لم تكن تتوقع أن مصيرها سيؤول إلى ما آلت إليه، ولم يَدُر بخلدها أن نهايتها ستكون هكذا، حيث الوحشة والحسرة يعتصران قلبها بين لحظة وأخرى. تساؤل يتردد عليها دائماً هل سيعود مرة أخرى من كان يطرق بابها خاطباً وقد شارفت على الخمسين من العمر وعلامات الكبر بدأت تعلو وتظهر شيئاً فشيئاً؟ ولكن هذا ما جنته على نفسها فلقد كانت تضع شروطاً صارمة ظناً منها أنها تحافظ على كيانها وشخصيتها في المجتمع، فهي ذات منصب مرموق فيه، وبنات جنسها يتطلعون إليه فليس لديها أي استعداد للتخلي عنه فالمنصب والوظيفة بالنسبة لها صفقة رابحة، ولم تعلم المسكينة أنها صفقة خاسرة إلا بعد فوات الأوان فيا لها من حسرة ويا لها من ندامة.
لقد كانت تظن -كما يظن غيرها من النساء والعاملات- أن الوظيفة هي الحصن الحصين وهي الدرع المنيع وهي الحماية التي تحميها من كل ما يعتريها في هذه الحياة، وهي سبب استقرارها وسعادتها.
وفجأة .. عاد، عاد من كان تأمله وتحلم به عاد من كانت ترجوه -بعد الله- أن يحقق مبتغاها في هذه الحياة، عاد ولكنه ليس طبق المواصفات والشروط (مع أنه ممن يرضى دينه وخلقه) وجاءت لتحمل لي الخير فاستبشرت به خيراً وشرعت أسأل عن دينه وعمله ومسكنه وموطنه وهيئته وأهله وما إلى ذلك من الأمور التي كانت تضعها نصب عينيها حينما يتقدم لها شخصاً ما، وكانت إجاباتها لي جميعها مطمئنة فقلت لها إذا سنفرح بك قريباً -إن شاء الله- فلم تجبني، فأوجست في نفسي شيئاً لعلها سترفضه كسابقيه، ترى ما حجتها هذه المرة؟.. أرى نفسي تطيش وتمتلئ عليها حزناً وغضباً في الوقت نفسه، ما العذر الذي ستختلقه هذه المرة، رجل مستقيم وحافظ القرآن ومن بلدتها ومن بيت علم ودين، ولديه عمل يكسب منه وصدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) وبعد إلحاح مني أجابت: كل شيء قسمة ونصيب، وهذا ما كتبه الله عليّ.
زدت عليها قائلة: تختارين ما تشائين وتقولين هذا ما كتبه الله عليّ أتعلمين ما كتبه الله لك أتعلمين الغيب، ترى ما عيبه هذه المرة؟
فقالت : عادات أهله وتقاليدهم تختلف من عاداتنا وتقاليدنا .
- وهل تحتكمين للعادات والتقاليد أم لشرع الله ؟ أسألك بالله ما هدفك في الحياة الذي تسعين لتحقيقه؟
- أن أدرس وأتعلم لأنال الشهادة العليا وترتقي مرتبتي في وظيفتي .
- وهل الوظيفة كل شيء في الحياة؟
- بالضبط وظيفتي هي همي وأملي واستقراري وثباتي، فمن غيرها أشعر بأن لا قيمة لي في مجتمعي .
- والزواج ماذا يعني لك؟
- أعتقد أنه سيكون سبباً لزعزعتي وتغيير مسرى حياتي وفشلي، ولا أريد أن أفشل بعد هذا العمر في حياتي.
- ولماذا التشاؤم واعتقاد الفشل في حياتك الزوجية؟
- سيكون الزواج كالبطيخة والإقدام عليه مجازفة ومغامرة.
-فقلت لها : لو كل فتاة فكرت فيما تفكرين فيه لما أقدمت إحداهن على الزواج، ولكن عليك بالدعاء وتوكلي على الله ( فإذا عزمت فتوكل على الله ).
- فقالت: لو تسمعين ما أسمع من حكايات وقصص لصويحباتي في العمل وغيره لعلمت لماذا لا أتفاءل فها هي ( س ) أخذ زوجها مالها وبنى بيتاً أوهمها أنه لها، فلما أتمه تزوج ووضع زوجته الجديدة فيه .
وها هي (ن) التي خدعها زوجها بعمل توكيل عام لها، واستولى على أموالها وضيع الأول والآخر عليها .
وها هي صديقتي (ي) أصر عليها بأن تستقيل من وظيفتها على أن يقوم هو بالإنفاق عليها وضحك عليها بكلمات معسولة وجميلة فلما استقالت لم يفِ بوعده بل جعلها تعض أصابع الندم لسماعها كلامه.
وصديقتي (ز) التي أخبرتني بأنها تقوم بدور الأب والأم معاً فهي التي تنفق مالها وهي التي تربي وهي التي تعمل وهي التي تعلم وهي التي ... وهو لا دور له سوى أن اسمه أب .
- فرددت عليها : وهل الحياة جمع أموال فقط، صدق الله العظيم ( يحسب أن ماله أخلده).
ألم تفكري بالولد الصالح الذي تنشغلين بتربيته التربية الصالحة الإسلامية في الحياة الدنيا ويدعو لك بعد الممات؟
إنني متأكدة أنك حتى وصيتك لم تكتبيها فعلى الأقل اجعلي لك من أموالك الثلث واعملي لآخرتك كأنك تموتي غداً .
قلت لها أخيراً هذه همسة في أذنك:
ليكن في معلومك أخيتي أن النساء غالباً يخفين سعادتهن في حياتهن الزوجية أمام الآخرين خشية الحسد، ولا يظهرن منها إلا ما ساء منها وهذا مصداق حديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم – (تكثرن الشكاية) وفي رواية (يكثرن اللعن) وإلا لو كان واقعهن كما يخبرنك به لما قرت امرأة في بيتها، ومن هنا أوجه دعوة لأولئك النسوة المتزوجات أولاً أن يتقين الله في أنفسهن وفي أزواجهن وأن يقللن من التضجر والتأفف خصوصاً أمام من لم تقدم على الزواج، فالزواج ليس أبيضاً ناصعاً كما أنه ليس أسوداً حالكاً كالدنيا تماماً، فهذه الشريحة -وإن كانت على خطأ- إلا أنها ضحية ثرثرة نساء .
تحياتي
المواصفات والشروط
ع
27-05-2003 | 08:45 PM