المرأة عندما تقتل وتجرح وتأسر: علاقة شعر الحب بشعر الحرب
أجدادنا العرب البواسل أهل كر وفر، والفر هنا ليس بمعناه الهروب من المعركة أو الهيجاء عندما يحمى الوطيس، بل الفر هنا فر تكتيكي، لمعاودة الكر والهجوم مرة أخرى.
ولا يطلق اسم فارس أو مقاتل على من دأبه الفرار، بل إن الفرار من المعركة مذموم، ويصبح عارا في جبين من يقوم بذلك، بل إنه إحدى الموبقات الإسلامية:" التولي يوم الزحف" .
هكذا عاش أجدادنا العرب قبل الإسلام وفي العصور الأولى بعد الإسلام. في حالة كر وفر دائم.
قبل الإسلام كانت الحروب قبلية، قبيلة قوية تغير على القبيلة الضعيفة من أجل الكلأ والماء ومن أجل السبي والغنائم. بعد الإسلام وبفعل عقيدة الإسلام تحولت الحروب من جانبها القبلي الصغير إلى حرب بين أمتين: أمة العرب والأمم الأخرى : الفرس، الروم، ثم بين أمة الإسلام وأمة الكفر، ظل المسلمون في جهاد دائم.
في ظل ذلك كله كانت الأجواء الحربية هي المهيمنة، تقطعها فترات سلام وهدن ومعاهدات، ثم ما تفتأ تحتوي رجالات العرب والمسلمين في حروب جديدة.
من أجواء هذه الحروب خرج معجم شعري حربي واسع، يلوذ بالمفردات الحربية من الكر والفر، والهجوم، والنصر والهزيمة، والقتل، والجراح، والسبي، كما يستثمر أدوات الحرب: الخيول، النوق، السيوف، الدروع، السهام، النبال، الرماح في إبداع قصائد مدهشة، وفي الفخر بالفروسية وأجوائها.
لكن الأمر المثير المدهش هو أن الشعراء العرب القدامى نقلوا هذه الأجواء الحربية إلى قصيدة الغزل، وقصيدة الحب، وأعطوا المرأة التي يقدرون جمالها، ومكانتها، وأحيانا قداستها، أوصافا حربية، فهي: تقتل، وتجرح، وتأسر، وأهدابها كالسيوف أو الرماح، وعيونها قتالة الهوى، والعاشق هو: القتيل، والمجروح، والأسير، وهو القتيل الذي لا دية له.
هذا المعجم الحربي لماذا أصبح هو المعجم المهيمن على شعر الغزل العربي حتى اليوم، ولماذا انتقل حتى للأغنية المكتوبة بالعامية اليوم، حين يغني مطرب ما مثلا:" جراحة عيونك جراحة" أو " جرحوني عيونه يابا" فيربط بين فتنة العينين والجرح، أو كما نرى في نماذج غنائية كثيرة في القصائد المغناة، عند فيروز مثلا:" يا عاقد الحاجبين . على الجبين اللجيني. إن كنت تقصد قتلي . قتلتني مرتين" أو حين يغني فريد الأطرش :" لو مر سيف بيننا ما كنت أدري هل أجرى دمي أم دمك" .
لماذا استوطنت قصيدة الحرب قصيدة الحب؟
الأستاذ الكبير / عبدالله السمطي ..
آحترامي لكنْ ..... }