حديث الشيخ .. قصة رااااااائعة من روائع الزمن الماضي

سحابة شامخة 02-08-2003 6 رد 2,716 مشاهدة
س
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : (ردو السلام)
أخواني وأخواتي أعضاء المنتدى ... أحببت هنا أن أنقل لكم هذه القصة الرائعة من أحد المنتديات الطيبة التي تحرص فعلاً على نشر الخير..
وأنا بصراحة أحب القراءة جداً وخصوصاً قراءة القصص ولكن قللت من قراءة القصص حتى لا أشغل وقتي فيما لا ينفع فهناك الكثير من الأمور الأهم التي ينبغي على المسلم أداءها .... ولكني نشرت هذه القصة لما فيها من المواعظ والعبر ... فمهما كان الإنسان على أعلى درجات التقى فإنه لا يأمن من الفتنة ولذلك يجب أن يحارب الشيطان بالتعوذ منه وبالإستغفار لله في كل وقت والرجوع إليه دائماً مع اظهار التضرع والخشية منه..

وسأبدأ الآن بالنقل ولكني لن أضعها كاملة وإنما جزءا جزءا حتى تأخذ حقها من القراءة وحتى أرى عدد كبير من الردود:

حديث الشيخ ( قصة)
[ALIGN=RIGHT]هذه ليست قصة أدبية ولا خيالية ، بل واقعية. قصة دارت أحداثها في الزمن الماضي ،ولازلت تظهر لنا بين الحين والآخر في ممرات الحياة ، قصة شخص كان تقيا ورعا يضرب به المثل في التدين ، ورغم ذلك إلا أنه وقع في شباك جارية فارسية ، لعبت بعواطفه ، أفقدته صوابه ، كادت أن تؤدي إلى هلاكه .
قصة فيها العبرة لمن يعتبر ، والموعظة لمن يتعظ .
تتأرجح أنفاسك بين هبوط وصعود وأنت تقرئينها
ترتسم على وجهك ملامح الحزن والألم في البداية
وحينما تصلين إلى النهاية ترين تداعيات ...
لن أكمل ، أنتم من سيكتشف ذلك. ...................
" قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :
كان صاحبي يسار بن صادق بن عبد ربه البغدادي ، شابًا غلبته نفسه وتمكنت منه شهوته ، فانصرف عن أمور آخرته إلى دنياه ، وعن التجارة الرابحة إلى التجارة الخاسرة ، وعن مدارج السالكين العارفين ، إلى مباذل الغافلين الخاسرين ..!!
ولم يكن من قبل هذا حاله ، وما كان أحد من أصحابه يظن أنه إلى هذا سيكون مآله ، لأنه كان قد نشأ في طاعة الله ، واشتهر بورعه وتقاه ، حتى عرف بين أقرانه بالراهب ، وسمَّاه بعضهم :" حمامة المسجد " هذا ما ذكره لنا الشيخ الثقة أبو العرفان ، وبالله تعالى التوفيق .
وسبحان الله ، ثم سبحان الله ، كيف تتغير النفوس من حال إلى حال ، وكيف تصاب الروح المؤمنة القوية بالهزال ؟! كنت والله أغبط هذا الفتى على ما أوتي من ورع وتقى ، وتوفيق إلى الخير وهو في ريعان الصبا .. فقد قرأ كتب الأولين ، ونال حظًا وافرًا من العلم والدين ، وتأثر بالحسن البصري ومالك وابن دينار ، وطاووس وحبيب العجمي ، رحمهم الله أجمعين .. وقرأ كتب أبي حامد الغزالي حتى قال : ليس من الأحياء من لم يقرأ الإحياء ! ولقد سمعت صاحبه أبا الحسن يقول :
- سيقوم يسار في الآخرين ، مقام عبدالرحمن القس في الأولين .! وكان كثير الصمت ، قليل الكلام ، فإذا تحدَّث ، تحدَّث همسًا أو ما يشبه الهمس ، ولكن حديثه ينفذ إلى القلب ، فيه الحلاوة والطلاوة ، بسحر السامع ويأخذ بلبه ، ويستولي عليه ، فلا يدري أهو أسير حديثه أم أسير محدثه !
وكان قد أسر بأحاديثه هذه ، جارية فارسية يقع بيتها في نهاية سوق الخبازين ، قريبًا من بيت أبي الحسن الورَّاق صاحب المصنفات المعروفة .. أسرها بأحاديثه ، وأسرته بجمالها ورقتها وعذوبة صوتها .. فأخذ يتردد عليها كثيرًا ، حتى ملأت نفسه ، وملكت قلبه ، فشغف بها ، وشغفت به ، فلم تعد تصبر على فراقه يومًا أو بعض يوم !!
ولكنه على ما ينقل الثقات ،قد أمسك بلجام نفسه ، وسيطر على دوافع شهوته ، فلم يطأ محرمًا قط .. وتحدث إلى غير واحد ، أنه كان يذهب إلى بعض مجالس الشباب الخالية ، الذين يسهرون الليل على صوت الدف والغناء وكؤوس الخمر ، ولكنه لا يشربها .
و والله إني لفي حيرة ، كيف استطاعت هذه الجارية الفارسية أن تسحره ، وتستولي عليه ، وتسلبه عقله ولبه ؟! ولكننا لا نستطيع الآن أن نصب عليه اللوم ، ولابد من الرجوع إلى أقوال أهل الخبرة من القوم فقد كان أبو العرفان يصب اللوم الشديد على من صار بها ولهان .. وما إن ترددت الجارية على دكانه عددًا من المرات حتى نظم فيها قصيدة عنوانها " أوقعتني في الحب " .
فإذا كان هذا الرجل ، وهو على ما نعلم من علو القدم ، يقع في هواها ، وينظم قصيدة بمعناها ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، ونعوذ بالله من فتنة النساء .

وبداية القصة ...
س
الأقفال السبعة :



وبداية القصة ... أنه كان يُعقد في بيت الجارية ، مساء الثلاثاء من كل أسبوع ، مجلس للطرب واللعب والغناء ، وكان يحضره شباب من القوم ، منهم أبو محمود حكيم بن محمود ، وحسَّان بن معيقيب ، وحبيب بن مسعود الجصاص ، وغيرهم ...
وقد تأخر ذات يوم عن الحضور في الوقت المعين ، سعيد بن منصور الذي يقع بيته قريبًا من سوق العطَّارين ، مقابل بيت الشيخ أبي العرفان... وعندما حضر بادره الجميع بقولهم :
- أين كنت ؟
فأجابهم وهو يتخفف من بعض ملابسه ، وعلامات التأثر بادية على وجهه :
- التقيت هذه الليلة بيسار .
وسرت في نفوس القوم هزَّة خفية ، وساد المكان سكونٌ شامل ونظرت الجارية بعينيها اللوزيتين ، وقاربت ما بين حاجبيها ، وسألت .
- ومن يسار هذا ؟
فأجابها حبيب بن مسعود - وكان على صلة قديمة بيسار- :
- أنا أعرف القوم بحاله .
وأخذ يحدثها بكل ما يعرف عنه ، عن علمه وورعه ، وزهده وتواضعه وعن حسنه وأخلاقه وعذوبة منطقه .
وسكت قليلاً ، ثم أضاف قائلاً :
- نظرة واحدة إليه تكفي لاستيعاب كل ما كتبه الزهاد ، فما حوى الكتاب بين دفتيه ، ترينه في هذا الفتى الذي يسير على قدميه .
وتنهَّد حسَّان بن معيقيب وقال :
- ذلك الرجل عرف الطريق إلى ربه .
... فأنصتت الجارية بكل اهتمام ، وأخذت بما سمعت ، وعزمت في قرارة نفسها على أن تحظى به .
كانت غرفة الاستقبال مفروشة بالسجاد العبقري الموشى ، والستائر خضراء تتخللها خيوط صفراء بلون الذهب ، والقناديل الملونة تتدلى من السقف وهي تتمايل سكرى . وفي زوايا الغرفة قناديل أخرى تفوح منها رائحة المسك .
ومالت الجارية برأسها ، وسألت حبيب بن مسعود :
- هل هو متزوج ؟
واستطاع أبو محمود ، وكان حاضر النكتة ، سريع البديهة ، يتقن اللغة التركية ، وعددًا من اللغات الأعجمية ، وكان قد سافر إلى بلاد "شارلمان" وجرتله من الحوادث ما لا يتسع المجال لذكرها ، وكان يتحف الحاضرين بما رأى في تلك البلاد - أن يدرك ما يدور في خلد الجارية ، فقال وهو يضحك :
- لا سبيل لك إلى يسار .
فالتفتت إليه متحدِّية وقالت :
- سوف ترى .
وسكتت قليلاً ثم أضافت :
- وإذا استطعت أن أحضره إلى هنا ؟
فنهض أبو محمود وهو يضحك ، وأخرج ألف دينار ضرب بها المنضدة وهو يقول مشجعًا :
- ما هاهنا لك إذا استطعت أن تفعلي .
فصاح حبيب بن مسعود :
- اتقوا الله ، واتركوا الرجل في عالمه .
واسترسل أبو محمود ضاحكًا وهو يقول :
- سوف يأتي إلى هنا ، سأسقيه الخمر بيدي .
ورفعت الجارية يدها ، تتحسَّس القرط اللؤلئي الذي يزين أذنها ، ثم نادت الخادم ، فأقبل... أحضر لها رقعة ، كتبت عليها شيئًا وطوتها بعناية فائقة ، ولفَّتها في منديلها المعطَّر ، ثم التفتت إلى سعيد بن منصور وقالت :
- أين نجد يسارًا في هذه الساعة ؟
فأجابها وهو يشير بيده :
- رأيته متجهًا إلى بيت القاضي بعد صلاة العشاء .
فنهض حبيب بن مسعود ، واقترب منها يريد أخذ الرقعة من يدها وهو يقول :
- لا تفعلي ، بالله عليك .
ولكنها ضحكت ودفعت يده بيدها اليسرى ، فرّنت الأسورة التي تزين يدها ، ثم مالت فأسرَّت في أذن خادمها شيئًا ، ثم ناولته الرقعة .
وقبل أن يخرج صاح حبيب بن مسعود منفعلاً ، وأخذ يردد :
- إن دون الوصول إلى اليسار سبعة أبواب عليها سبعة أقفال من حديد .
... وما هي إلا ساعة ، حتى عاد عربيد بوجهٍ جامد خالٍ من التعبير ، وناولها المنديل دون أن يتفوَّه بكلمة . فأخرجت الرقعة ، وألقت عليها نظرة خاطفة ، ثم قفزت بثوبها الأبيض الفضفاض ، وشعرها الأسود الطويل وهي تحمل الرقعة بيدها اليمنى وتقول :
- هذا هو القفل الأول قد انفتح .
وعلت الدهشة وجه حبيب ، ولم يصدق سعيد بن منصور أذنيه ، وبقي حسَّان بشعره المجعَّد وعينيه الخضراوين ينظر إليها دون أن ينطق ، أما أبو محمود ، فقد أخذ يصفق ويصيح :
- ألم أقل لكم سأسقيه الخمر بيدي ؟
وانفجر حبيب بن مسعود ، وقد التهب وجهه الصغير بالغضب ، وضرب بقبضة يده على المنضدة وهو يقول :
- مستحيل
...أما الجارية ، فقد استمرت كالفراشة الجميلة تدور في المكان ، وهي تحمل الرقعة بيدها وتقول :
- هذا هو القفل الأول قد انفتح ، انظروا ..
وألقت الرقعة على المنضدة ، فتسابقت الأيدي للحصول عليها والاطِّلاع على ما فيها .
يتبع
س
فاصل

قال : علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - :
" لا تؤاخ الفاجر ، فإنه يزين لك فعله ، ويحبُّ لو أنّك مثله ، ويُزّين لك أسوأ خصاله ، ومدخله عليك ومخرجه من عندك شين وعار "
س
المفتاح العجيب

كان أبو محمود أسرع القوم إليها ، فخطفها وأخذ يلوح بها وهو يضحك وينظر إلى حبيب بن مسعود ويقول :
- هذا هو صاحبك قد وقع .
وقبل أن يقرأها ، وبخفة متناهية أدهشت الجميع ، خطفتها الجارية من يده ، وجذبت عربيدًا وذهبت إلى غرفة مجاورة .
... واستحثت الجارية الخادم وهي تقول :
- أخبرني يا عربيد ، أخبرني بكل ما رأيت .
ونظر إليها ببرود ، وكان قد عاد بغير الوجه الذي ذهب به ، وكانت الجارية متلهِّفة لسماع حديثه ، فهزِّته قائلة :
- ماذا دهاك يا عربيد ؟؟!! تكلم
فأشاح الخادم بوجهه إلى ناحية أخرى وقال :
- هل أنت جادة في هذا الأمر يا سيدتي ؟
وهتفت بحماس :
- ألف دينار ، ألف دينار يا عربيد .
فهزَّ عربيد رأسه وهو يتلفت إليها وقال :
- كلا يا سيدتي ، لا أظن أن الدنانير هي كل ما تبغين .
فقطَّبت ما بين حاجبَيْها ، ونظرت إليه بعينيها النجلاوين ، وقالت تستنطقه :
- وما تظن يا عربيد ؟
فتنهَّد وهو يرجع خطوة إلى الوراء ، وقد وقع الضوء القليل الذي ينتشر من ضوء القنديل على صفحة خده الأيمن ، فظهر بلون البن الغامق ، ثم رفع يده فحكَّ رأسه ثم قال :
- لا أدري ! ولكن ...
فضربت الأرض برجلها ، وقد صعد الدم إلى وجْنَتيْها وقالت :
- ولكن ماذا ؟
وأجاب بصوت هادئ عميق النبرات :
- يا سيدتي ، إن الوصول إلى القمر ، لأهون ألف مرة من الوصول إلى يسار، ثقي - يا سيدتي - أنه لم تر عيني مثله بين الزهاد ،لا هنا ولا هناك ، وأشار بيده إلى الشرق البعيد ، وبقي لحظات مشيرًا بيده ، واقفًا كالتمثال ، مثبتًا بصره على الناحية التي أشار إليها .
فأطرقت الجارية ، وتغير لونها ، وقالت بصوت انتزعته من بين آلامها :
- بالله عليك يا عربيد لا تذكرنا بتلك الأيام .
ثم تنهَّدت تنهَّدة عميقة وقالت :
- إننا في حاجة إلى النقود يا عربيد .
فخفض يده ، وعاد إلى وقفته الأولى ، وقد شعر أنه استطاع أن يؤثر عليها .
فتبسَّمت ، ونظرت إليه بلطف ، وقد لمعت عيناها على ضوء القنديل الذي يتسلَّط عليها ، وقالت بصوت هادئ خافت ودود :
- والآن حدثني- يا عربيد - أخبرني بكل شيء ، بكل ما رأيت وسمعت .
قال ، وقد انقاد إلى لهجتها :
- رأيت نازك الرومي ،خادم الشيخ القاضي ، محمد صالح ، يهمّ بدخول الدار ، فاستوقفته ، وأخبرته بأني أريد أن أقابل يسارًا على انفراد . فأخذ بيدي إلى غرفة قريبة من الديوان ، وانتظرت حتى أقبل يسار . متوسط القامة ، أزهر اللون ، تبرق أساريره بنور جذَّاب ، نحيفًا ، تجلله المهابة ، ويعلوه الوقار ، يحس بروعته الناظر إليه ، أقسم لك - يا سيدتي - إنني لم أندم في حياتي مثل ندمي هذه الليلة !! ندمت أنني قدمت في مثل هذه المهمة وعلى هذا الرجل الذي يعيش في هذه الدنيا وروحه معلقة بالآخرة .
إنه ليس من ذلك النوع الذي تعرفينه ، لم ترعيني مثله قط . لقد تمنَّيت من كل قلبي أن لوعُدت أدراجي ، ولم أفاتحه .
وسكت عربيد ، وكأنه يريد أن يستحضر كل لحظة عاشها مع يسار ، واهتزت ذبالة القنديل على نسمة باردة ، تسللت من شق الباب ، وتحرك ظل الجارية على الجدار ، وعاد عربيد يتحدث بصوت خافت مؤثِّر :
- لقد ارتفع هذا الرجل بروحه عن الأرض ، وأخذ بسبب إلى السماء ، فكان فيه من السماء معنى السمو والزكاء والنقاء .
كانت الجارية تصغي إليه باهتمام ، وقد سحرها بوصفه ، وملك عليها مشاعرها حتى تخيَّلته مَلَكًا في صورة إنسان .
ومضت تستحثه :
- وماذا بعد ؟ تكلم يا عربيد
قال :
- بدأني بالسلام ، ثم وقف ينظر إلي ، فشعرت كأن نظراته تغوص في أعماقي ، وتكشف المكنون في صدري ، ثم قال :
- ما اسمك يا رجل ؟
قلت :
- عربيد .
فلم يعجبه هذا الاسم ، ونظر إليَّ ساعة ثم قال :
- لا ينبغي أن يكون هذا اسمك .
ثم أضاف بعد قليل :
- بل أنت مريد .
أتدري من هو مريد ؟
ولم أجب ، مضى يقول :
- المريد هو الذي يريد الوصول إلى الله ، بقلب سليم .
اتق الله - يا مريد- واجتنب المعاصي .
وعاد عربيد إلى السكوت ، ولم يدر ما كان يعتمل في صدر الجارية التي استبدَّ بها الشوق إلى معرفة المزيد عن يسار حتى نَسِيَت نفسها ، ونَسِيَت الضيوف الذين كانوا ينتظرون عودتها ، وانحنى عربيد قليلاً كأنه يريد أن يلتقط شيئًا من الأرض ، ولكنه عاد فاعتدل .
وهزَّته الجارية ، وقالت بصبرٍ نافد :
- تكلم ، تكلم يا عربيد ، لا تسكت .
فنظر إليها نظرة صارمة وقال :
- أرى أن تتركي هذا الأمر .
- أتركه ؟!
قالتها بدهشة وتعجب
- أبَعْدَ كل ما ذكرته أتركه ؟!
كيف أترك أمرًا بدأته ، سرت فيه خطوات ؟
فلما رأى إصرارها ، عاد يروي ما حدث ، دون أن يعقب على كلامها الأخير :
- رأيتني أمد يدي بالرقعة ، بتردد ، وتخاذل ، وخجل ، فتناولها ، وألقى عليها نظرة ، تغيّر لونه ، وصعدت حرارة الغضب إلى رأسه وشعرت بأني ركبت مركبًا صغيرًا ، وتمنيت في تلك الساعة لو انشقت الأرض وابتلعتني ، ولكني أسرعت أقول له ، قبل أن أسمع منه ما يؤلمني :
- إنها تريد أن تتحدث إليك بمشكلتها يا سيدي .
إنها لا تريد أن يطَّلِع عليها غيرك .
فرفع رأسه ، وقد سُرِّيَ عنه بعض ما به وقال :
- لتكتب مشكلتها .
ثم وقَّع بكلمة واحدة : اكتبيها .
ألقى الرقعة ، وعاد من حيث أتى .
... فصفقت الجارية بيدها ، ودارت حول نفسها طربًا وهي تقول :
- لقد وقع الطائر في الفخ .
فهزَّ عربيد رأسه وقال :
- ألم يقل لك حبيب بن مسعود ، إن دون الوصول إلى يسار سبعة أبواب عليها سبعة أقفال من حديد ؟!
فقهقهت الجارية ولقد لمع في فمها صفان مثل الحب الجمان ، ودفعت الخادم في صدره وهي تقول :
- إنني أملك المفتاح الأستاذ الذي تتساقط أمامه جميع الأقفال !
ثم أشارت بيدها إلى صدرها وقالت :
- أنا
وفتحت الباب دون أن تستدير وأضافت :
إن جميع الأقفال سوف تتساقط أمام المفتاح الساحر ، المفتاح العجيب ، المرأة !!
وقبل أن تعود إلى الغرفة الأخرى همست :
- سأدعوك من هذه الساعة" مُريد " .
... واستمر القوم في حديثٍ وضحك وانشراح حتى أصبح الصباح ، وارتفع صوت المؤذن من المسجد القريب يدعو : حي على الفلاح .
فتنهَّد حبيب بن مسعود وقال :
- هذه ليلة من عمرنا خسرناها .
وخرج القوم فردًا فردًا ، وكان خروجهم بعد صلاة الفجر بقليل ، وسلك كل منهم طريقًا غير الذي سلكه صاحبه .

يتبع
س
ممكن أعرف وينكم؟؟؟ ولا ما عجبتكم القصة ؟؟؟

ترا ما بكملها اذا ما رديتوا :mad: :mad: :mad:
س
فاصل

يقول سعد البواردي :
" الشرارة تتحول إلى شعلة ، لنكن حذرين مخاطر إحراقها قبل أن تتوسع فتلسع "
س
نداء الروح

خرج يسار من بيته الذي يحاذي النهر قبل نداء الفجر ، وسار في طريقه إلى المسجد ، هذه صفحة جديدة قد انفتحت في سجل الوجود ، هذا يوم جديد ، إنه يستمع إليه ، وكأنه يتحدث حديث الروح للروح : أنا يوم جديد،وعلى عملك شهيد فتزود مني ، فإني لا أعود إلى يوم القيامة .كانت الريح باردة ، وشديدة ، تُمزِّق بعض الهدوء المخيِّم على الكون وقد أحاطت بالقمر دائرة بيضاء واسعة تحميه من هوج الرياح ، وانطفأت بعض الفوانيس ، وما بقي منها أخذ يعاني أنفاسه الأخيرة .
كان يسير ولسانه لا يفتر عن ذكر الله ... يشعر بجلال هذا المنظر وبرهبة تسري في كيانه؛ لأنه يذكِّره بالآخرة ، كلّ شيء في هذا الوقت يذكِّره بالآخرة ، حتى الحارس الذي انزوى في الركن القصي من الزقاق وقد التفّ بعباءته وكوَّم نفسه على دكة بيت القاضي ،البيوت الساكنة الساكتة ، والنوافذ المغلقة ، والشارع الصامت ... وترامى إلى سمعه من جهة النهر ، صوت فتى ركب زورقًا ، وراح يضرب بمجدافه ويغني غناء حزينًا تتجاوب أصداؤه مع أمواج النهر ، وتحمله الريح الباردة ، ويستمع إليه الكون في صمت خاشع . كان يردد على أوتار قلبه المعنى : " يا رب يا عالمًا بالسر يا ربي " يردد هذا الشطر كثيرًا ، ثم يتبعه بشطر آخر لم يتبين يسار من كلماته إلا الكلمة الأخيرة " ... ذنبي ".
ومضى يسار يستمع إلى حديث الفجر ، المُضمَّخ بأنفاس الآخرة ، وتعجَّب كيف ينام الناس في هذا الوقت ؟ كيف لم ينهضوا فيرتشفوا من سر الصباح حياة تعمر حياتهم ، ونورًا يضيء نفوسهم وحكمة تضعهم على باب الحقيقة الخالدة ، التي كتب عليها بمداد السماء { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } .
في هذا السكون الشامل ، والمنظر الرهيب ، وصوت الفتى الحزين ، تذكَّر يسار حديث الشيخ عن الآخرة ، كان ينصت إليه بكل جوارحه ، والشيخ يصف الآخرة وصفًا كأنَّه رآها بعينيه ، كأنه اطَّلع على كل ما فيها ثم جاء يحدث ولسان حاله يقول : أنا النذير العريان . لم ير الشيخ يبكي في يوم من الأيام ، ولا يخرج عن حاله ، ولكنه كان يشعر من خلال صوته ، من اهتزاز نبراته ، من شدة تأثره ، كأن الدموع تنزل من قلبه ، كأنه يبكي بصمت ، أما هو الشاب المرهف الرقيق الحس ، الذي يتفجر قلبه بالعواطف فلا يستطيع أن يتمالك نفسه من البكاء .
كان حديث الشيخ يبدأ بعد صلاة الفجر ، وكان لا يزيد على دقائق معدودات[ لكنه] يهزّ القلوب ، يملؤها ، ويحرك النفوس إلى طاعة الله ، إلى معرفة الطريق إلى الله ... [ويبدأه ]هادئًا هدوء الفجر طريًا نديًا ، جميلاً جديدًا جادًا، لا يتكلف، ولا يأتي بالغريب ، ولا يذهب مذاهب الوعَّاظ والمعلمين. كانت كلماته تسري إلى نفوس مريديه فتنجذب إليه ، تهفو لسماعه وترغب في المزيد ، يود الواحد منهم لو يقول له : لا تتوقف يا شيخ ، لا تُنه حديثك ! ولكنهم لم يكونوا يقولونها ؛ لأنهم يعلمون أن الشيخ يرى أن ما حدَّثهم فيه الكفاية ، وسوف يواصل حديثه غدًا ، وفي مثل هذا الوقت .
لقد عاش يسار هذه المعاني الإيمانية ، وامتلأت بها نفسه ، ووقف على باب قلبه يرد عنه كل طارق غير الله ، فنشطت أعضاؤه إلى طاعة الله ، وازدانت نفسه بالإيمان ، الإيمان الذي يضيء القلب ، وينعش الروح ويخلع عنها أردية الكسل والخمول ، ويضفي عليها حلل البهجة والراحة والسرور .
وكانت قراءة الإمام ، وهو يؤم المصلين ، حزينة مترسِّلة ، وفي صوته رعشة تهز القلوب . وقناديل المسجد التي تنشر نورًا خافتًا دافئًا ، والجدران السميكة البيضاء ، والأعمدة الصاعدة الصامتة وكل حجر ...، كل شيء ، كل شيء ، كأن جبريل قد نزل في تلك الساعة يتلو بصوته الملائكي { إن قرآن الفجر كان مشهودًا} ... وبعد صلاة الفجر جلس الشيخ يتحدث ، بعد تلك الرحلة السماوية التي استمد فيها المصلون من السماء سببًا إلى السماء . جلس الشيخ يتحدث عن يوسف الصديق ، الفتى الذي ضرب مثلاً أعلى في الصبر عن المرأة المغرمة العاشقة الوَلْهى. وأخذ يصف ثباته وعِفَّته، وخشيته لله، ومراقبته له ، وتعبُّده وتصوُّنه . كان يتكلم بأسلوب القرآن الواضح البليغ ، وبعرضه التصويري البديع ، ... أنفاس الكتاب الكريم تعبق من أنفاسه ، وشذا السلف الصالح ونسيم ريَّاهم من نسيمه ، وكل مُريد يشعر أنه يوسف نفسه ...، ومما يزيد في تأثير حديث الشيخ ،مكانته في نفوس مريديه ، وسطوع حجته، ونبرات صوته ، وحسن إلقائه ، ومحكم إشاراته ، وكانت عيونه تنطق بالحب لكل واحدٍ منهم ، كان يشعر كل واحد بأنه يهتم به وحده ، دون غيره ، يهتمُّ بشؤونه وشجونه ، فتتفتح نفس المريد ، ويصارح الشيخ بما لم يصارح به أحدًا من الخلق ، والشيخ يصغي إليه ، ثم يشير عليه ، ويثبته ويرشده ، ويأخذ بيده ، يُعينه على مواصلة السير في قافلة الإيمان .

يتبع
X