زوجة ما وراء البحار!

بلسم الشرق 21-07-2003 0 رد 1,141 مشاهدة
ب
كانت شقراء ملونة العينين ، كانت تروح و تجيء أمام ناظريه ، يرى خصرها بشحومه المتكدسة بزواياه يتمايل أمامه ذات اليمين و ذات الشمال، كانت ممرضة ، و هو طبيب من غير مستشفى ، كان القدوم للمستشفى حيث تعمل أروع نزهة بالنسبة له، فقد كان يمني النفس بنظراتها المحرمة، فهي الحلم، إنه الأسمر و هي البيضاء، إنه العربي الذي يريد أن ينسلخ من جلده و هي الإنكليزية المعتزة ببلدها، هو المكبل كما يتصور ، و هي الحرة كما تتخيل، و لكن كان متزوجا ، كانت هناك خلف الحدود زوجة تنتظره و تشتاق لعودته ، إنها المسكينة ابنة عمه و أطفالها الثلاثة تحسين و رمزية و عبد المجيد، كانت غربته بالأساس من أجلهم ، و لكن ضاع الهدف بدخول تلك الحسناء سراديب حياته، لقد أنسته ذكريات الصبا و أحلام المستقبل ، لقد حل في قلبه عشق محرم مكان حب حلال، طردت الشهوة روعة الأبوة من قلبه و اغتصبته، نسي الزوجة التي أعانته حتى اشتد عوده، صار خيال المسكينة كابوسا عنده، لم يعد يذكر أن لديه أولادا، صارت ذكراهم هما على قلبه الجاحد، كان يريد فقدان الهوية و مهما كان الثمن ، كان يطمح بالذهاب لبلدها و الحصول على جنسيتها، و طموحه تخيله الجنة بعينها و ما سواه الجحيم.
كان يأتيها بأنواع الحلوى كل بضعة أيام ، لها و لكل زميلاتها كي يبقى الوصال، و الشهوة حاضرة على الدوام، و لكنه طبيب الأعصاب المشهور، لماذا لا يتزوجها، الأمر سهل ، هي تريد و هو يريد، و الغايات ستتحقق، شعرت هي بمراده ، و بتفكيرها لم يكن هناك مانع فشهوة الأنثى موجودة ، و بالزواج ينطفئ لهيبها بعيدا عن قوانين البلد، و لن يلومها أحد، و تحصل بنفس الوقت على زوج يكون معها على الدوام ، و هو طوع بنانها و خادمها ، سألت أصحابه فلم يقولوا إلا خيرا أو بعض خير ، حجزت المواعيد خارج البلاد وتم الزواج ، وأشبع البعل رغباته ، ومرت الأيام ليكبر البطن بالجنين ، وحان أوان طلاق ابنة العم ، نعم طلقت وتشرد الأطفال لولا إباء تلك الأصيلة التي كافحت من أجلهم وأكملت لهم دراستهم حتى الجامعة ، دخل كبيرهم كلية الطب ليصبح طبيبا يغترب كما أباه ، ولكنه لم ينس حليب أمه الطاهر.
ولدت له زوجته ولي العهد المفترض ، وانقطعت الإتصالات بينه و بين عائلته السابقة سنين طويلة ، وكان يعيش على حلم الجنسية والسفر ، وكأي زواج لا تحكمه ظروف طبيعية بدأت المطالب والإتجاهات المختلفة تتنازع السفينة ، وكان دوما يستسلم لملكته ، ويسلمها القياد بدون رأي ، صار نعجة خرساء صماء عمياء .
كبر الطفل وصغر الأب بنظرها، واستمر يصغر ويضمحل حتى صار لا شيء ، وثقافتها تمنعها أن تقبل اللاشيء زوجا لها أو أبا لابنها ، قررت الذهاب للسفارة ، وبالطبع ليس من حقه أن يسأل لماذا ؟، ولا متى ؟، ولا إلى أين ؟، ولا حتى له حق الذهاب معها ، ذهبت ورتبت أمور سفرها وابنها من دون علمه ، وفي الوقت المحدد كانت في المطار ، وباتجاه "هيثرو" وإلى الأبد ، رجع من دوامه ليجد البيت فارغا ، بحث عنها لم يجدها ، بحث عن الصغير فلم يجده ، ضاع الصغير وأمه ، ظن لوهلة أنها في السوق أو المنتزهات ، ولكن طال الإنتظار ، ظنها عند صديقاتها ، ولكن خاب ظنه ، ظنها حتى عند أصدقائها أو صديقها ، وكانت غيرته المعدومة عليها تجعله يوافق حتى على ذلك ما دامت سترجع آخر الليل له ، جن جنون الليل ولم تعد ، صار يسأل عنها ، لم يجدها ، وعلم أنها طارت ، طارت إلى البعيد ، وطار حلمه بطيرانها ، لطم خديه ندما ، ضرب الرأس بالحائط ، أهمل نفسه و أعماله ، تعطلت أموره ، كره ذاته ، خجل من نفسه لأنه باع كل شيء من أجل لاشيء .
في رأس السنة الذي جعله عيدا له جلس وحيدا بين جدران أربعة ، وصار فكره لا يأخذه إلا باتجاه قنوات عكرة ظلماء ، فتح قناة إنكليزية وصار يرى الخمارات ودور السهر والنوادي والكازينوهات ، ومن ثم تسمر وهو يرى امرأة جلست هناك وحولها ثلاثة رجال ، رقصت معهم فرادى وجماعات ، وهزت واستوت هزا ، وسكرت حتى الثمالة ، كان ينطح رأسه في الجدار وهو يراها ، كانت هي تزيده غيظا وكأنها تعلم أنه يراها ، كاد يجن، حمل جهاز التلفزيون وألقاه من الدور الثالث إلى الأرض ، فزع الجوار من صوت السقوط و شاهدوا طبيب الأمس منفوش الرأس من النافذة ، سارعوا إلى غرفته ، و أسرع هو إلى علب الدواء الكثيرة في شقته، شرب ما استطاع والتهم ما وصلت إليه يداه ، وسقط مغشيا عليه ، وصل الجوار، طرقوا الباب بلا جواب ، طلبوا الشرطة ، كسروا الباب ودخلوه ، وأسرعوا بأخذ "المريض" إلى المستشفى .
غسل له الطبيب الشاب المناوب معدته وأعطاه العلاجات السريعة ، وأخذه إلى العناية المركزة ، وهناك فتح الملف ليسجل عليه ، ورأى اسم الرجل إنه محمد غالي متولي المفروح ، صعق الطبيب الشاب من الإسم، وأطرق رأسه في الأرض ، شاهدته الممرضة ، كانت تعرف جديته ، وتفانيه بعمله ، قالت له: "ماذا حصل ؟، هل حصل خطأ؟"، قال : "لا" ، وانهمرت الدموع من عينيه ، أعادت عليه السؤال ، وقالت : "مستحيل هناك قصة" ، قال : "انظري هنا "، وأشار إلى اسم الرجل على الصفحة الأولى من الملف ، نظرت بعينين مذهولتين إلى الإسم ، ومن ثم رفعت نظرها لتتأكد من اللوحة البلاستيكية المزركشة على يسار صدر الطبيب الشاب ، مسحت عينيها وهي لا تصدق ما ترى ، عادت وتأكدت ، نعم الطبيب هو تحسين ابن محمد غالي المفروح ، سألته: "هل صحيح هذا ؟"، قال :" نعم ، إنه أبي الذي هجرنا منذ سنين وسنين ، لقد تركنا صغارا ، وهجر أمي ، وباعنا ، واشترى الذين باعوه" .
في صباح اليوم التالي بدأ الأب الذي باع أبوته يصحو ، وكان ابنه يرافقه طيلة الليل ، وفي الصباح كان أول شيء يفتح الأب عينيه عليه هو اللوحة على صدر الطبيب، تمنى الموت ، تمنى لو تنشق الأرض وتبلعه ، احتضنه ابنه وقال : "علمتني أمي أن أقول : سامحك الله" 0
بقلم د.عبدالمطلب بن أحمد السح
X