(أوراق طالب سعودي في الخارج)

Lovely_emma 20-09-2007 0 رد 1,025 مشاهدة
L
:3ooos:
هلا بالعرايس الحلوين ان شاء الله تمام

هذه قصة عجبتني وان شاء الله تعجبكم :8875:

قبل سنتين تقريبًا أمضيت في نيوزليندا أربعة أشهر، كانت مليئة بالتجارب الشيقة والمواقف الرائعة، سأحاول أن أكتب عنها في سلسلة من الذكريات، أتمنى أن تحوز على اعجابكم .. .. ودمتم بخير محمد الداود

نزلت من الطائرة وفي يدي حقيبتي اليدوية وورقة لابد من تعبئتها في الطائرة قبل الوصول، لكي تفتح لك هذه الدولة أبوابها. سرت في المطار أتبع الركاب القادمين لأضمن سرعة الوصول. بدأت ألحظ النظرات المتشككة الموجهة لي من الركاب وموظفي المطار، لم أكن متعجبًا فعندما تكون العربي الوحيد على متن رحلة قادمة من الشرق الأوسط وملتحيًا ومرتديًا لمعطفٍ أسود فالتهمة ثابتة لا محالة. الكل يبتسم، وإن كنت أقرأ في العيون غير ذلك، ففيها إحساس بأني (مشتبه به) وهذا كافٍ! بعد أن أخذت حقيبتي أقبل رجل أمن ومعه كلب جعله يتشمم حقيبتي، وعندما لم يجد بغيته لدي، كشر عن أسنانه فيما يشبه الابتسامة وهو يقول: - بإمكانك المرور سيدي. تبسمت في داخلي، وأنا أشعر بمرارته، ففي نظره أنا مشروع إرهابي جدير بتوقيفه والتحقيق معه، ولكنه وللأسف لم يجد دليلاً يثبت به نظريته. بعد انتهاء إجراءات الدخول تابعت سيري إلى بوابة الخروج، عندما استوقفني أحد الضباط وسألني عن ورقة الدخول التي قمت بتعبئتها في الطائرة، مددتها له برهبة، نظر إليها بسرعة ورفع عينيه نحوي بنظرة أشعرتني بأنني أحمل مرض معدٍ، ووضع علامة (X) حمراء على الورقة وناولها لي وهو يبتسم ابتسامة الظفر والنصر وكأن عينيه تقولان ..(أخيرًا أوقعت بك)، وقال: - أرجوك تقدم نحو ذلك الرجل. وأشار إلى ضابط يقف في آخر الممر كان يساعد امرأة كبيرة على النهوض وهو يبتسم لها، تفاءلت خيرًا، وتوجهت نحوه، وبعد أن فرغ من المرأة، التفت نحوي وسرعان ما تلاشت تلك الابتسامة من على شفتيه، ووضع يده على السلاح المعلق على صدره، واستعد لمقابلة هذا الإرهابي القادم نحوه. قال وهو يتمعن في عينيّ لعله يعرف أين خبأت الأسلحة النووية التي أحملها: - اتبعني من فضلك. قادني عبر ممرات طويلة، والنظرة الصارمة لا تفارق عينيه، وكل الناس يتحاشون المرور بنا خوفًا من هذا المجرم الخطير!، إلى أن دخلنا غرفة واسعة، اقشعر بدني من برودةِ المكان وهدوئه، فالصالة كبيرة وممتلئة بطاولات كثيرة أقرب إلى طاولات التشريح منها إلى طاولات تفتيش، وفي ركن قصي منها يوجد ضابط آخر يحقق مع شخص صيني وقد فتح جميع حقائبه وأُخرج كل ما فيها. قادني إلى أحدى الطاولات وقال لي: - انتظر هنا، سأعود قريبًا. دخل أحدى الغرف، واخذ يكلم من فيها بصوت مرتفع، وجلست أنتظر عودته بالزي (البرتقالي)، ليُبلسني إياه ..!! - مرحبًا .. انفضت من مقعدي، و التفت نحو صاحب هذا الصوت الناعم. أو بالأحرى (صاحبة) هذا الصوت. ضحكت وهي تبتسم لي وتقول: - هون عليك .. أنا لا أعض. نظرت لها ثم التفت إلى الغرفة التي دخل فيها الضابط الذي قادني إلى هذا المكان، فأطل برأسه نحو الطاولة التي جلسنا عليها متقابلين، وقال لها: - أين جيمس، لقد أرسلت في طلبه. - لا بأس، أنا أغطي مكانه هنا. وجه نظره نحوي غير مقتنع بهذا التبديل المفاجئ وعيناه تقولان ( أيها المحظوظ سنلتقي مرة أخرى، وعندها .. لن تنجو أبدًا). وقال لها : - لا بأس، هو لكِ. عندها فقط التقطت أنفاسي والتفت إليها وابتسمت ابتسامة من خُفف عنه حكم بالإعدام. - ما اسمك سيدي؟ انتزعني هذا السؤال من خيالاتي، قلت وأنا أعيد ترتيب أفكاري مذكرًا نفسي بأني ربما نجوت من الإعدام ولكنه مازالت أمامي محاكمة ربما تنتهي بالمؤبد. - أنا .. اسمي محمد. ابتسمت، وقالت: -هذا اسم سهل للتذكر، أهلا محمد أنا الضابطة جوليا. -جوليا؟ -نعم . -اسم جميل. وفي الواقع هو أبعد ما يكون عن صاحبته، فهي امرأة كبيرة سنًا في أواخر الأربعينات تقريبًا، من السكان الأصليين (الماوري)* ببشرة شديدة السمرة، وشعر أشعث، حاولت جاهدة أن يكون مرتب بشكل مقبول نسبيًا. -شكرًا لك، الآن قل لي لماذا أتيت إلى هنا؟ وكما يقولون في الغرب هذه هو ( سؤال المليون دولار) !! - حقيقةً وجودي هنا له سببان : الأول أنا في إجازة من عملي، والثاني أريد تقوية لغتي الإنجليزية. هزت رأسها بدون اقتناع وهي تقول : - حقًا؟ .. لغتك تبدو ممتازة بالنسبة لي! - شكرًا .. ربما تبدو في الوهلة الأولى كذلك .. ولكني أحتاج لأن أزيد من حصيلتي اللغوية . نظرت إلى نظرة أيقنت بعدها بعودتي إلى بلدي على متن أول طائرة مغادرة. قالت وهي تمعن النظر لي: - هل بالإمكان أن افتح حقيبتك؟ - بالتأكيد .. هذا حقك. - هل أنت من قام بإعدادها ؟ - مجملا نعم ، فقد ساعدتني والدتي في ذلك. شرعت في فتح الحقيبة وإخراج ما بداخلها، أردت مساعدتها ولكنها قالت رجاءً لا تلمس أي شيء، أخرجت كل ملابسي وبعض أشيائي، وعندما وصلت إلى مجموعة من الكتب كنت وضعتها لكي أقرأها في وقت الفراغ. شدني ماقامت به ، فقد استخدمت كلتا يديها المغطاتين بالقفازات حيث وضعت يدها اليمنى أسفل الكتب واليد الأخرى أعلاها ثم قامت بحملها بكل حرص وعناية كأم تحمل طفلها الأول لأول مرة، حتى وضعتها على الطاولة، واعترى وجهها تعبير يجمع بين الرهبة والحرص ... لم أقاوم فضولي كثيرًا فخرج مني تساؤل : - لماذا حملتي هذه الكتب بهذا الطريقة! نظرت لي باستغراب وكأني أسأل عن شيء بديهي وهي تقول : - أليس هذا القرآن الكريم ؟؟ عندها فقط .. نسيت كل تلك النظرات والتهكمات، وزال كل تأثير أحدثته تلك الابتسامات الصفراء والزرقاء، وحل مكانها نوع عجيب من الثقة المطلقة بشأن من هو أنا، وماذا أمثل بالنسبة لهم، وعظم ما أؤمن به، والفرق الشاسع الهائل بيننا، وكم يجهلون من نحن وما هي مبادئنا وأخلاقنا، و كم نحن مقصرون في إبلاغ رسالتنا، وعقدت العزم على أن لا أرضى هوانًا وأن افتخر وأظهر عزتنا مادمت بين ظهرانيهم. رفعت بصري وأنا أرى دهشتها على التأثير الجديد الذي انطبع علي وابتسمت عندما رأيت ارتباكها، وقلت: - لأ، هذا ليس هو القرآن، فمصحفي دائمًا معي .. أتريدين أن ترينه؟ بلهفة قالت: - نعم، لو سمحت. التفت إلى معطفي المعلق على الكرسي ، وأخرجت مصحفي بكل عناية، وبكل هدوء أخذت اقلب صفحاته أمامها وأنا أتكلم بثقة عنه، وقلت لها : - ألم تري المصحف من قبل؟ أليس لديك واحد؟ قالت والدهشة تملئ عينيها : - هل أستطيع أن أحصل عليه؟ فغالبًا لا يسمح لنا المسلمون بلمسه، و هذه هي أول مرة أرى ما هو مكتوب فيه، أوه .. كم هو جميل !! ابتسمت وقلت: - بالطبع بإمكانك أن تحصلي على نسخة مترجمة له أو ما نطلق نحن عليه تفسير القرآن، وللحصول عليها بإمكانك زيارة أقرب مركز إسلامي وسوف يكون الإخوة هناك سعداء بإهدائك نسخة مجانية. قالت وعيناها تبرقان بفرح طفولي : - مجانًا !! .. بالتأكيد سوف أزورهم وأحصل على واحد. تمنيت من أعماق قلبي أن تذهب لكي تعرف من نحن أكثر، ودعوت الله بأن يهديها ، واستمرت هي بالتفتيش وإن كان حماسها بأن تجد شيئًا ممنوعًا قد فتر قليلاً، إلى أن وصلت إلى كيس أسود اللون، ثقيل الوزن، حملته بحرص وقالت وعيناها تشع خوفًا : - ما هذا الكيس ؟ تبسمت وأنا أذكر إلحاح وحلف والدتي بأن أضعه معي في حقيبتي، وقلت لها بابتسامة هادئة: - إنه تمر و قهوة . قالت بشك واضح: - ولماذا أتيت بهما معك؟ فكل الأطعمة متوفرة لدينا، بالإضافة إلى أن دولتنا تحظر اصطحاب الأطعمة وأنت على علم بذلك. أليس كذلك؟ ابتسمت وأنا أقول: - بالطبع أعرف ذلك .. ولكن هذا التمر هو من منتجات مزرعتنا، لذلك أصرت أمي على أن اصطحبه معي، بالإضافة إلى أنها قالت لي (سوف تذهب إلى هؤلاء الأجانب ولن تجد ما يصلح للأكل هناك، وستموت جوعًا يابني). عندها فقط ... انفجرت ضاحكة، وارتجت الصالة بضحكتها، والتفت جميع من في القاعة إلينا، بل إن الضابط المناوب خرج من غرفته وهو ينظر إلينا نظرة استغراب وتأنيب للضابطة، فمهما يكن فما زلت مشتبهًا به. قالت لي وهي تغالب ضحكاتها: - يبدو أنك أوقعتني في مشكلة مع رئيسي، والسبب في ذلك هو أمك وتدليلها لك. قلت وأنا أغالب ضحكاتي أنا الآخر: - يحق لها ذلك، فأنا أصغر أخوتي. تبسمت وهي تعيد ترتيب الحقيبة بعد أن ألقت نظرة على جميع محتويتها، وقالت: - أحرص على والدتك. ابتسمت، وأقفلتُ حقيبتي ووضعتها بجانبي، وسألتني عن أوراقي فأعطيتها جميع الأوراق اللازمة، فقالت : - لحظات، وسأعود إليك. عادت لي بعد مدة وقالت وهي تعيد لي أوراقي: - لقد انتهينا، بإمكانك أن تذهب الآن. شكرتها وأرشدتني إلى بوابة الخروج، وعندما خطوت أولى خطواتي خارج أرض المطار، لفحني هواء بارد منعش لذيذ، استنشقت الهواء العليل متبسمًا، وأخذت أتأمل قرص الشمس يختبئ خلف تلالٍ خضراء، والسحب ترسم أجمل اللوحات في السماء الزرقاء، أدركت حينها بأني وصلت، فبعد أكثر من ساعتين من الانتظار والتفتيش، وبعد أكثر من 20 ساعة قضيتها معلقًا بين الأرض والسماء، وبعد تخطيط دام لأكثر من سنتين، ها أنا هنا ... أنجزت خطوتي الأولى .. طائرة كوانتاس* أشارت الساعة إلى الخامسة مساء، مازالت لدي رحلة أخرى في تمام السابعة ولكن في مطار آخر، فمن الأشياء التي تعجبت منها أن مطار الرحلات الدولية منفصل تمامًا عن مطار الرحلات الداخلية. توجهت نحو مجموعة من موظفي المطار كانوا يتحدثون خارج البوابة ، وأنا أجر حقيبتي الثقيلة، سألتهم عن كيفية الوصول إلى المطار الداخلي، فأرشدوني إلى موقف للحافلات، حيث تقل حافلة المسافرين مجانا إلى المطار الآخر. أخذت أنتظر وأنا أنتفض من البرد ململمًا أطراف معطفي، لم أكن مستعدًا لطقس كهذا، فدرجة الحرارة في بلدي تزيد عن 45 درجة مئوية، أما هنا فهي تقترب من العشر درجات مئوية!! بحثت عن مكان أحتمي فيه من البرد فلم أجد، وضعت حقيبتي على الأرض بدأت أتحرك قليلاً لأجلب لنفسي شيئًا من الدفء. الهدوء يلف المكان، فلا أحد من البشر حولي، أخذت أتأمل قرص الشمس يتهاوى نحو الأرض، متسائلاً نفسي هل يرى الأحبة نفس الشمس التي أراها !! ارتجت الأرض من تحتي، و ضج صوت من الجهة اليمنى هز طبقات السمع لدي، مع صرير للعجلات يصم الآذان، التفت فزعًا ناحية الصوت ووجدت حافلة تستعد للوقف وسائقها يشير إلي. عدت إلى حقيبتي، ووجدت السائق قد نزل ليعاونني في حملها، قائلاً: - هل أنت ذاهب إلى المطار الداخلي؟ - نعم لدي رحلة في تمام الساعة السابعة. حملت حقيبتي ووضعتها في المكان المخصص، والتفت أشكر السائق الذي أصر على مساعدتي في حملها، و أنا أتأمل الأوشمة التي تغطي يديه وذراعيه وجزء من رقبته. أوجست في نفسي خيفة منه، وعادت لي مخاوف الصبا عندما كنت أُخَوفُ من (الحرامي)، وكيف أنه يسرق الأطفال ويأكلهم!! تخيلت هذا العملاق المغطى بهذه النقوش العجيبة يلتهم فريسته الدسمة، فلم أتمالك نفسي من الابتسام. بادلني هو الابتسامة وهو يقول استعد للانطلاق فيبدو أنك الوحيد الذي سيذهب للمطار . انطلقت الحافلة براكبها الوحيد، وأنا ألملم أطرافي من شدة البرد، وافرك يديّ لعلي أنعشهما بشيء من الدفء. لمحني قائد الحافلة من خلال المرآة، وقال وهو يغالب ضحكاته: - برد !! إنها فقط 11 درجة مئوية. قلت له متعجبًا: - ألا يعد هذا طقسًا باردًا هنا؟ - نوعًا ما ... ولكن بعد شهر أو اثنين ستتمنى مثل هذه الأجواء، فمتوسط درجة الحرارة في الشتاء يتراوح بين الصفر والخمس درجات!!. اغتصبت ابتسامة من أعماقي، فكيف سأعيش في أجواء كهذه، وقد ألفت الحرارة طوال عمري، وبين شعب أقصى درجة حرارة عرفها هي 30 درجة مئوية، وقد أغمي على بعضهم من شدة الحر، بينما أفرح بمثل هذه الدرجات بدعوى أن الجو (ربيع !!). توقفت الحافلة عند مبنى لا تكاد تميزه عن بقية المباني، وقائدها يقول يمكنك النزول. التفت مرة أخرى إلى المبنى وقرأت على لوحة غير واضحة (مطار الرحلات الداخلية). شكرت السائق وأنا أترجل من الحافلة وأخذت حقيبتي ودخلت المطار، الذي لم يكن يشبه أي مطار آخر رأيته في حياتي. كانت عقارب ساعتي تشير إلى الخامسة والنصف، ساعة ونصف إلى موعد إقلاع الطائرة، كانت الصالة خالية تمامًا، لا ركاب ولا موظفون. جلت ببصري في صالة الرحلات الداخلية ( وإن كنت أتحرج من تسميتها بذلك ) فهي أقرب إلى مكتب خدمات سفر وسياحة منها إلى مطار، فلا يوجد به إلا مكتبة صغيرة، وآلة ذاتية البيع، تبيع بعض المشروبات والمأكولات الخفيفة، وطاولة عريضة (كاونتر) عليها جهازي حاسب آلي. لم يكن في الصالة أحد سواي. وضعت حقيبتي عند الطاولة وتوجهت نحو المكتبة، وجدت امرأتين تتحدثان فسألتهما عن الرحلات المغادرة، قطبت إحدى المرأتين عن جبينها وهي تقول: - متى موعد رحلتك؟ - في السابعة مساءً. التفت تحادث صاحبتها بأسرع لغة سمعتها في الكون!! ، فمن المشهور عن النيوزلنديين أنهم أسرع من يتحدث اللغة الإنجليزية، وخصوصًا عندما يتحدثون فيما بينهم. أصابني القلق، فحتى مع خبرتي المتواضعة مع المطارات والطائرات، إلا أنني صادفت العديد من المآسي التي يندى لها الجبين مع خطوطنا الجوية السعودية، فحتى تضمن مكانًا في الطائرة لابد أن يكون كرت صعود الطائرة معك قبل الرحلة بخمس ساعات على الأقل، أو أن احتمال صعودك لهذه الطائرة سيكون مشكوكًا فيه، وعندها لابد أن تقبل أكثر من (خشم)، وترمي (عقالك) أكثر من مرة، حتى تُحشر في مكان راكب آخر، لم تكن له معارف كالتي لديك!! التفت نحوي وهي تقول: - تفضل معي. وقادتني إلى المكتب الذي تركت عنده حقيبتي، وقالت: - إلى أين أنت ذاهب؟ - كرايستشيرش (Christchurch). قُلتها بلهفة من يريد أي يركب في أي مكان على الطائرة، وسلمتها تذكرة السفر التي اشتريتها من بلدي. كالعادة أطل فضولي برأسه، فقلت بتوجس: - أمازالت هناك أماكن شاغرة؟ نظرت إليّ بدهشة وتعجب من هذا السؤال! ولمت نفسي فلا يكفي تأخري هذا، ساعة ونصف فقط على الرحلة، وتسأل سؤال كهذا؟ انتزعتني من أفكاري السوداوية وهي تقول بابتسامة: - سيدي، أنت أول مسافر على هذه الرحلة حتى الآن. يبدوا أن ملامح الدهشة والبلاهة غطت وجهي بالكامل، للحظة ... لم أستوعب جيدًا ما قالته لي، أعدت النظر إلى ساعتي مرة أخرى .. نعم إنها ساعة ونصف بقيت على موعد الإقلاع، وأنا أول مسافر على هذه الرحلة !! سرحت بي الخيالات بعيدًا ففي مطار جدة مثلا تقفل الرحلة قبل الإقلاع بساعتين !! حتى ولو كانت لديك كل تأكيدات الدنيا فالتأخر يعطيك هذه الإجابة (يابويا أنتا تأخرت، الرحلة تقفلت !!). انتبهت على صوت المرأة وهي تنظر لي بتعجب: - أأنت بخير يا سيدي؟ حاولت أن ابتسم لكن أعماقي الموجعة لم تسعفني، قائلاً: - نعم، شكرًا لك، إنما مرهق قليلاً فلقد كانت لدي رحلة طويلة، هل بالامكان أن تجعلي مقعدي في الصفوف الأولى؟ - بالتأكيد.. سلمتني بطاقة صعود الطائرة، وقالت وهي تشير إلى درجٍ جانبي: - اصعد هذا الدرج وستجد صالة الانتظار، يمكنك الجلوس هناك. صعدت الدرج وأنا أُمني نفسي بصالة انتظار كالتي في مطار الملك خالد. في الطابق الأعلى كان هناك جهاز تفتيش وضابط شبه نائم، التفت نحوي وهو يقول بريبة: - هل أستطيع خدمتك بشيء ما؟ أظهرت له بطاقة صعود الطائرة، قائلاً: - لدي رحلة إلى كرايستشيرش بعد حوالي ساعة وربع. - أوه .. مازال الوقت مبكرًا. اجتزت الحاجز الأمني بسلام، ودخلت صالة الانتظار التي بالكاد تنافس صالات الانتظار في مستشفيات الرياض. في زاوية بعيدة وضعت حقيبتي اليدوية على أحد المقاعد التي لا يتجاوز عددها الخمسين. بقي ساعة كاملة على وقت المغرب، جلست وأخرجت مجلة كانت معي، وبدأت أقرأ. المكان يلفه الهدوء و يعمه الدفء، كنت مرهقًا من السفر المتواصل، فلم أستطع مقاومة النُعاس اللذيذ، فغرقت في نوم عميق. استيقظت على صوت جلبة، كانت صالة الانتظار شبه ممتلئة، ومسافرون قادمون يدخلون مع احد البوابات، وأحد الملاحين ينادي عبر السماعات على أحد الأشخاص. استجمعت شتات أفكاري، نهضت من مكاني محاولاً نفض غبار النوم، نظرت إلى ساعتي التي أشارت إلى السادسة والنصف. عندما دوى صوت عبر السماعات المنتشرة في المطار: - الرجاء من المسافر محمد التوجه إلى مكتب الأمن.

يتبع

:9_33:
X