال الفريد!
لكأني بالكون يهتف : يا رب ، و يمضي مستغرقاً في الشرود
لكأني أحسّ و شك اتصالي .. لكأني أشم عطر الخلود!
أنا يا رب ّ قطرة منك تاهت
فوق أرض الشقاء و التنكيد
فمتى أهتدي الىمنبعي الأسمى و أفنى في فيضه المنشود
ضاق روحي بالأرض ،بالأسر ،بالقيد ،فحرر روحي و فك قيودي
ضمني ، ضمني ،فقد طال انفصالي ،و طال بي تشريدي
~
من وراء الجدران
بنته يد الظلم سجناً رهيباً
لوأد البريئات أمثاليه
وكرّت دهور عليه وما زال يمثل كاللعنة الباقيه
وقفت بجدرانه العابسات
وقد عفّرت بتراب القرون
وصحت بها : يا بنات الظلام
ويا بدعه الظلم والظالمين
لعنت ؛ احجبي نور حريتي
وسدّي عليّ رحاب الفضاء
ولكن قلبي هذا المغرّد
لن تطفئي فيه روح الغناء
فقلبي يد الله صاغته لحناً
تدفقّ من عمق نبع الحياه
ورغم شموخك يا مجرمات
يرنّ على كل أفق صداه
لعنت ؛ اختفي كل حلم ينضر قلبي ويغذوه عطراً ونور
فأحلام قلبي لن تنتهي
ولو حجبته زوايا القبور !
وإني وإن أوثقتني لديك
بألف وثاق أكفّ الغباء ..
فلي من خيالي وفنّي ودنياي ألف جناح وألف سماه
ألا كم براعم قلبي نمتها
لديك هنا لعنات القدر
ذوت تحت أصفادها وانحلت
على ذاتها أملأ منتحر
كما انحطم الناي واللحن فيه
حبيس فما رفّ يوماً بفم
كذلك كانت تموت وفيها
نشيد الحياة حبيس النغم
وكانت تموت وفي قلبها
خيال الغدير وصوت الخرير
وأنت هنا كالألى شيّدوك
أنانيةٌ مات فيك الشعور
لعنت ، سواي أمامك تعنو
وتخرسها غضبات الطغاه
ولكن مثلي ستبقى برغمك
بنت الطبيعة ،بنت الحياه!
أغني ولو سحقني القيود
أغاريد نفسي وأشواقها
تبارك لحني أمي الحياة
فلحني من عمق أعماقها
~
ها أنا وحدي في ثنايا الجبل
كأنني أسطورة تائهة
تهمسها الريح بإذن السفوح
ها أنا والفضاء حولي غزل
والكون عشق ، ورؤى والهه
وأنت قلبي وعيني روح
يومىء لي نحو غدٍ أخضر
يغفو الشذا في دربه المزهر
ها انا وحدي ومعي صبوتي
ترف في صدري بألفي جناح
وانت سر في كياني استتر
وكلما هتفت من فرحتي
اسأل : ما أنت ؟ سمعت الرياح
تقول لي في مثل همس القدر
إنك يا حبي نشيد الخلود
وإنني صداك عبر الوجود
وتعتريني نفضة من شعور
بغبطة تملأ أحنائيه
كأنها لحن مضيء النغم
فأنثني أحفر فوق الصخور
إسمك في نشوة إحساسيه
وأشبع الأحرف لثماً وشم
والفرح الكبير يا حبي
تهدر موسيقاه في قلبي
وترتمي عيناي في مرتمى
أفق بعيد حال ما بيننا
وكلما أشخص روحي تراك
أحسّ عينيك وما فيهما
من وهج يطفر منه السّنى
حولي تشعّان بنجوى هواك
نارهما السوداء كالصاعقة
تنقضّ من نظرتك الحارقة
وأرسل ((الآوف)) غناء حنون
يسيل من روحي وأوصالي
فتنتشي ((بالأوف)) حتى السفوح
لحن هوىً ، مرتعشٌ بالحنين
سمعته يوماً (( بعيبال)) . .
إذ أنت في السفع غريب الجروح !
فبات وهو اليوم أغنيتي
يحملني اليك في وحدتي
هل نلتقي ؟ أواه ؛ هذي أنا
سوسنة فتّح أكمامها
دفء الهوى والأمل المشرق
تلوي بها الريح ، وتبقى هنا
تستودع السفوح أحلامها
وأنت عطر مسكر يعبق
في دمها . . أوّاه هذي أنا
وحدي هنا في السفح وحدي هنا !!
~
هاضه الوهن ، وأعياه الألم
وسطا الضعف عليه والسقم
خاشع الأطراف من إعيائه
ما به يقلب كفّاً أو قدم
متداعٍ جسمه ، منخذلٌ ، لجّت الحمى عليه فاضطرم
ساكن الأوصال إلا بصراً
زائغاً ، يطرف حيناً ، ويجم
ابن سبع برّح اليتيم به
رحمة الله له نضو يتم
كسرت من طرفه مسكنةٌ
لبست هيأته منذ انفطم
وا حناناه لأمٍ أيّمٍ
طوت النفس على خوف وغم
فنضت عنها الثياب السود ؛ لا
لا تظنوا جرحها الدامي التأم
بل لدفع الشؤم عن واحدها
يا لقلب الأم إن أشعر هم !
وبدت في اليبض من أثوابها
من رأى إحدى حمامات الحرم
عطفت من رحمة تحضنه
إنما دنيا اليتامى حضن أم
ومضت تمسح بالكف على
جبهةٍ رهن اشتعال وضرم
ولقد تندى فتخضّل له
وفرة ٌ مثل الظلام المدلهم
نظر الطفل اليها صامتاً
وبعينيه حديث وكلم . . .
ليت شعري ، ما به ؟ ما يبتغي
أبنفس الطفل سؤلٌ مكتتم ؟
لو أراد النجم لاحتالت له
كل سؤل هيّن ، مهما عظم
وحنت تسأل عن طلبته
فرنت عين له ، وافترّ فم . .
قال : يا أمي . واسأليه رجعةً
فلكم يفرح قلبي لو قدم !
لا تسل عن جرحها كيف مضى
من هنا أو من هنا ينزف دم
ضمّت الطفل اليها بيدٍ
وبأخرى مسحت دمعاً سجم
عزّ ما يطلبه ، يا رحمتا
كيف تأتي برفات ورمم !؟
قلّب البؤس على أوجهه
لن ترى كاليتيم بؤساً محتكم
ينشأ الطفل ولا ركن له
ركنه من صغر السن انهدم
خائضاً في لجج العيش على
ضعفه ، والعيش بحر محتدم
تائهاً في ظلمٍ ما تنتهي
حائراً يخبط في تلك الظلم
ليس في الدنيا ولا في ناسها
فهو يحيا في وجود كالعدم
~
(( الى روح ابراهيم))
آه يا قبر ، هنا كم طاف روحي
هائماً حولك كالطير الذبيح
أو ما أبصرته دامي الجروح
يتنزّى فرط تبريحٍ ويأس
مرهقاً مما يعنّيه الحنين
وهنا يا قبره أشوق نفسي
يا لأشواق على تربك حبس
وهنا قبلة أحلامي وهجسي
قرّبتني الدار ، أو طال نزوحي
فخيالي بك رهنٌ كل حين
إن نأى بي البعد ردّتني اليك
لاعجات ما تني وجداً عليك
لست تدري أي دنيا في يديك
من حنان وبشاشاتٍ وأنسٍ
يا قلبي ! أصبحت في الهامدين
آه يا قبراً له إشعاع نور
لا أرى أجمل منه في القبور !
فيك دنياي ، وفي قلبي الكبير
مأتم ما انفكّ مذ بات لديك
قائماً يأخذ منه بالوتين
وإذا ينزف دمع المقل
يجهش القلب أسىً ما يأتلي
نادباً عندك أغلى أمل
باكياً فيك نصيري وظهيري
ساكباً من ذوبه غير ضنين
أوحش السامر من ذاك السمير
غير أصداء فؤادٍ وشعور
نغم أفعم أمواج الأثير
بالاماني والهوى والغزل
وترامى بين أحضان السنين
زهرة عطّرت الدنيا بنشر
ثم مالت بين أحلام وشعر
وذوت عن عمر للزهر نضر
هكذا تنفذ أعمار الزهور
و الشذا باقٍ بروح العابرين
كلما أشرق في الليل القمر
مترعاً بالنور أعصاب الزهر
أظلمت نفسي و هاجتني الذكر
كيف غيّبتك في ظلمة قبر
كيف أسلمتك للترب المهين
وإذا ران على الدنيا هجود
وغفا فيها شقيٌّ وسعيد
لم يزل يهتف بي صوتٌ بعيد
من وراء الغيب وافى وظهر
ومضى يهمس همس العاتبين
عتبه أخذي بأسباب البقاء
أتملّى من وجودٍ وضياء
وعديل الروح في وادي الفناء
السّنى ضنّ عليه والوجود
فهو بالحرمان لم يبرح رهين
أيها الهاتف من خلف الغيوب
ما ترى نبع حياتي في نضوب ؟
لم أزل أضرب في عيش جديب
موحشٍ كالقفر ، موصول الشقاء
منذ أمسى نجمه في الآفلين
أين إبراهيم مني ، أين أين؟!
حبة القلب ونور الناظرين
أنا من عيشٍ وموت بين بين
فلعل الحين موفٍ عن قريب
يمسح الجرح والآم الحنين
~
أين الغناء العذب يا طائري
تسبق فيه كلّ شادٍ طروب
وأين أفراح الصبّا الزاخر
باللهو ، أم أين المراح الدؤوب
مالك تلقي نظرة الحائر
يريد يستجلي خفايا الغيوب ؟
وما الذي في قلبك الشاعر
قل لي ، فإن البثّ يشفي القلوب
ما ترى حولك همس الورق
يسكبه في أذن الجدول
كأنه نجوى محبٍ سرق
هنيهةً من غفلة العذ ّل
والزّهر الرفاف إما عبق
عبيره يسري مع الشمأل
وهذه الدنيا ، وهذا الألق
فمتّع النفس ولا تهمل
بين الفراشات وزهر الربيع
هيمنة الصبّ ، إذا يعتب
ويح الفرشات ، هواها خدوع
تلهو بهذا ، و بذا تلعب
كم توهم الزهر هيام الولوع
و قلبها يا طائري قلّب
فيها إلى التبديل طبع نزوع
و الطبع غلاّب فما يغلب
وهذه الوردة ذات الرّواء
كم تشتهي لحنك في حبها
بلبلها اليوم إليها أفاء
وأرسل العطر إلى قلبها
وفيّ لها ، تلقى الوفاء
أجمل ما تهداه من صحبها
غنّّ ومتّعها بهذا الصفاء
أو ، لا، فلن تنجو من عتبها
سوا عجبي ! صمتك رهيب
يا طائري ، ضمّن معنى الحذر
ترمي بلحظ الصقر نحو الدروب
كأنما أنذرت منها بشر
ما تأتلي ترقب كالمستريب
أشعر من حوليه وشك الخطر
أقعى ، على أهبته للوثوب ،
في كبرياء تتحدّى القدر!
ماذا أرى ؟ هذاك (بومٌ) غريب
منطلق ، حبهم المحيا ، وقاح
يحوم في الروضة حوماً مريب
غدوّه متّهم .. والرواح
يطلّ من عينيه قلب جديب
لكنه أرعن ، فيه جماح
اقتحم الباب اقتحام الغصوب
وجاس في الروض طليق الجناح !
عيناه إذ ر أرأتا جمرتان
قد شبّتا ، ما تطمعان الكرى
عن وكرك المطول لا تحسران
تطلّعاً يا طائري منكراً ..
أشرع منقاراً كحد السنان
مضاؤه ، ملتوياً أحمرا
ومخلباً يصرع قلب الأمان
يا ضيعة الوكر وقد أشهرا
ما شأن ذيّاك الدعيّ الدخيل
في الروض ، والروض حماك الحبيب
وكيف يغدو مستباحا ذليل
أو غرضاً يرمي بسهمٍ غريب
أغضيت عن روضك دهراً طويل
يا طائري ، مغرىً بحلم كذوب
واليوم تصحو عن خيالٍ جميل
مضى مع السّحرة ، غبّ الهبوب !
أنفض جناحيك من الرقدة
يا طائري ، أخشى عليك المصير
لا تمكن (البوم ) من الروضة
أرى لذاك (البوم ) شأناً خطير
أضبّ اليوم للوكر على شرّة
فيما أراه ، وأذى مستطير
عليك بالحذر ، فكم غفلة
يؤخذ منها المرء أخذاً نكير
ويلك ، لا تأمن غريب الديار
فخلفه من مثله معشر
يا طائري ، إنّ وراء البحار
مثل عديد الذرّ لو تنظر
تربّصوا في لهفة وانتظار
ودبّروا للأمر ما دبّروا . .
تحفزهم تلك الأماني الكبار
وأنت أنت المطمع الأكبر
~
أيها الشرق ، أي نور جديد
لاح في عتمة الليالي السود
لف شمّ الجبال والسهل والحزن ، وهام الربى ورمل البيد
وإذا أنت يفتح النور عينك ، فتصحو على الضياء الوليد
وتمطيت من طويل خمودٍ ومسحت الجفون بعد هجود
وتطلعت في حماك ، حمى الأمجاد ، ربع العروبة الممدود
عجباً ! أين أين ما وطّدوه
من صروحٍ شمٍ وملك عتيد
وتلمست يا أبا الصيد فيه
أوجه الغرّ من بينك الصيد
الميا من بواقي ((المثنى))
و((المعنّى )) في فيلق ((ابن الوليد))
تتساقى الحتوف دون حماها
وتهزّ السيوف تحت البنود
وإذا أنت لا ترى غير عانٍ
وطليحٍ مجرّحٍ ، وشهيد
البنون البنون صرعى الرزايا
يا قلب الأبوّة المفؤود !
يا لها الله صرخةً منك دوّت
في شعاب وأغورٍ ونجودٍ
يا لها صرخةً أهابت فأحيت
عزماتٍ وطوّحت بقيود
نفخت في بنيك ، فانطلق العاني ، وهبّ الكابي ، وحيّ المودي
وتداعوا من ههنا وهنا ، وانتظموا تحت بندك المعقود
ما تراهم تسايلوا بين عينيك خفاقاً ، من قاهم ونجيد
نفروا نفرة الأبيّ وقد ضيم ، وهبّوا بعزمه المشدود
بعث الهامدون ، آمنت بالبعث ، بآيات يومه المشهود !
يا بني الشرق ، يمّن الله يوماً
قمتم فيه من هوان القعود
أتم الطيبون ، صيّابة العرب ، حماة الحمى ، بقايا الجدود
هو ذا العيد أقبل اليوم محدوّ اً بروح في بردتيه جديد
فيه شيء من اعتزاز قديم
عرفته له خوالي العهود
يوم لعرب مقعد في النجوم الزهر ، يزهو بركنه الموطود
في فؤاد القدس الجريح اهتزاز
لكم رغم جدّه المنكود
انثنى ، موجعاً على الجرح يشدو
ويحيّي أفراحكم في العيد
قام يزجي لكم عذارى القوافي
راقصاتٍ موقّعات النشيد
قدّس الشعر ، إنما الشعر أنّات شقيّ أو أغنيات سعيد!
~
يا وطني ، مالك يخني على
روحك معنى الموت ، معنى العدم
أمضّك الجرح الذي خانه
أسأته في المأزق المحتدم
جرحك ؛ ما أعمق أغواره
كم يتنزّى تحت ناب الألم
أين الألى استصرختم ضارعاً
تحسبهم ذراك والمعتصم
ما بالهم قد حال من دونهم
ودون مأساتك حسٌ أصم
قلبّت فيهم طرف مستنجد
فعزّك المندفع المقتحم . . .
واخلجتا ! حتّام أهواؤهم
تغرقهم في لجّها الملتطم!!
هم الأنانيون . . قد أغلقوا
قلوبهم دون البلاء الملم
لا روح يستنهض من عزمهم
لا نخوة تحفزهم ، لا همم !
أحنوا رقاب الذل ، يا ضعفهم
واستسلموا للقادر المحتكم
يا هذه الأقدار لا ترحمي
فرائس الضعف ، بقايا الرمم
بالمعول المحموم أهوي على
تلك الجذوع الناخرات الحطم
كوني أتياً عارماً واجرفي
كل ضعيف الروح ، واهي القدم
كوني كما شئت ، لظىً يغتلي
أو عاصفاً يقذف حمر الحمم
واكتسحي أنقاض هذا الحمى
من كل ركن خائرٍ . . منهدم
اكتسحيها وانفضي أمّتي ممّا
علاها من رماد القدم !
ستنجلي الغمرة يا موطني
ويمسح الفجر غواشي الظلم
والأمل الظامىء مهما ذوى
لسوف يروى بلهيب ودم
فالجوهر الكامن في أمتي
ما يأتلي يحمل معنى الضرم
هو الشباب الحر ، ذخر الحمى
اليقظ المستوفز المنتقم
غلّوا جناحيه وقالوا : انطلق
وشارف الأفق وجز بالقمم
واستنهضوه لاقتحام اللظى . .
والقيد ، ياللقيد ، يدمي القدم
لكن للثأر غداً هبّةً
جارفة الهول ، عصوفاً عمم
فالضربة الصماء قد ألهبت
في كل حرٍ جذوةً تضطرم
لن يقعد الأحرار عن ثأرهم
وفي دم الأحرار تغلي النقم !
مع لاجئة في العيد
أختاه ، هذا العيد رفّ سناه في روح الوجود
وأشاع في قلب الحياة بشاشة الفجر السعيد
وأراك مابين الخيام قبعت تمثالا شقيا
متهالكاً ، يطوي وراء جموده ألماً عتيّا
يرنو الى اللاشيء . . منسرحاً مع الافق البعيد
أختاه ، مالك إن نظرت الى الجموع العابرين
ولمحت أسراب الصبايا من بنات المترفين . .
من كل راقصة الخطي كادت بنشوتها تطير
العيد يضحك في محيّاها ويلتمع السرور
أطرقت واجمة كأنك صورة الألم الدفين ؟
أختاه ، أيّ الذكريات طغت عليك بفيضها
وتدّفعت صوراً تثيرك في تلاحق نبضها
حتى طفا منها سحاب مظلم في مقلتيك
يهمي دموعاً أو مضت وترجرجت في وجنتيك
يا للدموع البيض ! ماذا خلف رعشة ومضها؟
أترى ذكرت مباهج الاعياد في (يافا) الجميلة ؟
أهفت بقلبك ذكريات العيد أيام الطفوله؟
اذ أنت كالحسون تنطلقين في زهوٍ غرير
والعقدة الحمراء قد رفّت على الرأس الصغير
والشعر منسدلٌ على الكتفين ، الجديلة ؟
إذ أنت تنطلقين بين ملاعب البلد الحبيب
تتراكضين مع اللّدات بموكب فرح طروب
طوراً الى ارجوحة نصبت هناك على الرمال
طوراً الى ظل المغارس في كنوز البرتقال
والعيد يملأ جوّكن بروحه المرح اللعوب ؟
واليوم ؛ ماذا اليوم غير الذكريات ونارها ؟
واليوم ، ماذا غير قصة بؤسكنّ وعارها
لا الدار دارٌ ، لا ، ولا كالأمس ، هذا العيد عيد
هل يعرف الأعياد أو أفراحها روحٌ طريد
عان ، تقلبّه الحياة على جحيم قفارها ؟
أختاه ، هذا العيد عيد المترفين الهانئين
عيد الألى بقصورهم وبروحهم متنعمين
عيد الألى لا العار حرّكهم ، ولا ذلّ المصير
فكأنهم جثث هناك بال حياة او شعور
أختاه ، لا تبكي ، فهذا العيد عيد الميّتين!
م
قصيدة حمزة

للشاعرة : فدوى طوقان

كان حمزة

واحداً من بلدتي كالآخرين

طيباً يأكل خبزه

بيد الكدح كقومي البسطاء الطيبينْ



قال لي حين التقينا ذات يوم

وأنا أخبط في تيهِ الهزيمة :

اصمدي ، لا تضعفي يا بنةَ عمي

هذه الأرضُ التي تحصدها نارُ الجريمة

والتي تنكمشُ اليوم بحزنٍ وسكوتْ

هذه الأرض سيبقى

قلبُها المغدورُ حياً لا يموتْ
م
لن أبكي


"إلى شعراء المقاومة في الأرض المحتلة منذ عشرين

عاماً .. هدية لقاء في حيفا" (4 / 3 / 1968)
للشاعرة : فدوى طوقان



على أبوابِ يافا يا أحِبائي

وفي فوضى حُطامِ الدُّورِ ، بين الرَّدْمِ والشَّوْكِ

وقفْتُ وقلتُ للعينين :

يا عينين قِفا نبكِ

على أطلالِ مَنْ رحلوا وفاتوها

تُنادي مَنْ بناها الدارْ

وتَنعى مَنْ بناها الدارْ

وأنَّ القلبُ مُنسحقاً

وقال القلبُ :

(ما فَعَلَتْ بِكِ الأيامُ يا دارُ ؟

وأينَ القاطنونَ هُنا ؟

وهلْ جاءَتْكِ بعدَ النأي ، هل جاءَتْكِ أخبارُ ؟

هُنا كانوا ، هُنا حلموا

هُنا رَسموا مشاريعَ الغدِ الآتي

فأينَ الحُلْمُ والآتي ؟ وأيْنَ هُمُو ؟

وأيْنَ هُمُو ؟)

ولمْ ينطِقُ حُطامُ الدارْ

ولمْ ينطِقْ هُناك سوى غيابِهِمُو

وصمْت الصَّمْت والهِجرانْ

وكان هُناكَ جمعُ البومِ والأشباحِ

غريبَ الوجهِ واليدِ واللسانِ ، وكان

يُحوِّمُ في حواشيها

يمدُّ أُصُولَه فيها

وكانَ الآمِرَ الناهي

وكانَ ... وكانْ ...

وغُصَّ القلبُ بالأحزان
م
فدوى طوقان :
من صور الاحتلال الصهيوني

آهات أمام شباك التصاريح عند جسر النبي

وقفتي بالجسر أستجدي العبور

آه ، أستجدي العبور

اختناقي ، نَفَسي المقطوع محمول على

وهـج الظهيــرة

سبع ساعات انتظار

ما الذي قص جناح الوقت ،

من كسّح أقدام الظهيرة ؟

يجلد القيظ جبيني

عرقي يسقط ملحا في جفوني

آه ، آلاف العيون

علقتها اللهفة الحرَّى مرايا ألم

فوق شباك التصاريح ، عناوين

انتظار واصطبار

آه نستجدي العبور

ويدوِّي صوت جندي هجين

لطمة تهوي على وجه الزحام :

(عرب، فوضى ، كلاب

ارجعوا ، لا تقربوا الحاجز ، عووا يا كلاب )

ويد تصفق شباك التصاريح

تسد الدرب في وجه الزحام

آه ، إنسانيتي تنزف ، قلبي

يقطر المر ، دمي سم ونار

( عرب ، فوضى ، كلاب ) !

آه ، وامعتصماه !

آه يا ثار العشيره

كل ما أملكه اليوم انتظار.

ما الذي قص جناح الوقت ،

من كسَّح أقدام الظهيرة ؟

يجلد القيظ جبيني

عرقي يسقط ملحا في جفوني .. آه جرحي

مرَّغ الجلاد جرحي في الرغام

*****

ليت للبرَّاق عيناً …

آه يا ذل الإسار !

حنظلا صرت ، مذاقي قاتل

حقدي رهيب ، موغل حتى القرار

صخرة قلبي وكبريت وفوّارة نار

ألف "هند" تحت جلدي

جوع حقدي

فاغرفاه ، سوى أكبادهم لا ..

يشبع الجوع الذي استوطن جلدي

آه يا حقدي الرهيب المستثار

قتلوا الحب بأعماقي ، أحالوا

في عروقي الدم غسلينا وقار !!
X