بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نقلتها حزن الامة من منتديات العسجد وهي للكاتب محمد جربوعة
((البداية ))
نفض عن جبينه حبات التراب التي التصقت به أثناء السجود ، دون أن يكف عن تمرير
رأس إبهامه على بواطن أصابعه مسبحاًَ ، ورنا ببصره إلى الأفق ..
كانت الآفاق المتكسرة فوق الجبال البعيدة تحرك فيه أشياء وأشياء .. وهبت نسمة هواء
منعشة ،فأغمض عينيه وألقى بنفسه إليها وإلى أفكاره ... ومرّت في مخيلته صور
سريعة، باهتة،ومتداخلة،اجتهد في تجاهلها ،لكنه لم يفلح ..
صورة عيني أمه ، بكل حنانها ،وأحزانها .. هما هما .. كما كان تأملها وهو يودعها
منذ عشر سنوات .. حينما اغرورقتا وقالتا كل شي ... صورة جبين أبيه .. بتجعداته
، وأسرار نقوش العقود ...وهذه يد ابنه تمتد نحوه ،
... بـا... بـا كان عمره عامان ...وافتر الثغر الصغير الجميل عن ابتسامة محفوره
إلى اليوم في ضلوعه .. أما ابنته الكبرى آمنه فكانت تمسك بذيل ثوب أمها تنظر إليه
نظرات ابنة السبع سنوات.. بريئه كانت ،وكان كلما ابتعد خطوة ضغطت هي على
ثوب أمها أكثر ...
كانت المره الأولى التي يدرك فيها أن زوجته تحفظ الشّعر ... وتبذره فوق الجراح
أيضا ... قالت وهي تودعه :
هل ترانا نلتقي أم أنها كانت
اللقيــــا على أرض الســراب
ثم ولّت وتلاشــى ظلــــها
واستحالت ذكريـــات للعذاب ؟!!
اللقيــــا على أرض الســراب
ثم ولّت وتلاشــى ظلــــها
واستحالت ذكريـــات للعذاب ؟!!
ومسح أبوه عن عينيه شيئاًََ ما ... مترقرقاًَ كالماء ...مالحاًَ كالبحر ... حارّاًَ كقلب
ذائب ...
كانت الأفكار قاهرة لدرجة أنه تلاشــى فيها رغم مكابرته ، ولم ينتبه إلا على يد
صاحبه أبي الوليد وهي تربت على كتفه ... أبا مصعب ....
كان كمن استله من عالم آخر استلالاًَ ترك فيه نصف جسده، نصف قلبه ، نصف
روحه ، واستدار ، فإذا الذين أمّهم في صلاة العصر قد انصرفوا إلى حاجاتهم .
وأدرك أبو الوليد مالذي يمور في صدر صاحبه ، فجلس إليه وتأمل وجهه ملياًَ، ثم
نزل بعينيه إلى الأرض ، وقال وهو يعبث بعشبه خضراء يمسّحها
برفق : عند الله استودعناهم ... ولله بعنا ...
فرد عليه : نعم البيع يـا أخي ، لكنها المضغة التي بين يدي الرحمن ، يتحرك بها
الشوق بين الفينة والفينة فتسافر نحوهم تعانق أطيافهم ... هو ضعف البشر
ياأبا الوليد ...
كانت الشمس تتحدر نحو مغيبها ،وكان المساء لطيفاًَ، تذوب فيه النفس ،وهي تسافر
عبر الأفق الرحب...
كان الرجلان يجلسان على ذكرياتهما ... وكان الله يراهما ويسمع مايقولان ...
• * *
نزل الليل متئداًَ ، كشيخ على عكاز ... واختلطت حبيبات الظلام بحبات النور ،
وتزايدت حتى احلولكت الفجاج ... كانت عيونهم صقوراًَ جارحة ، ووجوههم تتقلب
في السماء تترقب مهو كائن منذ ليال ... القصف .. النار ... والتقطت الآذان أصواتا
بعيدة تقترب ...
لقد جاؤوا ...
قالها أبو تراب وهو يتحسس سلاحه ..
وتحرك لسان أحدهم بنهر من نور بدد الظلام :
((ولاتهنوا في ابتغآء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله
مالايرجون .. ))
كان الصوت شجيا ... وكانوا إخوة نأت ديارهم ، وجمعهم طريق الجنة ... من كل فج
جاؤوا مستجيبين لنداء الحق ، :يـاخيل الله اركبي أرخوا الأعنة فطارت بهم السُّرج
إلى هنا ...
اقترب الصوت أكثر ... تحركت الألسنة بالذكر ، وارتفعت العيون تراقب
الطائرات ... صوت خطى تقترب مسرعة ، إنه القائد عبدالرحمن ، بطلعته التي
أرهبت الروس أعواماًَ ، وصوته المرعد :
هل كل شي على مايرام ؟..
وجاء الجواب من الجميع : بإذن الله ..
كانت بطارية الصواريخ المضادة للطائرات تعيش آخر لحظات صمتها ن وهدوئها ...
وكان أبو مصعب يقف قريباًَ منها يفكر في واقع هذه الأمه التي تصحو وتنام على
أمطار النار والدمار في كل مكان ...
كان يسلي نفسه بكونه وإخوته معه ، يمتلكون سلاحاًَ يوجهون به أعداءهم ، وكان ذلك
ماذكّره بأطفال صغار في فلسطين يقاتلون من دون سلاح ، ويواجهون النار بالصدور
العارية ..
المأساة في كل مكان - قال لنفسه - في فلسطين ، والشيشان ، والبوسنة ، وكشمير
والفيليبين ،وغيرها ... ومن عهد بلال رضي الله عنه وظهور المسلمين تُحرق ...
وتنهّد وهو يقول : إنها المأساة ..
اقتربت الطائرات وحبست الأنفاس ، أما الأعين فلم تكن تخطئ تلك الكتل الحديدية التي
تملأ هدوء الليل ضجيجاًَ مفزعاًَ ، وكانت تلك ليلة من ليال كثيرة تقضيها عيون
الصقور مفتوحة إلى الفجر .
• * *
كانت الأضواء الحمراء تتراقص على مدخل الكازينو ....
وتوقفت السيارة السوداء الفخمة ، ونزلوا ... كان الجنرال بيكونين تشيخوف يعتمر
قبعة صوفية ،ويلبس معطفاًَ أسود ، أو قريبا من السواد ... أما حذاؤه فكان يلمع ،
وهو يدخل دون أن يرد على تحية بوابي الكازينو ...
وماهي إلا لحظات حتى دخل وراءه شابان ، قَلبَ أحدهما قبة معطفه على رقبته اتقاء
للبرد ، أما الآخر ، وكان قصيرا ، فكان يبدو أنيقاًَ بطقمه الرسمي ...
كانت الأضواء الحمراء المتراقصة تعبيراًَ ناجحاًَ عن الجو ، جوّ الكازينو ...انغمس
الجنرال في اللعب محتسياًَ كأسه ، واحتوشته الخسائر حتى رهن ساعته الذهبية،
ومسّاك ربطة عنقه ، وأزرار قميصه الفاخرة ،وانتهى بعد ساعات إلى الإفلاس ....
قال وهو يضرب الطاولة بقبضته فتقرقع الكؤوس فوقها : حظ سيئ.
كان الشابان يراقبانه من بعيد ، هل هما من حرسه ؟
أم من رجال المخابرت الروسية ؟!
وهمَّ بالانصراف ، وعند الباب ، اقترب منه أحدهم وقال له ، وهو يحاول أن لايلفت
انتباه الآخرين :
يبدو أنك في حاجه إلى بعض المال ياسيدي ... ؟
والتفت الجنرال وهو يقول : هذا أنت ؟!!
فرد الشاب : نعم ، دائماًَ أكون معك في لحظة الغرق والحاجة ، وأعرض قارب
نجدتي .. مارأيك في عشرين ألف دولار؟!!
وبدا أن الجنرال لايهتم بالعرض كثيراًَ، فهز رأسه، وابتسم ، وواصل مشيه نحو سيارته .
أما الشاب فواصل قوله : الأمر يس صدقة ... وهناك مقابل ، أظن أن ذلك يطمئنك ...
كان الرجلان قد وصلا إلى السيارة ، وقد فتح السائق بابها الخلفي ووقف شبه منحن
منتظراًَ ركوب الجنرال .
هبت نسمة قارسة ، فارتجف الشاب صاحب المعطف ، وخبأ رقبته في قبة معطفه
أكثر ...وقال وهو يزم فمه ويقطب جبينه : يبدو أن الحظ لم يحالفك هذه الليله مرتين
ياسيدي .. لابأس سأنصرف ومشى خطوات .. وتأمله الجنرال من الخلف جيداًَ ثم قال له :
لابأس ، ماهو المطلوب ؟..
كان الشاب كأنه يدرك حين انصرف أن الجنرال سيستوقفه ..وتراجع إليه وهو يقول :
صفقة ...
صفقة ...
كان لابد من مكان للتفاوض ، ولذلك فقد صرف الجنرال سائقه إلى داخل
الكازينو ، بينما ركب هو والشابان السيارة ... وبحركة سريعة توجس منها
الجنرال ضغط أحد الشابين زراًَ جانبياًَ في السيارة طلباًَ للضوء ، ثم أخرج
من جيبه ورقة ... وعرضها على الجنرال وهو يقول : هل تذكر هذه
ياسيدي الجنرال ..؟ إنها بخط يدك ..
وألقى الجنرال نظرة سريعة على الورقة ، وأدرك ماهي ، وسقط في يده ..
_ .. إنها صفقة السلاح الذي بعته للقائد الشيشاني منذ عام ، وحينها ادعيت أمام القيادة
الروسية انك خسرته في معركه طاحنة .. إنها إدانه أليس كذلك ؟..
_ الآن يمكنك أن تستل مسدسك وتقتل واحداًَ منا .. وإن كنت أسرع فقد تقتلنا نحن
الاثنين .. لكن الذين أرسلونا يمتلكون أصل الوثيقة ، وسينشرونها في صحيفة
( البرافدا) يوم السبت القادم ... هذا كل ماعندنا ..
قال الشاب ذلك وهمَّ بالنزول من السيارة مع صاحبه غير أن الجنرال استوقفهما في
شبه استجداء : مهلاًَ ... لكننا لم نكمل حديثنا ..وفهم الشابان أن الفريسة قد وقعت في
الكمين ، وعادا إلى الداخل :
_ عشرون ألف دولار .. قال أحدهما .
وقال الآخر : مع عدم نشر الوثيقة طبعاًَ
قال الجنرال : والمقابل ؟
نحن بحاجة إلى عملية كبيرة نكسر بها التعتيم الإعلامي الذي تمارسه حكومتكم على عملياتنا ..
تريدون سلاحاًَ إذن .. قال الجنرال ..
فقال الشاب :
سلاحاًَ وجنوداًَ .. قرابة خمسين ، فإن كانوا سبعين فذلك كرم منك لن ننساه ،
سلاحاًَ وجنوداًَ .. قرابة خمسين ، فإن كانوا سبعين فذلك كرم منك لن ننساه ،
وسندفع .. ومازاد على ذلك فبكل رأس ألف دولار ... ومعك الوقت وآلتك الحاسبة ،
فعُدَّ ثروتك ، وسنلتقي غداًَ لإعطائك التفاصيل ..
قال الجنرال بنبرة اندهاش :
مستحيل .. كيف أرسل سبعين أو مائة جندي إلى كمين مصيدة ليلقوا حتفهم هناك ؟ ..
هذه خيانة عظمى !!!
فقال الشاب :
إذن هناك غيرك سيفعلها .. ولاتنس يوم السبت أن تشتري صحيفة ( البرافدا ).
وقام الشاب بحركة كأنه يريد النزول ، فأمسك الجنرال بمنكبه وهو يقول :
متى ؟.. وأين ؟
فرد عليه الشابان بصوت موحد :
غداًَ نلتقي ونتحدث .. وانصرفا ليبتلعهما وحش الظلام عند نهاية الشارع .
• *