خــيـــول الــشـــوق .. ..

اغا دير 04-12-2008 9 رد 1,254 مشاهدة
ا


بسم الله الرحمن الرحيم



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



نقلتها حزن الامة من منتديات العسجد وهي للكاتب محمد جربوعة


((البداية ))


نفض عن جبينه حبات التراب التي التصقت به أثناء السجود ، دون أن يكف عن تمرير


رأس إبهامه على بواطن أصابعه مسبحاًَ ، ورنا ببصره إلى الأفق ..


كانت الآفاق المتكسرة فوق الجبال البعيدة تحرك فيه أشياء وأشياء .. وهبت نسمة هواء


منعشة ،فأغمض عينيه وألقى بنفسه إليها وإلى أفكاره ... ومرّت في مخيلته صور


سريعة، باهتة،ومتداخلة،اجتهد في تجاهلها ،لكنه لم يفلح ..


صورة عيني أمه ، بكل حنانها ،وأحزانها .. هما هما .. كما كان تأملها وهو يودعها


منذ عشر سنوات .. حينما اغرورقتا وقالتا كل شي ... صورة جبين أبيه .. بتجعداته


، وأسرار نقوش العقود ...وهذه يد ابنه تمتد نحوه ،


... بـا... بـا كان عمره عامان ...وافتر الثغر الصغير الجميل عن ابتسامة محفوره


إلى اليوم في ضلوعه .. أما ابنته الكبرى آمنه فكانت تمسك بذيل ثوب أمها تنظر إليه


نظرات ابنة السبع سنوات.. بريئه كانت ،وكان كلما ابتعد خطوة ضغطت هي على


ثوب أمها أكثر ...


كانت المره الأولى التي يدرك فيها أن زوجته تحفظ الشّعر ... وتبذره فوق الجراح


أيضا ... قالت وهي تودعه :


هل ترانا نلتقي أم أنها كانت
اللقيــــا على أرض الســراب
ثم ولّت وتلاشــى ظلــــها
واستحالت ذكريـــات للعذاب ؟!!


ومسح أبوه عن عينيه شيئاًََ ما ... مترقرقاًَ كالماء ...مالحاًَ كالبحر ... حارّاًَ كقلب


ذائب ...


كانت الأفكار قاهرة لدرجة أنه تلاشــى فيها رغم مكابرته ، ولم ينتبه إلا على يد


صاحبه أبي الوليد وهي تربت على كتفه ... أبا مصعب ....


كان كمن استله من عالم آخر استلالاًَ ترك فيه نصف جسده، نصف قلبه ، نصف


روحه ، واستدار ، فإذا الذين أمّهم في صلاة العصر قد انصرفوا إلى حاجاتهم .


وأدرك أبو الوليد مالذي يمور في صدر صاحبه ، فجلس إليه وتأمل وجهه ملياًَ، ثم


نزل بعينيه إلى الأرض ، وقال وهو يعبث بعشبه خضراء يمسّحها


برفق : عند الله استودعناهم ... ولله بعنا ...


فرد عليه : نعم البيع يـا أخي ، لكنها المضغة التي بين يدي الرحمن ، يتحرك بها


الشوق بين الفينة والفينة فتسافر نحوهم تعانق أطيافهم ... هو ضعف البشر


ياأبا الوليد ...


كانت الشمس تتحدر نحو مغيبها ،وكان المساء لطيفاًَ، تذوب فيه النفس ،وهي تسافر


عبر الأفق الرحب...


كان الرجلان يجلسان على ذكرياتهما ... وكان الله يراهما ويسمع مايقولان ...


• * *


نزل الليل متئداًَ ، كشيخ على عكاز ... واختلطت حبيبات الظلام بحبات النور ،


وتزايدت حتى احلولكت الفجاج ... كانت عيونهم صقوراًَ جارحة ، ووجوههم تتقلب


في السماء تترقب مهو كائن منذ ليال ... القصف .. النار ... والتقطت الآذان أصواتا


بعيدة تقترب ...


لقد جاؤوا ...


قالها أبو تراب وهو يتحسس سلاحه ..


وتحرك لسان أحدهم بنهر من نور بدد الظلام :


((ولاتهنوا في ابتغآء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله


مالايرجون .. ))


كان الصوت شجيا ... وكانوا إخوة نأت ديارهم ، وجمعهم طريق الجنة ... من كل فج


جاؤوا مستجيبين لنداء الحق ، :يـاخيل الله اركبي أرخوا الأعنة فطارت بهم السُّرج


إلى هنا ...


اقترب الصوت أكثر ... تحركت الألسنة بالذكر ، وارتفعت العيون تراقب


الطائرات ... صوت خطى تقترب مسرعة ، إنه القائد عبدالرحمن ، بطلعته التي


أرهبت الروس أعواماًَ ، وصوته المرعد :



هل كل شي على مايرام ؟..


وجاء الجواب من الجميع : بإذن الله ..


كانت بطارية الصواريخ المضادة للطائرات تعيش آخر لحظات صمتها ن وهدوئها ...


وكان أبو مصعب يقف قريباًَ منها يفكر في واقع هذه الأمه التي تصحو وتنام على


أمطار النار والدمار في كل مكان ...


كان يسلي نفسه بكونه وإخوته معه ، يمتلكون سلاحاًَ يوجهون به أعداءهم ، وكان ذلك


ماذكّره بأطفال صغار في فلسطين يقاتلون من دون سلاح ، ويواجهون النار بالصدور


العارية ..


المأساة في كل مكان - قال لنفسه - في فلسطين ، والشيشان ، والبوسنة ، وكشمير


والفيليبين ،وغيرها ... ومن عهد بلال رضي الله عنه وظهور المسلمين تُحرق ...


وتنهّد وهو يقول : إنها المأساة ..


اقتربت الطائرات وحبست الأنفاس ، أما الأعين فلم تكن تخطئ تلك الكتل الحديدية التي


تملأ هدوء الليل ضجيجاًَ مفزعاًَ ، وكانت تلك ليلة من ليال كثيرة تقضيها عيون


الصقور مفتوحة إلى الفجر .


• * *





كانت الأضواء الحمراء تتراقص على مدخل الكازينو ....


وتوقفت السيارة السوداء الفخمة ، ونزلوا ... كان الجنرال بيكونين تشيخوف يعتمر


قبعة صوفية ،ويلبس معطفاًَ أسود ، أو قريبا من السواد ... أما حذاؤه فكان يلمع ،


وهو يدخل دون أن يرد على تحية بوابي الكازينو ...


وماهي إلا لحظات حتى دخل وراءه شابان ، قَلبَ أحدهما قبة معطفه على رقبته اتقاء


للبرد ، أما الآخر ، وكان قصيرا ، فكان يبدو أنيقاًَ بطقمه الرسمي ...


كانت الأضواء الحمراء المتراقصة تعبيراًَ ناجحاًَ عن الجو ، جوّ الكازينو ...انغمس


الجنرال في اللعب محتسياًَ كأسه ، واحتوشته الخسائر حتى رهن ساعته الذهبية،


ومسّاك ربطة عنقه ، وأزرار قميصه الفاخرة ،وانتهى بعد ساعات إلى الإفلاس ....


قال وهو يضرب الطاولة بقبضته فتقرقع الكؤوس فوقها : حظ سيئ.


كان الشابان يراقبانه من بعيد ، هل هما من حرسه ؟


أم من رجال المخابرت الروسية ؟!


وهمَّ بالانصراف ، وعند الباب ، اقترب منه أحدهم وقال له ، وهو يحاول أن لايلفت


انتباه الآخرين :


يبدو أنك في حاجه إلى بعض المال ياسيدي ... ؟


والتفت الجنرال وهو يقول : هذا أنت ؟!!


فرد الشاب : نعم ، دائماًَ أكون معك في لحظة الغرق والحاجة ، وأعرض قارب


نجدتي .. مارأيك في عشرين ألف دولار؟!!


وبدا أن الجنرال لايهتم بالعرض كثيراًَ، فهز رأسه، وابتسم ، وواصل مشيه نحو سيارته .


أما الشاب فواصل قوله : الأمر يس صدقة ... وهناك مقابل ، أظن أن ذلك يطمئنك ...


كان الرجلان قد وصلا إلى السيارة ، وقد فتح السائق بابها الخلفي ووقف شبه منحن


منتظراًَ ركوب الجنرال .


هبت نسمة قارسة ، فارتجف الشاب صاحب المعطف ، وخبأ رقبته في قبة معطفه


أكثر ...وقال وهو يزم فمه ويقطب جبينه : يبدو أن الحظ لم يحالفك هذه الليله مرتين


ياسيدي .. لابأس سأنصرف ومشى خطوات .. وتأمله الجنرال من الخلف جيداًَ ثم قال له :


لابأس ، ماهو المطلوب ؟..


كان الشاب كأنه يدرك حين انصرف أن الجنرال سيستوقفه ..وتراجع إليه وهو يقول :
صفقة ...


كان لابد من مكان للتفاوض ، ولذلك فقد صرف الجنرال سائقه إلى داخل


الكازينو ، بينما ركب هو والشابان السيارة ... وبحركة سريعة توجس منها


الجنرال ضغط أحد الشابين زراًَ جانبياًَ في السيارة طلباًَ للضوء ، ثم أخرج


من جيبه ورقة ... وعرضها على الجنرال وهو يقول : هل تذكر هذه


ياسيدي الجنرال ..؟ إنها بخط يدك ..


وألقى الجنرال نظرة سريعة على الورقة ، وأدرك ماهي ، وسقط في يده ..


_ .. إنها صفقة السلاح الذي بعته للقائد الشيشاني منذ عام ، وحينها ادعيت أمام القيادة


الروسية انك خسرته في معركه طاحنة .. إنها إدانه أليس كذلك ؟..


_ الآن يمكنك أن تستل مسدسك وتقتل واحداًَ منا .. وإن كنت أسرع فقد تقتلنا نحن


الاثنين .. لكن الذين أرسلونا يمتلكون أصل الوثيقة ، وسينشرونها في صحيفة


( البرافدا) يوم السبت القادم ... هذا كل ماعندنا ..


قال الشاب ذلك وهمَّ بالنزول من السيارة مع صاحبه غير أن الجنرال استوقفهما في


شبه استجداء : مهلاًَ ... لكننا لم نكمل حديثنا ..وفهم الشابان أن الفريسة قد وقعت في


الكمين ، وعادا إلى الداخل :


_ عشرون ألف دولار .. قال أحدهما .


وقال الآخر : مع عدم نشر الوثيقة طبعاًَ


قال الجنرال : والمقابل ؟


نحن بحاجة إلى عملية كبيرة نكسر بها التعتيم الإعلامي الذي تمارسه حكومتكم على عملياتنا ..


تريدون سلاحاًَ إذن .. قال الجنرال ..


فقال الشاب :
سلاحاًَ وجنوداًَ .. قرابة خمسين ، فإن كانوا سبعين فذلك كرم منك لن ننساه ،


وسندفع .. ومازاد على ذلك فبكل رأس ألف دولار ... ومعك الوقت وآلتك الحاسبة ،


فعُدَّ ثروتك ، وسنلتقي غداًَ لإعطائك التفاصيل ..


قال الجنرال بنبرة اندهاش :


مستحيل .. كيف أرسل سبعين أو مائة جندي إلى كمين مصيدة ليلقوا حتفهم هناك ؟ ..


هذه خيانة عظمى !!!


فقال الشاب :


إذن هناك غيرك سيفعلها .. ولاتنس يوم السبت أن تشتري صحيفة ( البرافدا ).


وقام الشاب بحركة كأنه يريد النزول ، فأمسك الجنرال بمنكبه وهو يقول :


متى ؟.. وأين ؟


فرد عليه الشابان بصوت موحد :


غداًَ نلتقي ونتحدث .. وانصرفا ليبتلعهما وحش الظلام عند نهاية الشارع .


• *


ا


يـــتــــبـــع





جلس الشيخ عبدالعزيز تحيطه هالة الوقار ، ويزّينه الصمت ، وجلس المجاهدون حوله ،


كانوا ثلاثين ، ينقصون أو يزيدون قليلاًَ ، وافتتح كماهي العادة موعظته ب _إن الحمدلله


، نحمده .. ثم قرأ خطبة الحاجة ، ودخل في الموضوع ، كان درساًَ في العقيدة ، في


قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى... ) وراح بأسلوبه الجميل يفسر معنى


العرش ، ويعطي مأثور العلماء في الإستواء مثبتاًَ أن الله تعالى في السماء ، وأن


الاعتقاد الصحيح في إثبات صفات الله وأسمائه سبحانه ، دون تعطيل ولاتأويل ولاتشبيه ،


ثم قال : من أجل هذا الذي في السماء ،الذي استوى على العرش ، تطير بنا أشواق


الجهاد والجنة من قفر إلى قفر .لقد قاتل الكثير منكم في أفغانستان ودحروا الروس ثم


طاروا شُعثاًَ غبرا إلى البوسنة والهرسك ، ثم هم اليوم في الشيشان ، ومن ثغر إلى ثغر


، ليس لهم سوى الشوق إلى وجه الله الذي في السماء ، الذي استوى على عرشه ...


كانت الرؤوس كأن عليها الطير .. وكانت الكلمات المنسابة تزيد المجاهدين


ثباتاًَ ...وأشار الشيخ عبدالعزيز إلى شيخ مسنّ ، ترك الدار ودفئ الأسرة، وجاء يقطع


الوهاد والنجود ، يتوكأ على شيبته ، يريد وجه الله الذي استوى على العرش .. وسأله


الشيخ عبدالعزيز :


ياشيخ مروان ، قل للعالم كله لماذا جئت ؟


واقترب شاب يحمل آلة تصوير فيديو من الشيخ مروان ووجه العدسة نحوه .. ورفع


صاحب الشيبة وجهه السبعيني بتغضناته ، وتجعداته ، وآثار العقود ... وترقرقت في


عينيه دمعتان ، وقال :


أنا رجل أميّ ، عشت فقيراًَ، لكن إمام المسجد هزني مرّه وهو يفسر قوله تعالى :


(انفروا خفافاًَ وثقالاًَ ...)وقال : خفافاًَ بالشباب ،ثقالاًَبالشيخوخة... وذكر قصة


أبي أيوب الأنصاري ،فقررت أن ألتحق بالمجاهدين .. أعيش في ظلهم .. أدعو لهم قبل


انتقالهم إلى المعارك ، وأحتضنهم حين يعودون ، وأعوضهم شيئاًَ قليلاًَ من حنان


آبائهم ...أرتجي بذلك وجه الله ،فلعله يرحم هذه الشيبة التي خرجت لوجهه الكريم تقطع


الفجاج بمرضها وكبرها وعجزها ...


والتفت المصور بعدسته إلى الحاضرين فإذا البكاء قد ألقى عليهم رداءه ، والتقطت آلة


التصوير صورة أخرى من صور الرحلات إلى الله ليشاهدها الكثيرون بعد هذا في


مشارق الأرض ومغاربها ...



وتحركت شفاه الشيخ عبدالعزيز فقال :


لطالما ألقينا الدروس قبل أن نخرج للجهاد عن الله الذي في السماء ، لكننا كنـا مرتبطين


بآلهة الأرض أكثر ، نخشاها ونرجوها ، فآه يابن المبارك وأنت تقول :


ياعابد الحرمين لو أبصرتنا


لعلمت أنك في العبادة تلعب


من كان يخضب وجهه بدموعه


فنحورنا بدمــــائنـــا تتخضب


أو كان يُتعب خيله في باطل


فخيولنـــا يوم الكريـــــهة تتعب


فيا للخيول المظلومة في مضامير السباق في الأندية .. ياللخيول المعطلة عن مضمارها الحق ...


ياللفرسان الذين يطيرون على السرج طلباًَ للكؤوس الذهبية ، ليتهم فقط جربوا أن


يطيروا لحظة واحدة لله الذي في السماء .. والخيل إن لم تكن :


(والعديت ضبحا *فالموريت قدحا*فالمغيرات صبحا*فأثرن به نقعا* فوسطن به جمعا)


فماهي .. ؟ ما الخيل إن لم تكن ذلك ؟!!


وانتهت الموعظة ... وتحلق بعضهم حول الشيخ مروان ، محتفين به ، مباركين سعيه ،


وبعد ساعة انشغل كل بدأبه ، وجلس أبو مصعب محتضناًَ سلاحه يمسحه ،وأقبل عليه


أزرق اليمامة من بعيد وهو يقول :



هل هناك عاقل يترك القصر المنيف ، وسيارة الشبح ، وأولاده ، وصيف لندن ، وما


أدراك ماصيف لندن ، ويأتي إلى هذه البقعه لينام على القش في العراء ثم يصبح ليمسح


قطعة حديد ؟!!


وانفجر أبو مصعب ضاحكاًَ ، دون أن يرفع رأسه نحوه ...


وكان أزرق اليمامة شاباًَ مرحاًَ ، صاحب نكتة ، يسرّي عن المجاهدين أحزانهم بذلك ،
وكان أعشى ، لايكد يفرق في الليل بين الدّبابة والشجرة ، لذلك كان على أحد إخوانه أن


يمسك بيده ويقوده كلما جاء المساء ، وأظلمت الدنيا في وجهه ، كما كان يقول ...


واستمع مرة إلى الشيخ عبدالعزيز في شهر رمضان وهو يتحدث عن قوله تعالى :


( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ..) فســـأله : في أي ساعة


ذلك ياشيخ فقال الشيخ عبدالعزيز : في الفجر.


فغمز أزرق اليمامة أحد الجالسين إلى جانبه وهو يقول له :
الفجر ؟


أنا لاأفرق الفيل الأبيض من الفيل الأسود ، فعل أفرق الخيطين؟!!


واقترب أزرق اليمامة من أبي مصعب ، وأقبل أبو الوليد فسأله :


مالذي خرج بك يا أزرق ؟


فرد عليه : أجاهد معكم .. فقال أبو الوليد :


إنك تجاهد فينا .. ولو أعفيتنا لكان لك الأجر الجزيل .. إنك في صف الرّوس يارجل ..


هل نحن هنا لنقاتل أم لنقود العميان ؟


ونطق أحدهم وكان يجلس غير بعيد :


لقد أعفاه الله حين قال: (ليس على الأعمى حرج )


لكنه لم يُعفِ نفسه ، وجاء فقط ليدهس أرجلنا برجليه حين نقوده في الليل ، تصور


يارجل مايقوده ليلة أحدنا إلا وتصبح رجله التي تليه حين يقوده زرقاء متورمة من


الأذى .. فأي جهاد كهذا ؟!!


ويبدو أن أزرق اليمامة لم يستطع أن يتحمل أكثر فقال :


ألم تعلموا أنكم تُنصرون بضعفائكم ؟!! ثم إني كنت أعيش في بلادي ، لا أجد من يقودني


في الليل ، فقلت في نفسي ليس أمامك إلا المجاهدون .. وسأستدل عليهم ببعض الأدلة


في إعانة الضعفاء وقيادة العميان وأحقق مرادي...


قال أبو الوليد اذن أنت تستغل عقولنا ؟!!


فرد عليه :


عقولكم !! لو كانت لكم عقول فعلاًَ لما تركتم صيف لندن لتبيتوا تحت الجليد ...


ومرَّ الشيخ عبدالعزيز ، وحانت من الأزرق نظرة فرآه ، وعلم أنه قد سمعه ، فغير معنى


الكلام ، وهو يقول : وفي الجليد خير وبركة لمن صبر ... فاصبروا يا إخوتي .. وكتم


الجميع بركان ضحكاتهم ... وابتسم الشيخ عبدالعزيز مارّاًَ .



• * *





كانت الأنباء تتحدث عن عناصر الموساد الذين قدموا إلى روسيا وزاروا الشيشان ،


وقالت الصحف : إنهم خبراء عسكريون جاؤوا يعرضون على روسيا ترميم منشآتها


النووية المتآكلة خوفاًَ من أن يحدث لها ماحدث لمفاعل تشيرنوبل كما أن في جدول


زيارتهم أيضاًَ حديث مع الروس عن محطة رصد الصواريخ الموجودة في ميشيلينكا


التي تغطي قطاعاًَ يشمل كوريا الشمالية ، وعن قاعدة الرادار في لياكي في


أذربيجان .. وعن ملف إسلاميي جيورجيا .. فلماذا تعرض إسرائيل كل خدمتها تلك ؟


وما المقابل ؟!!


كان السؤال كبيراًَ بحاجة إلى جواب مطلع .. لاتكهن خبير أو محلل ، وكان القائد أبو


عبدالرحمن يخلو إلى أركان جماعته ، يحسسهم بخطورة الزيارة ويدعوهم إلى التفكير


في مايجب فعله ...


كانت الغرفة نصف مضاءة ... على أحد جدرانها خريطة كبيرة ، وعلى الطاولة


المستطيلة خريطة عمليات يغلب عليها اللون الأصفر ...



كان القائد أبو عبدالرحمن متوتراًَ ، يمسك لحيته بيده ، يفركها ، ويعود يمسّحها من


أعلى إلى أسفل ، ولم يكن الوحيد المتوتر فيما يبدو ... فقد كان الموضوع حساساًَ


يتطلب معلومة دقيقة ، ورأياًَ صائباًَ بعد ذلك ..


وكان أبو سعيد من المستشارين البارزين لقيادة الجهاد ، وقد كان رأيه أن يرسل اثنان من


المجاهدين إلى روسيا لاستجلاء الخبر من مصدره ... ولعل ذلك الرأي كان الأقرب إلى


ماكان يفكر فيه القائد وبعض حضور الإجتماع ، لذلك فقد تم الإفاق على تنفيذه ، وكلف


أحدهم باختيار من يقوم بالمهمة .. وانتهى الإجتماع .


• * *


في المكان ذاته الذي قابلا فيه الجنرال بيكونين تشيخوف وغير بعيد من الكازينو ، كان


الشابان في الموعد ينتظران ... ومن بعيد في رأس الشارع ظهرت سيارة الجنرال ...


وحك أحد الشابين كفاًَ بكف وهو يرمقها بتوتر واضح ، أما الآخر فقال : جنرالات


العــار .. وبصق على الأرض . وتوقفت السيارة ، وأطل الوجه الأحمر المكتنز من


زجاجها الخلفي ، وأشار إلى الشابين فاقتربا وركبا ، ونزل السائق قاصداًَ الكازينو .


كانت الساعة حوالي العاشرة والنصف ليلاًَ ، وكان الزجاج المضبب لنوافذ سيارة


الجنرال يجعل من الصعب معرفة من بداخلها ، حتى وإن كان من المحتمل جداًَ أن


يكون في الكازينو أو قريباًَ منه بعض عناصر المخابرات الروسية ...


سعل أحد الشابين ، ليخفي صوت ضغط زر المسجلة التي يخبئها تحته ، وقال الجنرال :


أظننا ..


وقاطعه الشاب الآخر :


هناك أشياء جديدة طارئة ياجنرال .


فالتفت إليه الجنرال وتأمل وجهه في استغراب وكأنه أحس بمؤامرة أوسع من المتفق


عليه سالفاًَ ، وقال


أشياء جديدة ؟ ماذا تقصد ؟


قال الشاب :



أين يقيم عناصر الموساد الذين يقومون بزيارة للمنطقة ؟ ولماذا هم هنا ؟



وراح الشاب يطرح أسئلته في عجلة وسرعه ،فاستوقفه الجنرال ، وهو يقول :


لاعلم لي بكل هذا أظن الذي يزور المنطقة هم خبراء وليس عناصر استخبارات


الموساد ... وربما وجهتهم جيورجيا بعد أن أعلنت روسيا أن عناصر إسلامية توافدت


عليها ... روسيا طبعاًَ صرحت بذلك لتطلق أمريكا يدها في جيورجيا المطالبة


بالانفصال ، لكن الأمريكان استغلوا التصريح الروسي ليدفعوا بمئات الخبراء إلى هناك


لملاحقة هؤلاء الإسلاميين ، وكأن التصريح الروسي كان بطاقة دعوة لهم ليرسخوا


وجودهم في المنطقة ...


كان يبدو على الجنرال أنه يتكلم بدون حماس ، وفجأه فتح الباب ، مد يده إلى الخارج


وقال إنه الثـلج .. كانت مناديف الثلج الصغير تتنزل مترنحة حتى إذا بلغت الأرض


احتضنتها وذابت فيها ، ولم يأبه الشابان بالخبر ، ولعلهما أحسا أن الجنرال يريد أن


يتهرب من الجواب ، فأعاد أحدهما عليه السؤال :


مسألة معرفة مكان إقامة عناصر الموساد تهمنا كثيراًَ ... طبعاًَ كل شي بثمنه .



وسعل الجنرال سعلات خفيفة متتالية ، ثم قال


تعرفون أن القضية ليست سهلة ، وإفشاء سرّ كهذا ....


وقاطعه أحد الشابين :


وماندفعه لن يكون قليلا ًَ .. خمسين ألف دولار .


وحك الجنرال ذقنه وهو يقول :


يقيمون في فندق ( القصر الأحمر ) تسعة أفراد ، لاأعرف شيئاًَ عن الملفات التي



تأبطوها إلى هنا ، ولا عن جدول أعمالهم .


قال أحد الشابين :


والأمر لذي تركنا لك مهلة لدراسته ؟


فرد الجنرال :


يوم الثلاثاء القادم ، سنرسل قوة روسية للقيام بعملية تمشيط في المنطقة (ب) المطلة على


غروزني .


فقال أحد الشباب وقد بدا عليه النشاط والحزم :


متى بالضبط ... وكم تعداد القوة ؟ وماسلاحها ؟


قال الجنرال :


ثلاثمائة جندي في قافلة من الشاحنات تتجه إلى المكان المذكور ، معهم أسلحة محمولة ،


وبعض مدافع الدكتاريوف ، يقودهم الجنرال السلافي تشرنو مردن زيغانوف .


فقال أحد الشابين في شبه جملة اعتراضية أو تعليق :


عدوك ... ؟!!


قال الجنرال:


نعم هو .. لاأعرف كيف يتقرب إلى القيادة العليا في البلاد وكيف يحرز الحظوة


والاهتمام .. ؟


فرد أحد الشابين :


إذن أنت أيضاًَ ستستفيد من هذه العملية ، إذ أنك ستتخلص من عدوك ، وهذا يفترض


خصماًَ على المقابل الذي ستتقاضاه في هذه الصفقة ...


قال الجنرال :


لكن .. ؟!!


لاتهتم ستأخذ حقك مثلما اتفقنا ، نحن مسلمون ، والوعد عندنا التزام وعبادة ..


قال الجنرال :


أعلم ذلك ..


كانت مناديف الثلج قد ازدادت وتكاثرت وكان أحد الشابين يفتح باب السيارة وينزل ، أما


الشاب الآخر فقد أخرج من تحته آلة التسجيل وقال للجنرال :


كان لدينا عنك وثيقة مكتوبة ، والآن عندنا الصوت ...


وفي المرة القادمة سنحضر معنا كاميرا فيديو .. خذ هذه ..


( وألقى إليه بحزمة من الدولارات ) فالتقطها الجنرال من حجره ، ودسها في جيب


سترته الداخلي وهو يقول :


شكـــراًَ لكم ... مع السلامة .. مع السلامة .


( وتبعهما بعينيه وهما يغيبان في ظلام شارع جانبي .


• * *
ا




يـــتــــبــــع





الأرض أم العقيدة ؟!!



المادة أم القيمة ؟!!



التراب أم الثقافة ؟!!



كانت الفكرة تلح على ناصر الدين وقد استلقى على ظهره بعد ساعات التدريب القاسية ،


وكان شابا مجاهدا يتقد حيوية وذكاء ، يميل إلى الوحدة والخلوة ، شجاعاًَ، مقداماًَ،


يطلب الموت ويتحدر على العدو تحدراًَ، له بسطة في العلم والجسم، في الثلاثين من


العمر ، لحيته كثة، لاتراه إلا مشغولا ًَ ، حفظ القران الكريم في سنوات الجهاد ، يتغنى


به على الدوام ، ويحب سورة الأنفال ...



التراب أم العقيدة ؟!!


هل خلق الإنسان من أجل الأرض أم خلقت الأرض من أجل الإنسان ؟!!


ولماذا يموت الإنسان من أجل الأرض التي خلقت لأجله .. أهي الغاية ؟!!


استوى جالسا ًَ ، وكان أبو الوليد وأبو مصعب يراقبانه من بعيد ... ربما كان يبدو عليه


التوتر ... لكن بالتأكيد لم يكونا يعرفان سبب توتره ، لذلك اقتربا منه ، وسلما :


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..


فرد التحية بأحسن منها ، ولم يرفع بصره عن الأرض ، كانت الفكرة تستولي عليه ،


ولربما تمنى لو أنه بقي لوحده وقتاًَ أطول يتسنى له فيه حسم هذه الإشكالية ، وبادره أبو


الوليد :


مالأمر ياناصر الدين ؟


ليس هناك شي ، فقط هي الأفكار


الأفكار أم الشوق ؟


ومرّ أزرق اليمامة فقال :


دعوا المسكين يذهب ليتزوج مثل جميع أترابه .. ألا ترون أنه بدأ يعجز ويخرف ، وإذا


ماتماديتم في استبقائه فسيصيبه الصدأ والتآكل ويفوته القطار ...


ودون أن يتوقف عن المشي إلى مقصده أضاف أزرق وهو يتمتم : أمرهم عجيب ..


يتركون الطيبات وصيف لندن ليبيتوا تحت الجليد ..


وضحك الثلاثة ، ووجدها أبو الوليد فرصة ليعرف مايفكر فيه صاحبه ليسرّي عنه ،


فسأله :


هل هو الشوق إلى الأهل ، أم الرغبة في الزواج كما يقول أزرق ؟!!


فرد ناصر الدين وهو يمسح زجاج ساعته :


في فلسطين اليوم أطفال وشيوخ يموتون من أجل الأرض ..


من الأولى : الأرض أم الإنسان ؟ هنا وفي كل مكان يقاتل الناس ويموتون من أجل


الأرض ... وفي كثير من البقاع يموت آلاف وملايين الشهداء من أجل أرض ما ، وبعد


إستقلالها تقام فيها الكازينوهات وتحكم بالشيوعية أو قوانين الأرض ... وتصبح قيمة


الإنسان فيها كقيمة فردة حذاء .. فهل يقاتل العاقل من أجل الوصول إلى مثل هذا الواقع؟


هل يقاتل من أجل أن يحرر بلاده ليكون فيها ممنوعاًَ من ممارسة دينه كما أراده الله


تعالى ؟!!


قال أبو الوليد :


فعلا فكرة شائكة ..


وقال أبو مصعب :


..........



وقال أبو مصعب :


تحرير الأر ض يقوم على فكرة الاستخلاف والتمكين والنية التي يجب أن تنعقد حول


تحرير الأرض كأرض للإسلام والمسلمين تقام فيها الشريعة ، لذلك فإن الجهاد ليس


لتحرير التراب ،بل للحفاظ على أرض العقيدة وعلى إنسان العقيدة في أرض الإسلام ..


وإلا فإن المسلم أعظم عند الله من كل مادة وتراب ، ومن كل أرض .. وهو أشد حرمة


من الكعبة .. إننا نقاتل من أجل أرض غرس فها أجدادنا نخيل التوحيد ، فجاء الغازي


يجتثها ويقيم فيها الغرقد ، وأشجار رؤوس الشياطين والإلحاد .


القضية هنا ليست قضية أرض أجداد ، فالمسلم ، مثلاًَ ، لا يجوز له ، إن كان روسيا


مثلاًَ ، أن يقاتل الفاتحين المسلمين فقط لأنهم يريدون أخذ روسيا ، أرض أجداده ... كما


أن المسلم لايجوز له أن يتخلى عن الدفاع عن أرض إسلامية محتله لكونها ليست أرض


أجداده .. إن وحدتنا عقديّه .. لاجغرافية .. نحن أمة واحدة .. حتى وإن تفرقت بنا


الأمصار والديار .


ونطق أزق اليمامة ليكتشف الثلاثة أنه انضم الى مجلسهم ، وقال لناصر الدين وهو يشير


إلى بسطة جسده :


هذا الطول والعرض ولاتفهم الأمور حتى يفهمك فيها أبو الوليد وصاحبه ، وهما إن


عُجنا جميعاًَ لايصنع من طينتهما مثل هذه القامة المتعبة التي مافتئت تحملها وتدور بها


منذ ثلاثين سنة ، ثم في الأخير جئت بها إلى هنا لتستلقي بها على قرابة نصف مساحة


أرض الشيشان ولتطرح الأسئلة التي لامعنى لها .. ومادخلك أنت في كل هذه الأسئلة


والمشاكل .. ؟


قاتل المشركين كافة ولايهمك ، وحتى إذا لم تتحرر الأرض فأنت تنقص من أعداد أعداء


الله ، ولك الأجر .


وهم كذلك مرّ حامد الطباخ ، وفي يده كيس شفاف من الخضر ، وقال :


ياأزرق .. هيا معي لإعداد الغداء ، وتقشير الخضر ، فحدجه أزرق بنظرة شزراء ، ثم


نفض أطرافه بحنق ولحق به ، وكأنه تذكر شيئاًَ بعد خطوات فالتفت إلى الجماعة وقال


لهم :


إذن أنا لاأصلح للنقاش .. سترون ماذا أضع لكم في المرق ..


وانفجر أبو الوليد ضاحكاًَ وهو يقول :


جزاك الله خير ياأزرق .. وجودك ضروري فعلاًَ جزاك الله عن المجاهدين خير جزاء


أيها المجاهد الطيب ...


• * *


كانت الليله حاسمة ، وبين السحب المتدافعة في اسماء ، كان القمر يظهر ويختفي كسباح


متسابق يأخذ من الهواء نفساًَ ثم يعود للماء ...


كانت الخيام القليلة المبثوثة بين أشجار الغابة عرائن تحتضن أسودها لساعات أخيرة قبل


الخروج إلى موعد حاسم ...


ليلة الإثنين إلى الثلاثاء ... الجو بارد ، والمكان قطعة جميلة يصنعها نور القمر وهو


يتنزل هادئاًَ على الأرض ، بعضهم كان قد آوى إلى فراشه يتزود بقسط من الراحة


والدفئ ، أما البعض الآخر فآثر أن يسهر ليله بالقيام .. وفي حرارة السجود يصعد


صوت غريب مشرد إلى ربه العظيم :


.. اللهم إننا ضعفاء إلا إليك ، فَقَونا وانصرنا على من عادانا ... وتتحدر على الأرض


دمعتان ، كان قدرهما أن تتحدرا هنا ، لتكونا شاهدتين على صاحبهما ...


ولم يكن سالم إلا ذلك الشاب لذي تحرقه أشواق الشهادة فلايسمعه إخوانه إلا ملحاًَ في


طلبها بدعائه ... في ذلك المساء وصلته رسالة من أخيه ، يقول فيها : مات والدي بعد


رحيلك عنا بسنة .. وبقيت أمي تضم طيفك كل ليلة وتنام على دموعها ، والبارحة بردت


يدها الدافئة ، وصدرها الحنون كف عن النبض ، أتعبها المرض ، وكان آخر ماقالت قبل


التشهد : أقلب بصري فأرى وجوهكم جميعا ًَ ، وحده وجه سالم الحبيب يظل بعيداًَ ..


اشتقت إليه .. بلغوه سلامي ..


كان وجه أمه في ذاكرته باهتاًَ كقنديل خافت .. وطالت سجدته ، وهو يدعو بحرقة


تشي بها يداه وهما تتشبثان بالتراب تشبثاًَ :


اللهم لوجهك الكريم خرجت ، تركت قلب أم ... يــارب ...


فارحمها ، وارحم والدي ، واجمعنا قريباًَ في مستقر رحمتك .. اللهم شهادة ينتهي بها


اغترابي وشوقي ... هذا عبدك الضعيف يدعوك وقد غابت العينان اللتان كانتا تحترقان


لأجله .. يارب شهادة ... شهادة ... شهادة ، وغمغم غمغمة كسير .. وبكى وأبكى ..


وكان أبو مصعب قائما ًَ قريباًَ ، اعتصره الموقف ، وهو يرتل آيات الكتاب الكريم ،


يخنقه النشيج ...


فيا للفتية الغرباء .. فتية العراء والبعد حين يعتصرهم الشوق .. فتية الله الذين أخرجهم


الواجب ، أو شردهم الظلم ...


كان القمر فوق قبر أم سالم صامتاًَ .. كما كان فوق ابنها الساجد في أقاصي الأرض


ونائيها شاحباًَ تائهاًَ ... وكانت حرارة السجود تنسي برودة الجو التي تتغلغل في


المفاصل في ليل العراء ... الليل شيخ مسن يجر أقدمه نحو الفجر ، متئداًَ بطيئاًَ ...


أما نبض القلوب كان قنبلة موقوتة ... ثوانيها وقع أقدام ... والانتظار على وقعها أشد


من الموت .. وتنفس الفجر .. وماهي إلا ساعة حتى انقضت صلاة الجماعة ، ودبت


الجلبة ، فهذا يلبس بزته ، وذاك يعد سلاحه ، وذلك يعانق أخاه ..


وهبت نسمتان ... ريحان ... ريح للنصر .. وريح للجنة ..


واستنشق كل مجاهد ماكتب الله له .. وأصدرت الأرجل أصواتاًَ متداخلة ، وهي تتحرك


نحو مقصودها ..


وكان لسان سالم :


الشهادة يارب .. الشهادة .
ا




الساعة السادسة صباحاًَ ... كانت الساعة الضخمة المنتصبة في الساحة العامة تشير إلى ذلك بدقاتها المزعجة .


كانوا ثلاثة يقطعون الشارع نحو باب الفندق في صمت .. ثيابهم أنيقه ورسمية ، يقع في


نفس الذي يراهم من الوهلة الأولى أنهم رجال أعمال ، أو ذوو هيئات ، لذلك لم


يستوقفهم أو يسألهم أحد ، وانحنــى لهم العمال في المدخل ، واستأذنهم غيرهم في إيصال


حقائبهم إلى غرفهم ، لكنهم اعتذروا ... وكان أحدهم في عربة إعاقة يدفعه أحد


صاحبيه ..


في المصعد تأملوا هندامهم في المرآه وأرخى محمود ربطة عنقه قليلاًَ مبديا منها


تذمراًَ بكلمات مبهمة وخافتة .


بعد لحظات كان الرقم الالكتروني (5) يرتسم بالضوء الأحمر فوق باب المصعد ..


إنه الطبق الخامس ، لننزل ، قال جميل الرحمن ، وهو يلتقط حقيبته من أرضية


المصعد ..


وانفتح الباب .. وأطل بدر على الرواق الطويل ، فبدا هادئاًَ ، خالياًَ من المقيمين


والعمال ، وأشار إلى صاحبيه وبخطى لايسمع وقعها على السجاد الأحمر أخذ الثلاثة


طريقهم نحو الغرفة ( 503 ) يدفعون العربة ، كان الباب موارباًَ دفعوه بهدوء


واحتراس ، ودخل جميل الرحمن وبدر ، أما محمود فقد ألقى نظرة على الرواق ليتأكد


أن لاأحد قد رآهم ، ثم دخل وأوصد الباب خلفه ..


كان أحمد في انتظارهم ، ألقوا السلام فردّ وهو يأخذ من تحت سريره كيس قماش أبيض


ويناوله لجميل الرحمن الذي فتحه بسرعه وهو يقول :


جيد .. جيد .. جزاك الله خيراًَ


وألقى خنجراًَ إلى محمود ، كما ألقى بطاقه إلكترونية لفتح الباب إلى بدر ، وأخذ هو


إبرة ( حقنة ) طبية مملوءة سائلاًَ ، وقال لأحمد :


كيف فعلت كل هذا بهذه السرعة ..؟


قال أحمد :


عطلت كهرباء غرفته ، هذه المجاورة عن اليسار ، رقمها ( 504) وانقطع عنه التكييف


فاضطروا إلى نقله إلى غرفة أخرى ، فوجدت الفرصة سانحة لنقل أغراضي إليها ،


ووضع الإدارة أمام الأمر الواقع لئلا أظطر لأخذ موافقتها ، وكنت أثناء ذلك قد أخذت


بطاقة إلكترونية لفتح الباب ... لكنه عاد فطلب غرفته ، وألحّ ، فطلبوا مني إخلاءها ،


واحتفظت بالبطاقة معي بعد أن أخبرتهم بضياعها .. أما هذا المخدر الطبي في الإبرة ،


فأنت تعرف أن الحال الاقتصادية للبلاد تجعل الرجل يبيع أعضاء جسمه ، لامخدراًَ


طبياًَ فقط .


ورّبت جميل الرحمن على كتف أحمد وهو يقول :


أحسنت يا أبا المهمات الصعبة .


وانتبه محمود إلى ساعته ، وهو يقول :


لاوقت لدينا ياإخوتي ... هيــا ، وأكثروا من الدعاء ، وذكر الله تعالى ، وأخلصوا النية


لله تعالى ، أما أنت ياأحمد فأنهِ حجزك الآن في الاستقبال ، واخرج من هنا بسرعة .


• * *


كانت اللحظات حاسمة ، ودقات الساعة تتقدم نحو السابعة ، وفي الساعة الثامنة يحضر


عمال خدمات الغرف والتنظيف ، وكلما ضاق الوقت وقعت الأخطاء ... وهنا لامجال


للخطأ ...


ترى ماذا لو يكون الجنرال بيكونين قد بلّغ المخابرات الروسية أنه تحت الضغط قد أعطى


معلومات عن مجموعة الموساد القادمة هذه ، والتي ينام قائدها ، وهو برتبة عميد في


الغرفة ( 504).. ؟!!



أيمكن أن يفعل ذلك ؟!!


كانت الفكرة تجول ولاشك في أذهان الثلاثة الذين خرجوا في هذه اللحظة بلباس عمال


الفندق ، يدفع أحدهم أمامه كرسي الإعاقه ، ووضع بدر رأس بطاقة الفتح في الفتحه


المخصصة لها ، وقبل أن يدفعها إلى الداخل دارت في ذهنه كل الإحتمالات السيئة ،


ومنها احتمال أن تكون العملية قد تحولت إلى كمين سيقع فيه وإخوته بعد لحظات ...


ورفع رأسه إلى السماء كأنما يستعين ربه سبحانه ، ثم أغمض عينيه واستنشق كمية من


الهواء ، ثم دفع بالبطاقة ، فأحدثت طقة خفيفة ، ثم دفع الباب ، ودخل ، وفي فمه جمله


بالانكليزيه سيلفظها إذا فوجئ بالنزيل مستيقظاًَ .. سيقول له :


صباح الخير ياسيدي ....


لكنه بعد لحظة وجد أنه لاحاجة لهذه الجملة ، فقد كان النزيل يغط في نومه .. وأمسك


الباب لئلا ينغلق ، وأخرج رأسه إلى الرواق مشيراًَ إلى صاحبيه بالدخول ...


اقترب الثلاثة من السرير بعد أن أغلقوا الباب خلفهم ، ووضعوا عليه بطاقة نرجو عدم


الإزعاج والتي يحترمها العمال في الفنادق الفخمة ، ولايجرؤون على انتهاكها بدخول أو


قرع باب ، أو ضجيج ..


وقام محمود بايقاظ النزيل الذي فتح عينيه فوجد الخنجر مشهراًَ قريباًَ من رقبته ،


وبإصبعه السبابة أشار إليه محمود بأن يلزم الصمت ، وأذعن ، واقترب منه جميل


الرحمن وحقنه بإبرة المخدر ، وماهي إلا لحظات حتى كان غائباًَ عن الوعي .



وما إن بدا مفعول المخدر على النزيل حتى سارع الثلاثة إلى وضعه في عربة الإعاقه ،


وانطلق اثنان يدفعانه خارجاًَ ، أما جميل الرحمن فقد تخلف في الغرفة يفتشها علّه يجد


شيئاًَ مهماًَ يتعلق بالزيارة ، أو بغيرها ...


لم تكن المهمة سهلة ، وكان بإمكان أي عنصر آخر من الموساد أن يتعرف على العميد


الملقة في عربة الإعاقة ، كما كان ذلك ممكناًَ لأي عنصر مخابرات روسية أوكلت له


مهمة ضمان أمن المجموعة ، بل أن عمال الاستقبال أيضاًَ يمكن أن يتعرفوا على


النزيل .. لذلك عمد محمود وبدر إلى تمويه وجهه بطريقة يصعب معها التعرف عليه ،


وألقيا عليه غطاء صوفياًَ موهماًَ أنه وقايه من البرد القارس .



...



كان وقع الأرجل على الرخام الأبيض يثير الانتباه في هذه الساعة قليلة الحركة ، وكان


أحمد واقفاًَ إلى الجانب الآخر من المكتب الطويل للاستقبال ، وليلفت الانتباه إليه ألقى


كأس الماء الذي كان في يده إلى الأرض ثم سقط هو ، وهرع البعض إليه ، وتحولت


نحوه الأنظار ، وخرج بدر ومحمود بنزيل الغرفة ( 504) .


كانت السيارة في انتظارهم غير بعيد ، وكانت لحيتا محمود وبدر تثيران الشكوك ، أما


أحمد الذي كان الآن يقنع المحيطين به بأن الأمر بسيط ، ولايحتاج إلى إسعاف ، فقد كان


أمرد ، لاشكوك حوله .. وكانت السيارة التي ستنقل المجموعة والنزيل هي سيارته ،


لذلك لم يكن من الممكن أن يتأخر أكثر عن أصحابه .


قال محمود وهو ينظر نحو مخرج الفندق :


تأخر أحمد .. إن لحانا تثير الشكوك .


قال بدر :


أطمئن فإننا نبدو كشيوعيين متعصبين .. إن الله ينصر دينه بالرجل الفاجر ، وبأقوام لا


أخلاق لهم .. إن لحى الشيوعيين تنصرنا في هذه اللحظة ، فلا يكاد أحد ينتبه إلى أننا


غير ذلك ..تأكــد ياأخي لو أننا في بلد غير شيوعي لكانت مهمتنا أصعب ، ثم نظر بدر


إلى النزيل وهو يقول : ملطخ بدماء أبنائنا وإخواننا في فلسطين .. ومستبيح لحرمة


المسجد الأقصى .. ياللقذر . وضغط على أسنانه في حنق .


قال محمود :


هذا أحمد قد جاء ، وهذا خلفه جميل الرحمن .. يارب سترك وتوفيقك ..


وماهي إلا لحظات حتى كانت السيارة تتعرج بالخمسة في منعطفات جبلية ، ومن مسجّل


السيارة المغلقة كانت الآيات القرآنية تنبعث كالسلسبيل نورانية تمتزج بالأرواح


الشفافة ..


• *


من قمة الجبل بدت غروزني في هذه الساعات الأولى من الفجر ... متلألئة ... تتوسد


أغلالها وتتأمل الأفق ... هادئة كانت ... لاغير غمزات المصابيح التي تخبو ثم تعود


للإضاءة بقوة ... ورمقها الصقر عبدالرحمن قائد المجموعة بنظرة فيها الكثير من


المعاني ، فهي مدينته ، ولد فيها .. وفيها ولد أجداده ..مسلمة كانت منذ قرون ، ألقى


عليها البعض رداءه الأحمر ، لكنها ظلت في ليل الشيوعية الأليل تعلن إسلامها ... وأنها


لله لا لقيصر ..


غروزني ملحمة الفداء وملتقى ليوث المجد ، أخت سراييفو ، والقدس ، وقندهار ...


كان الوقت صباحاًَ ، وليس في غروزني صباح ، فكل أوقاتها مساءات للسبي وللقيود ،


وللأسى ... وتحرك لسان عبدالرحمن :


لهفي عليك غروزني هذا المساء


فتلفعي بالثلج إن عز الرداء


وتوضئي بالحزن ياأختي التي


عبثت بها أيدي الغزاة الأشقياء


فاقترب منه أو مصعب ووضع يده على كتفه وهو يقول :


إن لم نحررها ، فستأتي أجيال تحررها ، والمهم أن نبقى نقاتل لنورث السلاح ساخناًَ


حاراًَ للجيل القادم .. كم سيصمد الذين أخذوا أراضينا وامتهنوا شعوبنا المسلمة ،


وعقيدتنا الطيبة في مشارق الأرض ومغاربها ؟ .. كم سيصمدون ؟ عامــاًَ .. عشرة ..


قرناًَ ؟ لن ندعهم يستريحون .


قال أبو الوليد :


لكن ألا تظن أن أجيالنا نحن أيضاًَ ستتعب ؟


فرد أبو مصعب :


ومتى استراحت أجيالنا ؟ هم لهم خياران ... أما نحن فلا خيار لنا ، هناك واقع واحد كان


دوماًَ قدرنا ، وهو العيش في ظل الاستعمار ، والامتهان .. أيمكن أن تقول لي متى


عاش الشعب الفلسطيني مستريحاًَ قبل الانتفاضة ؟ الشعب الفلسطيني كان دائماًَ


مذبوحاًَ ، أما في أوقات المقاومة ، فإنه يصير ذابحاًَ ومذبوحاًَ ، ووحدهم الظلمة


والمغتصبون من يخسرون إذا ووجهوا بالنار والدمار .. ذلك لأن النار عندهم تقابل الأمن


الممكن .. أما الضعفاء فلا أمن عندهم لتكون الحرب بالنسبة لهم خسارة .. الأمر شبيه


بجوع الأغنياء المتخمين والفقراء .. الفقراء حياتهم كلها جوع ، لذلك فهم يحسون بشيء


من النشوة حين تأتي الظروف التي يجوع فيها معهم الأغنياء المتخمون .


تأملت المجموعة المدينة الحبيبة ، التي يغفي فيها أهلها المسلمون في هذه اللحظة على


أحزانهم ، كباراًَ وصغاراًَ .. وتحركت الخطى منحدرة بين الأشجار ، كما لم تكف


الألسنة عن حركتها بالدعاء والذكر .


شهق الضوء شهقته الأولى ، وبدأت حبيبات النور تمتزج بالأثير ، وتمسح الظلمة عن


الوهاد والنجود ... لحظات عجيبة تلك التي يخرج فيها النهار من صلب الليل ، ضعيفاًَ


مغبشاًَ ، ويبدأ يوغل في الظهور حتى يستوي عوده، ويصبح نهاراًَ كاملاًَ بضوئه


ووضوحه ..


وأخرج سالم من جيبه ورقة مغلفة بالشريط اللاصق ، وهو يقول :


يا إخوتي هذه وصيتي ، إنها هنا تحت الصخرة ، أضعها هنا فإذا حدث لي شيء ،


فخذوها في طريق رجوعكم ، إنني أحس بدماء الشهادة قد ضجت في عروقي .. لقد


حضرت عشرات المعارك هنا ، وفي البوسنة وفي أفغانستان .. وما أحسست بهذا


الإحساس الذي يتملكني الآن .. إنني أكاد أُحلّـق في عالم آخر ...


كانت الكلمات مؤثرة ، ولم يجد إخوانه كلمة يقولونها له ، لذلك فقد ساد الصمت ، وكن


سالم أول من قطعه بوقع خطواته ، وهو يستأنف السير منحدراًَ .. وتبعه إخوانه ..


وترامت أصوات محركات تهدر ...


أسْ .. سـْ .. سْ ... ( قالها بعضهم بصوت واحد .. )، وتوقفت الحركة ، وأصخت


الآذان موجهة نحو الأسفل ..


كانت الأصوات أصوات شاحنات ، ولم يكن هناك مجال للشك أنها القافلة الموعودة ،


لذلك فقد تسارعت الخطى ، واندفع الشباب نحو مقصدهم ، وكانوا كلما تقدموا أكثر ازداد


الهدير وضوحا ًَ ..


ووصلوا إلى المكان الذي أختاروه لإقامة الكمين فيه ، مصطبة مشرفة على الطريق ،


ولا أسفل من الطريق في الجهة المقابلة سوى الهاوية التي لامنجى منها ولا مهرب من


خلالها .


أخذ كل فرد مكانه ، وحبست الأنفاس في انتظار اللحظة الحاسمة ... كانت دقات القلوب


تزداد مع دوران عجلات الشاحنات المتتالية التي صارت على مرأى من المتربصين


بها ...


حبست الأنفاس ، وتقدمت القافلة ، حتى إذا أحس المجاهدون ورأوا إنها في قلب


المصيدة ، انهالوا عليها بزخات من القنابل ، وأمام المفاجأه بدأ جنود العدو يقفزون من


الشاحنات ورشاشاتهم تثرثر في كل اتجاه ... وحاولت بعض الشاحنات التحرك ، غير


أن تركيز المجاهدين على الشاحنات الأولى التي في رأس القافلة والأخيره التي في ذيلها


قد شلّ حركتها وحال دون تقدمها أو تراجعها ..


كانت رشاشات المجاهدين حصاداًَ لايهدأ للجنود الروس الذين علا عويلهم وصراخهم


أمام تكبيرات الأُسودِ وهو الموقف .


ورفع عبدالرحمن جهاز المكبر ( الميغافون ) ودعا الجنرال إلى الاستسلام .


كانت غروزني تشاهد الموقف من بعيد ، وتضع يدها على فمها خوفاًَ من أن تنكشف


نشوتها ...


وخرج الجنرال تشرنومردن زيغانوف من بين الشاحنات يصرخ :


أنا الجنرال ..


وترنح وهو يأخذ طريقه نحو المصطبة ، تدفعه خطوة إلى الأمام ، وترجع به أخرى إلى


الخلف ... كانت الطلقات تتناقص شيئاً فشيئاًَ ، حتى خمدت ، بينما كانت ألسنة النار


تلتهم الشاحنات التهاماًَ ...


ورفع القائد عبدالرحمن يده وهو يقول :


أوقفوا إطاق النار ..


وخرج سالم بخفة مذهلة نحو الجنرال يريد استلامه ، فإذا به يخرج من حزامه مسدساًَ


ويطلق منه طلقتين باتجاه الشاب الذي بات ليلته بين يدي ربه يتوسل إليه ويدعوه بكل اسم


من أسمائه الحسنى أن يرزقه الشهادة ..


كانت المسافة بين المجرم والشهيد لاتتجاوز خمسة أمتار ، وتحسس سالم صدره بيمناه ثم


رفعها أمام عينيه ، فإذا هو مهر الجنة .. أحمر قانياًَ .. حاراًَ .. السائل الملتهب الذي


طالما أقض مضجع صاحبه وجاء به يقطع الوهاد والنجود ...


كان الجنرال واقفاًَ كخشبة ... وتأمله سالم بنظرة رهيبة ، ثم اقترب منه ، يغالب


نهايته ... ومد يديه إلى رقبته فأمسك بها ، وأطبق عليها يخنقه .. وحاول الجنرال أن


يدافع نفسه ، لكن اليدين كانتا تضخان آخر مافيهما من عزم ومن قوة ، وتلوّى الجنرال ،


غير أن الفتى لم يفلته ، سقط معه على الأرض ، وظل يعصر أوداجه حتى أرداه جثة


هامدة .


كان سالم على ركبتيه حين ألقى من يده رأس عدوه ، ثم سجد لله سجدة ، رفع منها


والتفت إلى أصحابه ، تأمل وجوههم وهو يبتسم ، ويقول : فزت ورب الكعبة وهوى إلى


الأرض ساكناًَ ...
ا



كانت خسائر العدو ثلاثمائة جندي في الأرواح ، مع الكثير من الأسلحة والغنائم ...


التي اهتم المجاهدون بجمعها وألسنتهم لاتكف عن حمد الله تعالى ، وفي تلك الأثناء كان


أبو مصعب وأبو الوليد ومعهم القائد عبدالرحمن يقفون على جسد الشهيد الذي عاش


حالماًَ ومات مبتسما ًَ .. فقال أبو مصعب وهو يمسح دموعه :



إنه ابن حيّنا ، كان ولدا ًَ صغيراًَ ، أذكره مع الصبيان .. يملأون الحي حيوية


ومرحاًَ ... وأذكره حين يدخل المسجد يقطر وجهه وذراعاه من ماء الوضوء ... كان


صادقاًَ ... أخلاقه في المسجد هي أخلاقه وهو يلعب الكــرة ، لايعرف التصنع


ولايحمل الحقد ... وكانت أمه تحبه ، حدثني بعضهم في رسائلهم إلّي ، أنها قبل موتها


بشهور كانت تجلس على عتبة الباب الخارجي ، تنظر نحو الجهة التي قيل لها أن


الشيشان فيها .. تتنهد ساهمة ، وربما غلبتها عبراتها إذا سألها عنه أحد ، فتقول وهي


تمسح عيونها : كنت أحبه .. واشتقت إليه كثيراًَ .. حينما كان صغيرا ًَ ، كنت أضع


رأسه في حجري ، وأمسحه وأفلّيه ... وكنت أتأمل عينيه فأرى فيهما أشياء مخيفة ...



مسح أبو مصعب نهر الماء والملح على خده ، وأضاف :


مافتئت هذه العقيدة تنجب مصعباًَ بعد مصعب .. شباب يترك حياة الرغد ، ورقيق


الملبس ، يلتحق بأهوال لجهاد ، ليموت غريباًَ .. لله ما أعظم هذا لدين ، وما أروع


أتباعه الصادقين الذين تمثلوه فعلاًَ ...


كانت لفحات البرد تلسع الوجوه البادي بعضها من خلال اللحف ، أما وجه سالم فقد


استحال في تلك اللحظة قطعة من فضة .. مشرقة ، باردة ، وتأمله إخوته قبل أن


يدفنوه .. واسترجع بعضهم صورته في الليلة السابقة حين كان ساجدا لله تعالى يدعوه


ويلحّ ...


دارت عقارب الساعة ... وكانت أنفاس المجاهدين تتراءى كدخان ، نضح بعضهم ماعنده


من الماء على سنام القبر ... وتحركت الخطى راجعة من حيث أتت ، ووحده سالم لم


يرجع مع إخوانه ، وحدها قدماه التي رسمت في الأرض آثار المجيئ ،وانقطع بها


الدرب ... وحده المتروك هنا ... فمن كان يظن أنه يقطع كل هذه الأميال ليدفن في قبر


سيطويه الزمان ، ولن يتعرف عليه بعد عقود أحد ... سوى أن صاحبه جاءت به خيول


الشوق تضج من بعيد .. حتى إذا بلغت به هذا المبلغ ، رحم الله توقه وشوقه واختاره إليه .



كان الرتل خاشعاًَ .. خطوة .. عشر .. مائة ، كاد القبر يختفي ، استدار أبو مصعب


إلى الخلف ، استدار لاستدارته أصحابه .. مسح عينيه ، مسح بعضهم عينيه ، وهم


يقولون : رحمه الله وتقبله شهيداًَ


قال أبو الوليد ، وهو يطوق خصر صاحبه أبي مصعب ويشده إليه مسرياًَ عنه :


مشيناها خطى كتبت علينا


ومن كتبت عليه خطى مشاها


مد أبو مصعب يده إلى حيث وضع سالم وصيته ، أخرجها ، تابع السير لاحقا بأصحابه ،


فك عنها غطاءها في حذر ورهبة كأنه يفك عن صاحبها أكفانه ، قرأ سطرا ، لم يتمالك


نفسه ، قربها من فمه مرتجفاًَ ، قبلها والبكاء يخنقه ، استدار إلى الخلف وهو يقول :


بالله كيف أتركك هنا وأرجع ؟


• *


كان القادم من أوروبا يحمل البريد في أقراص ... إذ أن الترتيبات تقتضي كما هو


معمول به منذ سنوات طوال ، أن يرسل أهالي المجاهدين رسائلهم إلى ذويهم عن طريق


عناوين في بلدان أوروبية ، ويقوم شباب هناك بتنضيد هذه الرسائل على الكومبيتر ،


وإدخالها في أقراص ، ثم يحمل القرص الواحد الذي يحتوي على مئات الرسائل


والصور والوثائق إلى الشيشان ، وهناك يتم تفريغه وطبعه ، ليتسلم كل مجاهد


مايخصه .. ونقل قرص واحد في زمن التكنو لوجيا أسهل من نقل بريد ورقي من مئات


الرسائل ...


استلم أبو مصعب رسالته ، ومد يده ساكناًَ ليتسلم رسالة سالم بعد أن سمع اسمه ...


وصلت متأخرة رسالة سالم .. إنها من أخته .. والأخت أمّ في حنانها .. غير أن يد سالم


لاتستطيع أن تمتد لتلمس هذا الحنان في هذه الورقة ، كما أن عينه لاماء فيها لتتهجى


أحرف الشوق ...


ارتعشت يد أبي مصعب وهو يفتح رسالة سالم .. كانت شقيقته توصيه بأن يهتم بنفسه ،


أن يأكل جيداًَ، أن يتدثر من البرد ، وبرقت في عيني أبي مصعب حبتا دمع ... وهو


يتمتم :


كان مدللا ًَ ، وحرصوا على تدليله حتى في رسائلهم ... أما بعد اليوم فلا .. ولم


يستطع إكمال الجملة .. كان أبو الوليد ينتصب أمامه ، ورفع بصره نحوه وهو يقول :


ماالأمر ؟


قال أبو الوليد :


وصلتني رسائل عدة من الأهل والإخوه .. ابن أختي الأصغر يقول لهم : عندما أكبر


سألتحق بخالي ، يقصدني .. أتعرف ؟ إن سمط الجهاد في هذه الأمه لن ينقطع ، يموت


عليه الكبار ويولد عليه الصغار ... وفي فلسطين أكبر دليل على ذلك ، إن هؤلاء الذين


أشعلوا المقاومة وبدؤوها كصغار الحطب التي تكون مبدأ النار الكبيرة هم أبناء اليوم ،


لم يولدوا قبل 1948 م ولا قبل 1967 م ، لكنهم ولدوا يحملون القضية .. أين يذهب


أعداؤنا منا .. ؟ إنهم يظنون أنهم سينعمون بالأمن غداًَ ، ولن يكون ذلك ، فبعد أبي


الوليد ، هناك ابن أخت أبي الوليد .. وسنذيقهم الويل ، فويل لهم ...


قال أبو مصعب : وكيف حال الأهل ؟


قال أبو الوليد : الحمد لله ، بنعم وفضل .. مشكور ربك غير مكفور .


قال أبو مصعب : الحمد لله .


كان الليل يقترب حثيثا ًَ وكان الشيخ مروان يقوم مع بعض الشباب بإعداد العشاء ...


قال أبو الوليد وهو يكسّر بين أصابعه غصناًَ يابسا ًَ التقطه لتوه من الأرض :


هل من رساله من الأهل ؟ ..


فرد أبو مصعب :


أصيب ابني في رجله فانكسرت .. أحس مرارة اللحظة التي وقع فيها الحادث ، لربما لم


يجدني أمامه فأحس بالحزن .. أتعرف ؟ منذ أن قرأت الرسالة وقصيدة حزينة تعجن في


ضلوعي .. حاولت استلالها من لساني كما تستل الشعرة من العجين ، حاولت


استخلاصها من أضلعي كما تستخلص الزبدة من اللبن .. فلم أنجح إلا في بعض أبيات ..


وبقي غيرها متمنعا ًَ .


قال أبو الوليد :


وماهي هذه الأبيات ؟ ( وكان أبو الوليد يحب سماع الشعر من أبي مصعب )


وتنهد أبو مصعب تنهيدة عميقة عمق المحيط الهادي ، وعصر جبينه ، ثم نظر إلى الأفق


وهو يقول :



بأيّ جناح إليك َ أطير ؟


ومن أيّ سمّ يكون العبور ؟!



وقيل انكسرت ، سلمت فؤادي


قلبي ، حبيبـي الصغير



أنا لو قدرت قطعت البحار


وجئتك حبوا بدون انتظار



ولكن أبوك له عذره


وقد شقّ ياابني عليه المزار



لماذا انكسرت ؟ لما ياولد ؟


وكسّرت قلب غير البلد ؟!



أقلت ( أبـي) حينها ؟ ويلتى


لطفل على الأرض دون سند!!



أتذكرُ كنتَ تجيئُ تقول :


هنا وجع والدموع تسيل



فألثم أين أشرت هنا


فتجري وبأسكَ فوراًَ يزول



فكيف أُقـّّبل تلك القدم


وكيف أهدهد فيها الألم ؟



وكيف سألمسها حانياًَ


وأمسح فيها ازرقاق الورم ؟



أنا الآن في البعد شبه أسير


فمن ذا سيلثم تلك الكسور ؟



إلى من ستشكو يقبّلها ؟


لك الله ياابني ونعم النصير



فماذا سأكتب ؟ ذاك يطول


ويفنى بذاك مداد السيول



ومامن طريق إليك فعذرا


وحسبيَ ربي ونعم الوكيل



في تلك الليله كان هناك شي متميز ، ليس جديداًَ ، لكنه لايحدث إلا لماماًَ ، كان هناك


صمت ، وتبادل لنظرات تعني الكثير ... هل هو موت سالم ؟!!


أم هي الرسائل التي يقرأها المجاهدون الغرباء هنا مرات ومرات ؟


أهوا لشوق حين يتحرك ؟


ليكن كل ذلك ، غير أنهم باعوا وانتهى الأمر .. سمعوا نداء العرض ( يأيها الذين ءامنوا


هل أدلكم على تجرة تنجيكم من عذاب أليم )


فباعوا دفئ الأُ سَر ، ولمسة حنان الأمهات ، وأشواق الشقيقات ، ودموع الآباء على كبر ،


وأحزان الأبناء في ليالي العيد .. وباعوا أنفسهم .


وسط الصمت رفع الشيخ مروان صوته بقوله :


جنة عرضها السموات والأرض .. ألا تستأهل هذا القطمير من الجهد والتضحية ؟! ..


حدثوني إذن عن بلال وعمار وسمية وخباب .. وحدثوني عن نومكم وأكلكم وشربكم بين


أهاليكم وديار الإسلام تحتل ، والمساجد تداس ؟ ولنساء تستغيث ...


واهتز السكون بتكبيرة من أبي الوليد .. تلتها تكبيرات عدة شقّت صدر الصمت .. وابتسم


أبو مصعب وهو يقول :



الحمدلله على نعمة الإسلام .






بقي ا لأخير وندخل المنطقة الآمنة قال محمود ، وهو ينظر في المرآة الأمامية إلى


حاجز الشرطة الذي اجتازوه ، ثم سأل أحمد الذي كان يركب في الخلف :


أما زال الخنزير نائماًَ .. ؟


وردّ أحمد بالإيجاب .


كانت السيارة تسير بسرعة كبيرة ، إذ لم يكن من الممكن إضاعة الوقت ، خاصة وأن سر


اختفاء نزيل الغرفة 504 لن يدوم طويلاًَ .. ومد جميل الرحمن يده إلى المذياع ،


فضغط زراًَ فيه ، وأدار زراًَ آخر : أش ش _ ش ، قالها الكل وهو يوجه أذنه نحو


مصدر الصوت .. وزاد المذيع :


ويجري البحث الآن ، رغم أنه لم يمر من الوقت مايعد معه المعني مفقوداًَ .. هذ


ا وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشخص محل البحث ، مجرد مرافق اسعاف للّجنة التي


تزور بلادنا ..


قال بدر :


إنهم يريدون إيهامنا أنه غير مهم ، على كل المسألة فيها قولان ، واستجواب المعني


يرجح .


قال أحمد :


يجب أن تعلموا أننا الآن أمام مشكلة حقيقية ، فالخبر أذيع ، وإخفاء إنسان في سيارة أمر


غير ممكن .. ولاشك أن الأمر لن يكون سهلاًَ في الحاجز القادم ..


وسأله بدر :


وكم يبعد هذا الحاجز من هنا ؟


قال محمود :


قرابة الكيلومترين


وبعدها ؟ قال بدر ..


بعدها سنكون في مأمن رد محمود ، لكن لاتكن زبيباًَ قبل أن تتحصرم ..


قال بدر :


هل أنوب عنك في السياقة وأتحمل مسؤوليتي ؟!!


قال محمود :


الأمر ليس في سهولة شرب الماء .


قال بدر :


لاعليكم وبإذن الله سننجو ..


على اليمين توقفت السيارة ، ونزل منها بدر ليأخذ مكان محمود ، في لحظات كهذه يحس


المرء أن في رقبته أمانة أمة يجب أن يؤديها ، لذلك يكون الحرص على النجاح أكبر .


كانت انطلاقة السيارة تدل على أن سائقها مغامر قديم ، وله مع القيادة تاريخ .. كان


صوت السديس ب _ طه يتغلغل في النفس ، ويمتزج بالروح نورانياًَ، مريحاًَ .. ومد


محمود يده فخلع نظارات بدر ثم مدها إلى وجه أحمد فخلع نظاراته وهو يقول :


النظارات مثيرة للريبة والفضول ، لأنها تخفي شيئاًَ خلفها .. ورجال الشرطة لايحبون


أن يخفى عليهم شيء ..


وابتسم بدر ، ورفع عينيه إلى المرآه فرأى الجالسين خلفه يبتسمان ، وكان الجنرال تحت


تأثير المخدر لايتحرك .


من بعيد بدا حاجز الشرطة ، وتحركت الشفاه تدعــو ...


وقرأ جــميل الــرحمن : ( وجعلنا من بين أيديهم ســداًَ ومن خلفهم ســداًَ فأغشينهم فهم


لايبصرون )، ولم يكن يعلم مايدور في رأس بدر الذي خفف من سرعة السيارة وبدأ


يوجهها نحو المكان الذي أشار له الشرطي بالتوقف فيه على اليمين .


كان هناك خمسة رجال من الشرطة فيما يبدو ، اثنان في سيارة متوقفة جانبا ًَ ، وثلاثة


واقفون على الحاجز ، وبحركة مذهلة سريعة صعّد بدر من سرعة السيارة ، واقتحم بها


الحاجز ، فأردى شرطيين ، وكان الثالـث أسرع إلى الرصيف فتحاشـى الصدمة ،


ومرقت السيارة مروق السهم ، وكان لعجلاتها مع الأرض أصوات وأصوات .


انطلقت رصاصات من سيارة الشرطة المتوقفه ... ورد عليها محمود برشاش أخرج


ماسورته من خلال الزوجاج ، وماهي إلا دقائق حتى كانت السيارة تنعطف يميناًَ وتأخذ


طريقاًَ جبلياًَ غير مزفت .. يبدو متعرجاًَ وصعباًَ ..


كانت الألسنة لاتكف عن حمد الله تعالى .. وكان الذي يهم الشباب أكثر هو إنجاز المهمة


بنجاح ، وإيصال هذا الذي قيل عنه في نشرة الأخبار خبير إسعاف ، وهو في الحقيقة


ضابط سام في الموساد وقائد للمجموعة ، إلى الذين طلبوه .


وتعالت الضحكات حين قال جميل الرحمن عن بدر :


أهذا جني ؟


فرد عليه أحمد : كأنه هو ..


ولعل أثر المخدر قد بدأ يخف في تلك اللحظة عن المخطوف ، فبدأ يتململ كأنه يخرج من


تحت ركام ثقيل ، وفتح عينيه ، وذهل .. هل كان يظن أنه سيفتح عينيه على السقف


الجميل للغرفة رقم 504 مثلاًَ .. ؟!!


برعشة وحركات تدل على الرعب استدار الجنرال يميناًَ ويساراًَ ليلقي النظرة الأولى


على اللذين يجلسان إلى جانبه ..


وضرب جبينه بكف يده اليسرى ... لقد علم أنه وقع .. وأن الأمر لن يكون سهلاًَ ..


خاصة وأن الشعب الفلسطيني المسلم يتعرض إلى أبشع أنواع التنكيل ..



الموساد .. هذا لجهاز القذر الذي يمد أذرعه الأخطبوطية في كل مكان .. هكذا قال


جميل الرحمن في نفسه ، ثم توجه إلى المخطوف يسأله :


حتى هنا .. جئتم ليكون لكم موضع قدم ؟ لماذا لا تتركون حرباًَ ضد الإسلام والمسلمين


إلا وتشعلونها ، أو تساعدون على إشعالها ؟!! لماذا أيها الأوغاد ، وأنتم حفنة ، تجعلون


أمة كاملة تدفع الثمن غاليا ًَ .. من دينها ، وأمنها ، وأخلاقها ، ومصيرها ؟!!


كان المخطوف مطأطئ الرأس ، ينظر إلى محدثه من جنب ، نظرة فيها المكر


والمذلة ...



ومن خلف الأشجار والصخور كان الحرس المجاهدون يخرجون مسلّمين بعد أن يتأكدوا


أن من في السيارة إخوانهم ..


ونزل جميل الرحمن ، ثم تلاه محمود يمسك بالمخطوف من يديه المقيدتين خلفه ...


كان الرجوع المظفر يشيع على الوجوه مسحة من الرضى ...


ومن خيمته خرج القائد عبدالرحمن وهو يقول :


الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات .


• *


في الغرفة السوداء التي يرتسم على أرضيتها رمز المخابرات الروسية الـ KJB كان


الجنرال ل. ليفيتش المسؤول عن الملف الأفغاني يعلن عن إنهاء الاجتماع وهو يسلم إلى


أحد الضباط بجانبه علبة مختومة ، ويقول :


حسبما اتفقنا ، يجب أن يستلمها قبل 18 ساعة وإلا ضاع كل شي ، الخطأ غير مسموح به


، والتأخر خطأ .. لقد رتبنا لكل شيء .


وطأطأ الضابط رأسه وهو يستلم العلبة وقال :


بالتأكيد ياسيدي .. ستكون عنده قبل الموعد .
• *
ا
رنَّ الهاتف المحمول في يد القائد خطاب رنــات عدة .. وتطلع إلى الرقم ، فعلم أنها


مكالمة خارجية ، وللتو ضغط زر فتح الخط ، وهو يقول :


- السلام عليكم .


كان صوت الأخ مسعود من أوروبا ، كما كان دائماًَ جهورياًَ .. له رنّته المميزة :


كيف حالكم ؟


الحمدلله ، بنعم .


يصلك الأخ عبدالغفور ، يحمل رسالة تلقيناها من عائلتكم .. يصل اليوم مسـاء إليكم ..


انتظروه في المكان المعهود ، لقد وصفته له ، وسيستدل عليه .


والكلمة ؟


( المثنّى يعبر .. )


طيّب .. اتفقنـا ، سأرسل من يستقبله .


لقد كلمني من الحدود الروسية ، قد يحتاج إلى خمس ساعات للوصول إليكم .


طيب .. طيب .. السلام عليكم .


وضغط خطاب الزر ، وأعــاد الجهاز إلى مكانه في حزامه .. وهو يقول لعبداييف :


يصلنا شخص من أوروبا في مهمة .. أرسلوا من يستقبله في جهة محطة البنزين الكبرى


في غروزني .



• * *


كانت عدسة الكاميرا موجهة إلى المخطوف الإسرائيلي جالساًَ على الأرض ، وقد قام


خلفه شابان ملثمان يحملان رشاشين .. وجلس القائد عبد الرحمن قبالة المخطوف قريباًَ


منه ، وإلى جانبه أسامة ، المختص في الملف الإسرائيلي _ الروسي ، كان الوقت


مسـاءًَ ، انقضت فيه صلاة العصر ... وتحلق قــادة المجموعة يحضرون


الاستجواب ... أما بقية المجاهدين فقد صُرفوا لأعمال شتــى ، إذ إن الإجراءات الأمنية


تمنع تواجدهم .


كان المخطوف دون قيود ، يفترش حصيراًَ ، وابتدره أسامه بسؤال :


لماذا أنتم هنا ؟


لاعلم لي ، أنا مجرد صحفي أرافق المجموعة .


قال أبو الوليد :


- وبدأ الكذب والمراوغة ، لماذا لاتأخذون بنصيحة أزرق اليمامة : تخرجون لسانه


وتذبحونه ذبح السلحفاة ؟


ونظر إليه القائد عبدالرحمن نظرة جادة فعاد إلى صمته .


قال أسامة وهو يوجه كلامه إلى المخطوف :


_ سأختصر عليك الطريق ، وأقرأ جزءاًَ من المعلومات عنك ، وتناول من أحد


الحاضرين كومبيوتراًَ محمولاًَ ، وراح يداعب أزراره بأنامله باقتدار مذهل ، ثم


قال :


_ نعم هو ذا .. العميد جوزيف درعي ، 52 سنة ، عميد في الموساد ، صاحب نظرية


الاستيعاب بالردع ا لمدني المقدمة إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية في بداية التسعينات ،


الأصول : من يهود الخزر ، أي لست يهوديا ًَ أصليا ًَ ، مملكة أجدادك القديمة كانت


قريبا ًَ من هنا ، أي في القسم الجنوبي من روسيا ، بين نهر الغولف ، والدون ، ممتدة


حتى شواطئ البحر الأسود وبحر قزوين .. عشت في تشيكوسلوفاكيا قبل أن تنتقل مع


عائلتك إلى إسرائيل في بداية الستينيات .. وكما أسلفت فأنت الآن عميد في الموساد ..


أيكـفي هذا أم أزيد ؟


وأغمض العميد عينيه في حنق ، ثم ضرب الأرض بقبضته وهو يضغط بأسنانه ضغطاًَ


يدل على أنه اكتشف أنه وقع فعلا ًَ ... وأن الأفق مسدود أمامه ، ورفع رأسه وهو


يقول :


_ هو كذلك .


_ إذن أنت قائد المجموعة ؟


_ نعم .


_ لماذا حضرتم إلى هنا ؟


هناك تخطيط إسرائيلي لتوسيع دائرة الحرب والردع في المنطقة ليشمل دولاًَ أخرى ..


بالنسبة لأمريكا لامانع عندها ، خاصة وأننا سنضرب هذه الدول بتهمة دعم الإرهاب ،


وهو الشعار الذي ترفعه واشنطن منذ 11 أيلول 2001 وتعتبره من يحارب في ظله


حليفاًَ لها .. بقي علينا إقناع روسيا بأمرين : غض الطرف عما سنفعله ، وثانياًَ عدم


بيع السلاح لهذه الدول التي سنستهدفها .


قال أسامة :


وبالنسبة لنا .. ؟ أقصد الملف الشيشاني ؟


قال العميد :


_ جاءت المجموعة لتقدم لروسيا هدية بسيطة ، لتد لل لها على القوة الاستخباراتية


الإسرائيلية .. فإذا هي قبلت العرض وأعطتنا الضوء الأخضر ، ساعدناها على القضاء


على المقاومة الشيشانية ..


قال أسامة :


_ ماذا تقصد بالهدية .. ؟


_ رأس القائد خطاب ..


_ خطاب ؟ .. كيف ؟


_ هناك خطة لتسميمه ..


_ متى ؟


_ أظن أنه قد فات الأوان ..


_ كيف .. ؟ كيف .. كيف .. ؟


كان أسامه ينهال بالسؤال المصيري .. كيــف ؟ وودّ لو أنه انهال على رأس عميد


الموساد بضربات من أخمس بندقيته ، فأرداه جيفة هامدة ..


قال العميد :


_ دعوني الآن استريح ، وبعد الراحة أخبركم ..


قال عبدالرحمن :


_ تستريح وأخونا في خطر ؟ والله لايغمض لك جفن حتى تقول ماعندك .. أم أنك تريد


رصاصة في الفم ؟ هيا تكلم .. وقام القائد عبدالرحمن ، فأخرج مسدسه من حزامه ..



وماكــاد المترجم ينهي ترجمة مــاقاله القائد عبدالرحمن ، حتى كان العميد يرتجف


فرقـاًَ وهو يشير بيده إلى القائد :


_ لا بأس .. لا بأس .. سأقول ماتريد .


قال أسامة :


_ تكـلم .


قال العميد :


_ كانوا يراقبون اتصالاته الهاتفية ، وجاؤوا بمقلد أصوات ، وكانت الخطة أن يكلمه من


أوروبا على أنه مسعود أحد أصدقائه هناك ، وأخبره أنه أرسل إليه رسالة مع أحد


الشباب .. الرسالة مسمومة ، وسيكون خطاب بعد ربع ساعة من لمسها هامدا ًَ دون


حراك ..


قال أسامة :


متى ستسلم الرسالة .. ؟


قال العميد :


اختطفتموني قبل الاجتماع مع ال _ KJB، كل شي من توقيت وغيره من تفاصيل تنفيذ ،


يتوقف على ذلك الاجتماع ، الخطأ خطؤكم ، كــان من الممكن أن تؤجلوا خطفي يومين .


وكــالملسوع هبّ القائد عبدالرحمن ، وهو يقول :


إليّ ببدر


• * *






كان يذرع المكان جيئة وذهابا ًَ .. للبرد ، وسآمة الانتظار .. وفاجأه شخص قريب منه


، يقول :


المثنى ..


المثنى يعبر .. ثم سلّم .


كان عبدالغفور في الخمسة والعشرين من عمره ، تغلب على نطقة العجمة ، ويتكلم


العربية بصعوبة ، يُرجع ذلك وهو يعتذر إلى أنه عاش طوال حياته في أوروبا ...


أما سعيد الذي جاء لاستقباله فهو في العشرين ، قد يتجاوزها أو يصغر عنها بقليل ..


شيشاني ، عيناه زرقاوان وبشرته بيضاء ..


وكان عليهما الآن أن يسيرا قرابة ساعة حتى يخرجا من منطقة الخطر ، ثم يستقلا


السيارة التي تنتظرهما هناك ، حيث خلّفها سعيد ...


كيف حال القائد خطاب ؟ ( قال عبدالغفور )


الحمدلله ( رد عليه سعيد )


آه لقد حلمت كثيرا ًَ بلقائه ولقاء المجاهدين ، وها قد جاء الوقت المناسب ، الحمدلله .


قال ذلك و أخرج من حقيبته علبة كعك ، أعطى منها لمرافقه قطعة فاعتذر ، فأخذ هو


قطعة وقضمها وهو يضيف : الكثير من الشباب المسلم في أوروبا يتشوقون إلى الجهاد


هنا ...


ويبدو أنه كانت لعبدالغفور شهية كبيرة للكلام ، لذلك راح يسرد قصصاًَ بلغته المفككة


ويفيض في التفصيل دون أن يكف عن قضم قطعة أخرى من الكعك .. أما سعيد فقد


رحل به فكره إلى هذا الجيل الطالع من المسلمين ، والذي همه نصر دين الله تعالى ...


في كل مكان هو ، في مشارق الأرض ومغاربها ، ليس في بلاد المسلمين فقط ، بل في


الغرب أيضا ًَ هذا الجيل المضحي بما يشبه الخيال .. في فلسطين وفي غيرها .. لعله


في أثناء ذلك تذكر المآسي التي أصابت هذه الأمة لقرون .. ومن تلك المأساة خرج الغرّ


المحجلون .. الذين تقطر مرافقهم من ماء الوضوء ، وتنبت في عيونهم حقول الخير ،


ومن قلوبهم يعجن هذا الكوكب الأرضي أخضر آمنا ًَ ، لاظلم فيه ولا جهالة ...


فلماذا يصر أعداء الإسلام على أن يأخذوا البيدر والبقرة ، وأن ينعتوا الفلاح بالإرهابي


إن قال لهم فقط : لا .. ؟


خطف عبدالغفور من ساعة يده رقمين ، وقال : إنها الواحدة والربع ، كم بقي من الوقت


لنصل ؟ فرّد سعيد : نحن على مرمى حجر من الجماعة .. لاشك أن رحلتك كانت متعبة


، لاعليك سنستريح بعد وصولنا ...


كان شريط الشيخ عائض القرني يدور آخر دوراته في مسجلة السيارة قبل أن ينتهي ،


وقال سعيد وهو يطفئ المسجلة : جزاك الله خيرا ًَ ياشيخ ... ثم مال بالسيارة نحو


عريش وأوقفها ، ثم نزل صافقا ًَ الباب خلفه ، وهو يقول:


أهلا ًَ بأخي ، عبدالغفور .. تفضل .


وتفحص الضيف المكان من خلال الزجاج قبل أن ينزل .. ترى مالذي يدور في رأسه


هذه الساعة ؟


كان المجاهدون قد أدوا صلاة الظهر بعد حصة تدريب شاقة ، ووزعت عليهم مهام


المساء ، ثم انتشروا للراحة ... فقام بعضهم يصلي ، واستند البعض إلى جذوع النخل


ينظف سلاحه ، أو يقرأ كتابا ًَ ، أو يكتب رسالة .. أو يتأمل .


وسلّم عليهم سعيد وهو يقول : أخونا عبدالغفور .. وأشار إليه بيده . فقال عبدالغفور :


السلام عليكم .. وردوا السلام بصوت واحد .


وانطلق صوت أزرق اليمامة الذي التحق بهذه المجموعة مؤخرا ًَ ، يقول :


_ هل أحضرت لنا معك عطر كوبرا ؟ طبعا لا .. إذن كيف تريدنا أن نجاهد دون عطر


وقمصان بيار كاردان ؟


وضحك سعيد ضحكة توجّس ، إذ إن كلمة كوبرا التي تعني نوعا ًَ سامّاًَ وخطيرا ًَ


من الثعابين ارتبطت عنده بالرسالة ، وكاد المريب أن يقول خذوني .. لكنه تمالك


نفسه ... فكيف لهؤلاء أن يعرفوا قصة الرسالة ، وعملية التشويش التي قامت بها


الأجهزة الروسية قد عطلت التقاط وإرسال هواتفهم منذ 24 ساعة ؟


كان الخوف بـاديـا ًَ على وجه عبدالغفور ... غير أن علامات الخوف يمكن أن تشبه


علامات التعب ، والرحلة التي قام بها ليست صيرة ، لذلك كان تلعثمه في الكلام وقلقه له


تفسير واحد عند الجماعة ، وهو التعب .


قال أحدهم وهو يقدم للضيف بعض الأكل :


_ تفضل ، يمكنك الاستراحة بعد الغداء .


_ لكنني أريد أولا ًَ أن أقابل القائد خطاب ، هناك أمر مستعجل .


قال أزرق وهو يشير إلى أحد الشباب :



_ هذا اسمه محمدين .. هل رأيت في حياتك مجاهدا ًَ يريد تحرير أرض الإسلام اسمه


محمدين ؟ وهل هذه أمة ؟ قل يامحمدين : من سماك بهذا الإسم ؟


قال محمدين وهو يبتسم ، ويجيب تسليما ًَ لأزرق :


جدي هو الذي سماني .


قال أزرق : سامحه الله ، هو الذي أفسد عليك مستقبلك وجعلك بدعة تمشي على


الأرض .. ألم يكفه اسم محمد واحد ، وهو اسم نبيك عليه الصلاة والسلام ، فذهب يجمع


جمع مذكر سالم محمدين ؟


قالها أزرق باستهزاء وهو ينط شفتيه بها ، .. ثم أضاف : ماذا بعد الكمال إلا النقصان ؟


ثم أين جدك الآن يامحمدين ؟


قال محمدين وهو يزداد ضحكـا ًَ مع من حوله : مات .. رحمه الله .


قال أزرق : لو بقي لارتكب في حق ذريتك أشنع مما ارتكب في حقك أنت .. خذها مني


يا محمدين : احذف عنك الياء والنون وتُب عن هذا المنكر ، وإلا علقناك في الشجرة من


عرقوبك وأذقناك طُعمَ السوط أسبوعا ًَ .


وخرج أحدهم من خيمة قريبة يتوجه نحو الضيف ويقول :


_ أهلا ًَ بك يا أخي .. جزاك الله عنا خيرا ًَ .. القائد خطاب يطلبك ..


وارتعشت فرائص الضيف ، ومد يده إلى حقيبته فأخرج منها مذكرة كبيرة سوداء ،


تأبطها وسار نحو الخيمة التي فيها القائد خطاب ، وما إن دخلها حتى سلّم ، واحتضن


القائد بحرارة ، وهو يقول :


_ بلغنا عنك الكثير يا أسد .. دمت ذخرا ًَ .


_ وضرب القائد على ظهر ضيف وهو يقول :


_ أهلا ًَ بك ...


ثم جلس وأجلسه إلى جانبه .. وفتح عبدالغفور المذكرة السوداء وسلّم القائد خطّابا رسالة


، وهو يقول :


_ إنها من أهلك ..


وتأملها خطاب فإذا هي فعلا ًَ بخط يد أخيه الأصغر .. ثم فض غلافها ... وبدأ يجيل


عينيه بين أسطرها وهو يبتسم .


• * *




يــتـــبـــع
ا







كانت الساعة الثانية والنصف حين وصل بدر .. ترك باب السيارة مفتوحاًَ وجرى نحو

المعسكر وهو ينادي :

الرسالة مسمومة يا قائد خطاب لاتلمسها .. الرسالة مسمومة ، لاتعطوها للقائد .. إنها

مسمومة .

وتوقف بدر عن الجري فجأة حين رأى المشهد ..



كان خطاب مسجى بين أصحابه ، يده اليمنى على اليسرى كأنه قائم في الصلاة ، لحيته

تغطي صدره وحوله ذارفوا الدمع المحبين من إخوانه .. هؤلاء الذي يذكر بعضهم يوم

جاءهم بركانا ًَ من الحماس والنشاط ، رائع الدعابة ، خجولا ًَ ، شديدا ًَ على

الأعداء .. رحيما ًَ بإخوانه .


ترى هل أحست أمه في هذه اللحظة _ ولقلب الأم إحساس خاص _ أن ابنها قد خمدت

أنفاسه في هذه الحياة الفانية ؟


هل أحس الذين أحبوه بحبهم الجهاد من الشباب المسلم في مشارق الأرض ومغاربها أن

أخاهم القائم على ثغر النار قد ترك رشاشه مكرها ًَ .. ؟


كانت اللحظات شديدة .. غريب آخر سيودع في تراب هذه الأرض البعيدة .. جاء يسعى ،
حاديه نبض قلبه العامر بحب الجهاد ، وعطره النقع الذي تثيره فرس شوقه في الوهاد

والنجود التي يقطعها ..


جثا بعض إخوته على ركبهم إلى جانبه ممدّدا ًَ .. تأملوه .. لمسوه ... مسح أحدهم تلك

اليد المقطوعة الأصابع التي طالما أقضّت مضاجع الأعداء وهي تحتضن الرشاش ..

وقال :

كان قريبا ًَ من المستحيل ، مدهشا ًَ ، قريبا ًَ من اللا ممكن ، ثم أنشد :



لماذا نقاوم فيك الذهولا

ولاممكن العصر والمستحيلا ؟!

ولسنـــا نصدق أنك مت ّ

لأنك كنت احتمالا ًَ جميلا ًَ


مات إذن خطاب .. مات الأسد الذي عرفته هذه الأرض يخط بعمره أسفار البطولة ،

ومتون التضحية ..

مات دون أن يقول شيئا ًَ ..


قال بدر وهو يسأل أحدهم :

كيف حدث ذلك ؟


سلمه الخائن الرسالة ، قرأها مبتسما ًَ ثم لثم سطورها ، رقة المسلم تلك ،وهو يرى

سطورا ًَ حبرتها أيدي أناس أحبهم .. ووقعت من عينيه دمعة .. مسحها ثم قام لئلا نراه

دامعا ًَ .. خجول كما كان دائما ًَ _ رحمه الله _ وخرج من باب الخيمة ، اعتصره

الألم ، تشهد وهو على ركبتيه ينظر إلى السماء .. ثم نظر إلينا مليا ًَ .. لم يقل

شيئا ًَ .. تأملنا واحدا ًَ واحدا ًَ .. وأسند رأسه إلى الأرض ثم مات .. رحمه الله .


أنزل قبره .. ورمقته العيون .. لم يصدق الكثيرون .. نزلت معه في الظلمة بعض من

دمعات إخوانه .. كانوا يحبونه ، لم تكن في تلك الدمعات دمعة أم أو أب أو أخت ...

مات غريبا ًَ .. كما عاش ، فطوبى للغرباء .


قال الشيخ عوف وهو يقطع الصمت الذي خيّم على الرؤوس المطرقة التي تسمرت

عيونها بالقبر :

طوبى لكم .. وقد اخترتم ظهور خيول الشوق تطير بكم بين الثغور في فجاح الأرض

البعيدة


فتقتُلون وتُقتلون .. طوبى لأكفكم المحروقة من الجمر التي تقبضون عليه .....


• * *

تـــــــــــمــــــــــــــــــت


ع
الله يعطيك العافية يارب ..
ومشكوره حبيبتي أولاً على حفظك لحقوق الغير وذكرك للمصدر ..
لي عوده لقرائتها ..
ودمتِ بخير ..
.
الله يعطيك العافية
ا


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أداوي جروحي بروحي :cool:


شانيل :)

الله يعافيكم واتمنى لكم قراءة ممتعة

القصة جد مؤثرة بل ومبكية :tears:

جزاكم الله خير (f)


X