بائع الشــــــــــراريب
ع
11-06-2008 | 07:14 PM
بائع الشراريب
للكاتبة : مريم الضاني .
المدينة : المدينة المنورة .
المكان : ( سوق قباء ) السوق الرئيسي في المدينة .
الزمان : الساعة الخامسة في عصر يوم من أيام الصيف .
النساء يتجولن بين الدكاكين التي عُرضت بضائعها خلف الواجهات الزجاجية بطريقة جذابة جميلة. تمتزج في الهواء رائحة الغبار برائحة البنزين ورائحة البخور المنبعثة من محلات العطارة. بدأ مسعود مشواره اليومي ، يحشر جسمه النحيل الذي تلفه ملابس بالية بين المارة مناديا بصوت مبحوح :ـ
شرا ريب .. شراريب .
التفتت إليه امرأة و جعلت تقلّب بضاعته المرصوصة في كرتون مثبت من جانبيه بحبل معلق حول رقبته ، ولكنها سرعان ما أشاحت بوجهها عنه وبدأت تتحدث بهاتفها. اقترب منها مسعود ورفع صوته قليلا : ـ
شراريب ...شراريب ... الشراب بريال .
أومأت إليه المرأة بيدها ليصمت ولكنه لم يبال بإشارتها . ابتعدت عنه فلحق بها . أسرعت الخطى فركض وراءها مناديا:ـ
خذي شرابين بريال .
لم تلتفت إليه فقال بإلحاح :ـ
خذي ثلاثة شراريب بريال .
نظرت إليه بعينين يملؤهما الغضب قائلة : ـ
يا غبي ، أغرب عن وجهي .لا أريد شراريب ، ألا تسمعني ؟ ! .
بلع غصته وابتعد عنها ثم توقّف قرب طفلين يرتديان ثياب مرتّبة جميلة وأحذية ذات أضواء متحركة. كان أحد الطفلين يتناول الآيسكريم ، بينما يشد الآخر عباءة أمه المنهمكة في اختيار بعض الإكسسوارات ويناديها ملحا:
ـ أمي ، أريد هذه الدراجة.
اقترب مسعود من الدراجة المعروضة في محل الألعاب وتأملها جيدا قائلا:ـ
كم هي جميلة !.
سألت الأم البائع عن ثمن الدراجة ثم أخرجت من حقيبتها ورقة نقدية من فئة الخمسمائة ريال وأعطتها إياه .
الحرارة شديدة و العرق يتصبب من جبينه غزيرا . اليوم لا يفارق خياله طيف أمه المريضة . حين همّ بأن يخرج من البيت كانت تسعل سعالا حادا ، و نادته بصوت خفيض:ـ
مسعود ، نفذ دوائي يجب أن أشتريه اليوم ...حاول أن ..
لم تكمل الكلام ولكنه أكمله في نفسه :ـ حاول أن تجمع ثمن الدواء .
تسارعت دقات قلبه ، وسار بخطى حثيثة .رفع صوته أكثر من المعتاد مرددا :ـ
شراريب ... شراريب .... شراريب .
استوقفته عجوز تنم سحنتها عن الطيبة والحنو و ربتت على ظهره فتعجب من صنيعها ، ثم سألته :
يا حبيبي ، بكم تبيع كل هذه الشراريب ؟.
حدق فيها مسعود مذهولا ثم تساءل بصوت متقطع :
ـ كل الشراريب ؟ .
أومأت برأسها أن نعم ، فأمسك الكرتون بكلتي يديه ورفعه إليها قائلا :ـ
بثلاثين ريال .
وضعت العجوز ورقة نقدية من فئة المئة ريال فوق الشراريب ،عندئذ أحس مسعود بالقلق فقال وهو يخرج ريالات قليلة من جيبه :ـ
ولكن ليس لدي بقية المئة ريال ، ألا تنتظرينني حتى ...
قاطعته ضاحكة : ـ
يابنيّ ، هذه المئة ريال كلها لك .
انصرفت العجوز وهي تلوح بيدها قائلة :ـ
لا أريد الشراريب أيضا ! .
أخذ يحدق بالنقود ويردد :ـ
هل هذا حلم ! ؟؟... مئة ريال لي! .... الحمد لله .. الحمد لله .
غمرته نشوة عارمة فشرع يقفز تارة ويركض تارة ،وهو يلوح بالنقود ويصيح :ـ
معي مئة ريال ...معي مئة ريال .
اقترب منه صديقه الذي يبيع قوارير الماء ، و همس في أذنه :ـ
اهرب بسرعة ، سيارة البلدية قريبة منا . ارتبك مسعود و ضم كرتون الشراريب إلى صدره فسقط بعضها على الأرض . هم بأن يلتقطها ولكن يخترق سمعه وقع أقدام تركض صوبه . أطلق لساقيه العنان ، قلبه يخفق بشدة ، أنفاسه تتسارع ، يختلط في ذهنه صوت لهاثه بصوت سعال أمه . لا يكاد يدرك مايراه ولا يعرف إلى أين يفر . تحوّل السوق الذي حفظ كل شبر فيه إلى متاهة ، تحوّل إلى ثعبان طويل يتلوى أمامه .
هل ثمة من يلاحقه حقا ؟.
هل فقد من يلاحقه أثره ؟ .
لم يعد يدرك شيئا .
فجأة خرجت من إحدى الحارات الضيقة سيارة مسرعة اصطدمت به بقوة فطار جسده الصغير في الهواء كدمية و سقط على الرصيف . احتشد المارة وأصحاب الدكاكين حوله و تعالى صراخهم :ـ
يا لطيف يا الله ، الطف به . إنا لله وإنا إليه راجعون ! . الولد ينزف بشدة .اطلبوا الإسعاف بسرعة .يبدو أنه مات ! .
كان يسمع جلبة وصياحا ولغطا ، ولكن تلك الأصوات كانت خافتة كأنها آتية من أعماق سحيقة .
تداخلت أمام عينيه الرؤى : مآذن الحرم الشامخة ، و الشمس التي توشك على الرحيل ، ووجه أمه الشاحب . بهتت الصور شيئا فشيئا إلى أن تلاشت تماما .
م
11-06-2008 | 07:25 PM
قصه رائعه جدا
مشكوره على النقل
مشكوره على النقل
ص
11-06-2008 | 08:06 PM
سلمـ ــت يــداكـ عـ ـادي
قصـ ـة مـ ـؤلمـ ــة تـ ـحدث بـ واقع مـ ـرير
آلمتـ ـنـ ـي جـ ـداً
امثـ ــال هـ ـذا الصبـ ـي مثـ ـواهم الجنـ ـة
شكـ ــراً لكـ حبيبـ ـــتي
وشكـ ــراً لـ ـوجـ ـودكـ الرائـ ـــع دومـ ــاً
كوني بخير لأجل من يحـ ـــبكـ
اختك
نبض
&
12-06-2008 | 06:56 PM
قصه مؤثره جداً بس ليته شرى لأمه الدواء قبل يموت :tears:
بارك الله فيك على إختيارك لهذه القصة
بارك الله فيك على إختيارك لهذه القصة
ع
14-06-2008 | 01:05 PM
أشكر تجاوبكم مع القصة00
دمتن بسعادة وراحة بال00
دمتن بسعادة وراحة بال00
و
15-06-2008 | 01:41 PM
لا حول ولا قوة الا باللهـ
يسلموـو ع القصهـ
عسـآآاش ع القوـوهـ
ودمتِ ،،
يسلموـو ع القصهـ
عسـآآاش ع القوـوهـ
ودمتِ ،،
ع
16-06-2008 | 10:29 PM
مشكورة أختي00
مرورك طيب
مرورك طيب