الرشاقة الي حد الموت

hamdooty 05-12-2006 0 رد 783 مشاهدة
h
عناية جابر





لما هممت الي تسطير فكرتي المتواضعة لهذه الزاوية، سمعت من وسائل الاعلام عن موت جديد وشهيد جديد عندنا. واذا كنت ولا زلت عاجزة عن الفهم ازاء هذه المتاهات اللبنانية، ذلك ان شيئا فيّ يقاومها وينأي عنها، اعود هنا الي تسطير فكرتي نفسها، تاركة للأقلام العليمة مثل هذا الخوض. ما من مجال للمقارنة اذن بين موت طفل افريقي بسبب من الجوع، وموت عارضة ازياء للسبب عينه. مع ذلك، جزعت لوفاة العارضة البرازيلية آنا كارولينا ستون عن 21 عاما، في المثال السيئ عن فهمها لرشاقتها كعارضة ازياء، وانسحاب هذا المثال علي أجيال من الفتيات اللواتي يهتدين بمعايير هذه الرشاقة حتي الموت جوعا.
أربعون كيلوغراما من العظام والعيون المضيئة تهدمت، بعد توقف الكليتين عن العمل، جراء مرض فقدان الشهية. تعلق بها نظري في الصورة. غير منتبهة، غير حازمة، وتحت رحمة غياب وشيك. قامة طفولية طويلة، بوقفة عارضة مارست مهنتها منذ عمر الثالثة عشرة. تنورتها القصيرة ترقص في نور الكاميرا، وتُرخي عيناها اهدابا طائشة، فيما تلوح علي وجهها نذر ابتسامة لم تكتمل، علي عادة ابتسامات العارضات. العالم المتمدن قتل آنا في الروتين الظالم الكامن خلف تمايل الأجساد علي منصات العروض، ومفعم بالقسوة والادعاء. سوي ان هذا الموت فضيحة. طفلة رُميت في ايقاع الاستهلاك الناقص وقد هوت اخيرا بمعدة خاوية.
الأكل ايضا كان ليقتلها. التغذية المدروسة كانت لتقتلها ايضا وتعيدها مجددا الي اللاشيء الذي كانته، قبل ان يُلقي بها في براثن وكالات عروض الأزياء، والشرط الاول لهذه الاخيرة امرأة من جلد وعظم. سوف لن اعرف ابدا، الطفلة البرازيلية التي كانت تحيا خارج حياتي، الطفلة الحقيقية التي ولدت في احد ازقة ساوباولو، ممتلئة صحة ومعافاة، وبخدود محمرة، وقد قتلتها الآن رغبة اسياد الهزال والرشاقة المرضية.
بين ما يعرض علي قنوات الفاشن وبين ما يحيا في كواليسها، حقيقة لا يمكن لمسها الا بالكلمات، لا صورهن، أطيافهن الشفيفة ورشاقتهن، يمكنها ان تمنحني تلك الحقيقة عن عالم تجارة الرقيق هذا. اشكال هلامية، يحكمها الخمر والأفيون والتقيؤ وحبوب الهلوسة. بأرجلهن من دون ادمغتهن، دخلن الي سوق نخاستهن الجديد، معطر ومهفهف، كله دانتيللا وفراء وشيفون، وحرير يتطوح في الهواء غير عابئ بالأجساد التي تحمله. الاجساد المتبخترة بلحمها ودمها، ممنوعة في عالم العروض، وهي تضمر وتتلاشي لصالح الساتان، ورديا وعسليا ترقد فيه الاجساد وتظهر بالكاد، كغمامة صغيرة من دون اطراف، وخيالات ظل من دون قلب ولا عقل، فقط دعسات روبوت علي المخمل الأحمر.
لا احب المقاربات التي تخوض في جذور العنف الذي يمارس علي النساء. لست فيمينيست بهذا المعني. فثمة نساء يخترن مصائرهن، ويتشهين اشكال العنف التي تمارس عليهن. هن بأنفسهن يشاركن في ايلام ذواتهن ويقسون بأكثر مما يقسو عليهن القساة. أحكي فحسب، عن طفلة بكل معني الكلمة، قضت في شرك النحافة الذي نصبه لها غيلان الموضة ، شرك الهزال المفضي الي المرأة السلعة، المعطي الوحيد في اعتبار العصر، والمعطي المادي نظيفا من الروح والاحشاء.
لا يقلقني بأكثر من سواه، موت طفلة في عالم يفقد الملايين من اطفاله كل يوم. ما يقلقني هو اسراف الوقت في عرض بضاعته، وتسليع الاجساد الي حد الدوار والموت. ماتت الطفلة آنا كارولينا بإنقباض الشهية، ولن تعود هي نفسها الجسد الذي حفظت المنصات، توقيع رهافة خطوه، ابتلعتها هذه، مرة واحدة والي الأبد. مع ذلك فان العنف الكامن في صورتها الهزيلة الواهية، يفصح للنساء في انقشاع فكرتهن عن انفسهن، صورة غير غائمة عن حياة حقيقية اكثر، ذات مغزي، وتتحدي قبح العصر وعبودية الاضواء والمال.
طفلة ما كادت ان توجد، حتي غدت شبحا. ميلها لما هو بال ومهجور في الحياة الداخلية للنساء، اضعفها وأعلي عليها الامتيازات المادية لما عجزت روحها عن الثبات.
لسن آنا كارولينا كلهن. بعضهن يقسن الحياة بطريقة مختلفة. يقسنها بأرواحهن واجسادهن، وبرغبات عظيمة لا تعبر بهن الي الموت، بل الي الفرح وتكون لهن اجنحة، وتكون لهن كلمات، صافية وتتلألأ بالنور.
إنني أرتجف من الجانب المعتم في العنف الذي لا يبان في صورة كارولينا، ولا في أية صورة أخري. أرتجف من العنف الموارب والكاره، والعنف الكامن في الكلمات. اما ما بقي من امور، فلا يهمني، فأنا اعتقد بالحنان، لانه يخفف البرد والتعاسة، ويضيء الوقت، ويرصع الأمسيات ويمنح هذه الورقة البيضاء، نكهة طيبة، طيبة الخبز.




منقوووووووووووووووول للفائدة



[frame="1 80"][glint]ادعوا لأبي واخوتي ان الله يفرج همهم[/glint][/frame]
X