أغلقت علىَّ باب حجرتى و أطفأت نورها.... و كعادتى عندما أكون فى هذه الحالة جلست امام مكتبى لأراقب الدخان المتصاعد من فنجان القهوة الموضوع أمامى بينما يكاد صدري ينفجرمن وطأة الضيق و الحزن اللذان يملآنه .
كانت مئات الأسئلة تدور فى ذهنى .... لماذا أشعر بهذا الشعور.
ألم أفعل هذا من أجل المتعة؟! ...من أجل السعادة؟!... لماذا الآن أشعر بكل هذا الكم من الضيق و الحزن... أكل هذا من أجل أنى عصيت الله... من أجل أنى ابتعدت عنه... لو كان الأمر يقف عند هذا الحد .. فالحل بسيط.... ويتلخص فى كلمة واحدة .. توبة.
ولكن مهلاً ألم أكرر هذا الأمر أكثر من مرة؟!! ..وفى كل مرة كنت أقول أنى تبت ولن أعود ثانية .. ولكنى أعود ... و أعود... ضقت من كثرة العودة ومن كثرة الهزائم ... و من كثرة النكسات ...و قررت ... قررت أنى لن أتوب أبداً ...أبداً
... إلا قبل موتي ... فعندما أشعر باقتراب النهاية ... عند ذلك فقط سأتوب توبة صادقة.. و لكن هل يوجد من يخبرنى بموعد النهاية ..؟!..إنه أمر صعب .. بل هو المستحيل بعينه...
تعبت من كثرة التفكير ....و عدت أتابع الدخان المتصاعد من فنجان القهوة ..
والذى ارتسم مع أشعة القمر المنسابة عبر النافذة بصورة شاعرية جميلة .
كأنها صورة وجه رجل عجوز ذى لحية بيضاء ..أو هكذا خيل لى ..لكن الغريب في هذا الأمر أن هذا الوجه يشبه كثيراً وجه جدي رحمه الله ...نفس اللحية ...نفس الوجه المنير..
مددت يدى فى تردد نحو الدخان محاولاً بعثرته ..لكن الوجه لم يتغير ..بل علته
ابتسامة عريضة ..
هتفت: جدي أهو أنت ..؟!
أجابنى بصوته الهادئ المعتاد : كيف حالك يا أحمد ؟!
لم أصدق نفسي ظننت أنني أحلم .. لقد مات جدي منذ زمن بعيد..والأحياء لا يرون
الأموات..
لا يرونهم أبداً إلا إذا...
جدى هل أتيت لتأخذني معك؟!.. هل اقتربت نهايتي؟!
تبسم فى هدوء ثم تمتم:
- يا بني كل الناس راحلون ...وكل شىء له بداية لابد أن تكون له نهاية...
- جدي أنا أسألك سؤال محدد... هل حانت لحظتي...
أطرق لحظة ثم قال:
- لا يا أحمد... لم تحن بعد...
- إذاً انت تعلم.. أخبرنى كم بقى من عمري ؟!
- لا داعي يا أحمد لو تعلمون الغيب لاخترتم الواقع..
- جدي أتوسل إليك .. كم بقي من عمري..؟!
- إن كنت مصراً فلتتحمل النتيجة .. الباقى من عمرك ساعة .
ساعة ... رددت في ذهول ..ساعة.
أجاب: نعم ساعة .. ساعة فقط.
تبعثر الدخان مع إضاءة نور الحجرة عندما دخلت علي والدتي مفزوعة وهي تهتف:
مالك يا أحمد ؟!
رددت في ذهول .. ساعة واحدة ..
- ساعة إيه يا أحمد..؟!
قلت بصوت متهدج: فاضل ساعة يا ماما..فاضل ساعة ..
- فاضل ساعة علي إيه يا أحمد... ؟! أحمد
تركتها تنادي عليّ دون أن أجيبها .. نزلت إلى الطريق كالمذهول ..ظللت سائراً
على غير هدى ..لا أدرى ماذا افعل ...فهل ساعة واحدة تكفي لفعل شىء ..؟!
تذكرت كم من الساعات التي ضيعتها دون اهتمام ...كان العمر يمر مني دون أن اعمل له أي حساب ..ماذا لو ضاعت ساعة..ماذا لو ضاعت عشرة أو حتى ضاعت السنة كلها ..
لم يكن هناك فارق.. أما الآن ..فأنا الآن .. الآن أتمني لو عادت تلك الساعات
مرة أخري ..أتمني لو تعود لحظة بلحظة .. وثانية بثانية .
و لكن ما عاد ذلك التمني يجدي .. وما عدت املك إلا تلك الساعة.
نظرت فى الساعة فوجدتها الثالثة صباحا ..إذاً فبعد ساعة من الآن و في تمام
الساعة الرابعة .. سينتهي كل شىء .. و ستتوقف كل الساعات معلنة نهايتي..
علي استغلال كل ثانية في هذه الساعة .. ولكن ماذا افعل ..؟! هل أقرأ القرآن ؟!
إنني نادراًما كنت أمسك المصحف .. نعم سأستغل هذه الساعة في تلاوة القرآن ..
لكن ماذا يفيد القرآن إذا لم أكن أصلي..؟!
إذا ساقطع هذه الساعة في الصلاة ..ولكن قبل هذا علي أن أتوب ..أن استغفر الله
من كل الذنوب ..من التقصير في الطاعات .. من الغدرات والفجرات ..
عدت مرة أخرى إلى البيت ..و أغلقت علي نفس باب الحجرة ..استقبلت القبلة ..و
رفعت يدي بالتكبير .. كان ماء الوضوء يتساقط من وجهي مختلطاً بدموع عيني ..كان هناك شعور غريب يملأني ..مزيج عجيب بين الخوف و الرجاء .. خوف شديد من الله وانتقامه ..خوف من الوقوف بين يديه ..من سؤاله و حسابه ...من ناره وعذابه .. خوف يجعل الدموع تنهمر مني رغماً عني .. ويجعل جسدي ينتفض كالعصفور المبتل ..و رجاء
..رجاء جميل في رحمته.. في عفوه و صفحه .. رجاء يجعل الصلاة متعة ليس بعدها متعة ..و يجعل القلب ينتفض حباً لاشتياقه للقاء الله عز و جل ... وشوقاً لنعيمه وجنته...
سجدت بين يديه و كاني لم اتعلم السجود إلا اليوم .. ظللت اناجيه في جوف الليل
..أسبح بحمده .. أستغفره و أثنى عليه..
عجبت كيف لم اذق هذه اللذة قبل اليوم ..و كيف فرطت في عمري هباءً دون أن أتمتع بهذه المتعة .
ظللت هكذا ساجداً .. فلقد أردت أن يقبضني الله وأنا ساجد بين يديه ..
وفجأة ..دقت الساعة تمام الرابعة .. و دق قلبي معها في عنف ..لم أكن أتخيل ان
يكون الموت بهذه البشاعة..إن انظار الموت أصعب بكثير من الموت ذاته.
لكن الساعة ظلت تدق و تدق ..و مرت دقيقة وعشرة و ساعة.. ولم يحدث شىء.
- \"مخادع\" هكذا هتفت عندما رأيته مرة أخرى...
- سامحك الله يا بني.
- نعم مخادع ألم تخبرني أني لم يبق من عمري غير ساعة ...؟!
- نعم يا بني .. ومازلت مصراً علي ما قلت ..فلم يعد يبقي من عمرك غير ساعة ..
- كيف.. كيف و أنا مازلت حياً أمامك كما ترى ..؟!
- يا بني .. حتى لو بقي من عمرك مائة سنة .. فهي بمقاييس الآخرة ساعة ...مجرد
ساعة... ستمر عليك وكأنها ساعة ...ستستغلها و كأنها ساعة .. و ستنظر إليها بعد
مرورها على انها ساعة .. ساعة واحدة فقط ..مجرد ساعة ..
ألم تسمع قول الله عز وجل \" كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من
نهار \" ألم تسمع قوله \"و يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ، كذلك كانوا يؤفكون\"
يا بني .. الدنيا كلها مهما طالت .. ستظل دائماً ساعة ... استغلها من استغلها
...و أضاعها من أضاعها ...
تركني و رحل لا أدرى ما إذا كان هذا حلماً أم حقيقة... واقعاً ام خيال ..
ولكن ما أثق منه جيداًَ ..
أن الباقي من الزمن.......ساعة
( منقول للفائدة )
باقي من الزمن ساعة (قصة )
م
18-10-2006 | 05:20 AM
f
18-10-2006 | 10:11 AM
يا سبحان الله ..
فعلا ً لو أن الله أخبرنا متى سنموت لما كنا نعرف كيف سنمشي حياتنا ..
شكرا ً لك على هذه القصة الجميلة ..
تحياتي ..
فراولة ..
فعلا ً لو أن الله أخبرنا متى سنموت لما كنا نعرف كيف سنمشي حياتنا ..
شكرا ً لك على هذه القصة الجميلة ..
تحياتي ..
فراولة ..
ا
18-10-2006 | 08:26 PM
::
::
غاليتي
م/الحريري
::
اللهم احسن خاتمتنا وتوفنا
وأنتَ راضٍ عنا
:
بروكت يمينك الطاهرة
علي نقل هذه القصة
بانتظار جديدك
::
دمتي بود
لا ينقطع
::
قلبكم الحنون
::
غاليتي
م/الحريري
::
اللهم احسن خاتمتنا وتوفنا
وأنتَ راضٍ عنا
:
بروكت يمينك الطاهرة
علي نقل هذه القصة
بانتظار جديدك
::
دمتي بود
لا ينقطع
::
قلبكم الحنون
م
19-10-2006 | 01:30 AM
[blink][شكراً على المرور[/blink]
ب
19-10-2006 | 07:52 AM
عزيزتي جاري الحفظ وإن شاء الله لاقعدت من النوم را ح أقراها ومشكوره مقدماً
وإن شاء الله راح ارجع واقول لك رايي فيها
وإن شاء الله راح ارجع واقول لك رايي فيها
خ
19-10-2006 | 09:03 PM
مشكورة اختى على القصة
A
22-10-2006 | 01:20 AM
nice