زمن المسلم بين المحافظة والتفريط
ا
14-02-2003 | 10:52 PM
زمن المسلم
بين المحافظة والتفريط
علي بن عثمان القرني
خلق الله سبحانه وتعالى الكون كله في زمن محدود، قوامه ستة أيام، لحكمة هو أعلم بها جل شأنه ولاشك أن هذا الالتزام بهذا الزمن ليس إلا ليعلم عباده التوقيت لكل أمر، والاستفادة منه، وعدم تضييع الزمن الذي يمر مر السحاب، ولا يعود أو يتوقف؛ ولإثبات مدى الأهمية العظمى للوقت، هذا النظام الإلهي لهذا الكون بجميع مكوناته، سماوات، أرض، ماء، إنسان، حيوان، نبات، هذه المعجزة التي تقف العقول حائرة أمامها.
والزمن والوقت اصطلاح متقارب، إلا أن الزمن يكون مدة قصيرة أو طويلة، أي: أن الزمن أو الزمان (مدة قابلة للقسمة؛ ولهذا يطلق على الوقت القليل أو الكثير، والجمع "أزمنة" و "الزمن" مقصورة منه، والجمع "أزمان")(1).
أما الوقت فهو: "مقدار من الزمن مفروض لأمر ما، وكل شيء قدرت له حيناً فقد "وقته" "توقيتاً" وكذلك ما "قدرت" له غاية، والجمع "أوقات"(2).
قيمة الوقت في القرآن والسنة:
لشرف الوقت وأهميته أقسم الله سبحانه وتعالى به في عدد من آيات كتابه الكريم، منها: قوله تعالى: والفجر (1) وليال عشر (2) {الفجر: 1، 2}، و والليل إذا يغشى" 1 والنهار إذا تجلى" 2 {الليل: 1، 2}، و والضحى" 1 والليل إذا سجى" 2 {الضحى: 1، 2}، و والعصر 1 إن الإنسان لفي خسر 2 {العصر: 1، 2} .
ومن الأمثلة كذلك على قيمة الوقت في القرآن الكريم: قوله تعالى: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا 12 {الإسراء: 12}، وقوله: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا 62 {الفرقان: 62}، وقال سبحانه: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون 12 {النحل: 12}، ومن التحسر على ضياع الوقت: ما ورد على لسان المفرطين يوم القيامة، في قوله تعالى: يا ليتني قدمت لحياتي 24 {الفجر: 24}، وقوله: ربنا أخرنا إلى" أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل 44 {إبراهيم: 44}.
وعن أهمية الوقت في السنة النبوية: ما رواه بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله { : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"(3)، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله { قال: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به"(4).
العلماء والوقت:
العلماء هم أكثر الناس شعوراً بأهمية الوقت، والمحافظة عليه، وقد استثمر كثير من العلماء وقتهم، وملؤوا الدنيا بعلمهم ومؤلفاتهم، ماتوا ولكن لم تمت آثارهم، ومن أولئك العلماء الأفاضل - على سبيل المثال - (الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري "ت310ه" شيخ المفسرين، والمحدثين، والمؤرخين، الذي لم يؤثر عنه أنه أضاع دقيقة من حياته من غير الإفادة والاستفادة)(5)، فقد قال عنه الخطيب البغدادي: "سمعت علي بن عبدالله بن عبدالغفار اللغوي يحكي: أن محمد بن جرير الطبري - المتوفى سنة 310ه عن ثلاث وثمانين سنة - مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة"(6)، فإذا كان يكتب كل يوم أربعين ورقة؛ فإنه بحساب السنة الميلادية سيكون قد كتب "584000" ورقة، ولاشك أن كتابيه التفسير والتاريخ يشهدان على مدى حرصه على الاستفادة من الوقت.
ومنهم أيضاً الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد الجوزي -المتوفى في "597ه" رحمه الله - أحد الأئمة الأعلام الذين يقتدى بهم في حرصهم على الزمن، وعدم ضياع شيء منه، فيقول سبطه أبو المظفر عنه: "وسمعته يقول على المنبر في آخر عمره: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني"(7)، ويقول عنه الإمام ابن تيمية رحمه الله في أجوبته المصرية: "كان الشيخ أبو الفرج مفتياً، كثير التصنيف والتأليف في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت بعد ذلك مالم أره"(8)، وقال عنه الإمام الحافظ الذهبي: "وما علمت أحداً من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل"(9)، ويقول الموفق عبداللطيف - فيما نقله عنه الذهبي - إن ابن الجوزي كان: "لايضيع من زمانه شيئاً"(10)، وكتاب صيد الخاطر لابن الجوزي غني بما كان من حرصه على الوقت، والاستفادة منه.
أما الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي - المتوفى سنة 513ه - فيقول فيه الإمام ابن تيمية: "إنه من أذكياء العالم" بلغ في محافظته على الزمن مبلغاً أثمر عن أكبر كتاب عرف في الدنيا لعالم، هو كتاب "الفنون" في ثمانمائة مجلدة"(11)، ويحدث ابن عقيل عن نفسه فيقول: "إني لايحل لي أن أضيع ساعة من عمري؛ حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين"(12).
أقوال المهتمين بالوقت من السلف:
لقد (أجمع العلماء والأدباء في تعريف الوقت بكلمة موجزة فقالوا: "الوقت هو الحياة")(13).
وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد بناه، أو حمد حصله، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه، وظلم نفسه"(14).
وقال ابن القيم رحمه الله: "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم وهو يمر مر السحاب.. فما كان من وقت لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة واللهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته"(15).
وقال الشافعي رحمه الله : "صحبت الصوفيه فلم أستفد منهم سوى حرفين: أحدهما قولهم: الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك"، وذكر الكلمة الأخرى: "ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل"(16).
ويقول طيفور البطامي: "إن الليل والنهار رأس مال المؤمن، ربحها الجنة وخسرانها النار"(17).
وقال ابن القيم: "السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة، فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية، فثمرته حنظل"(18).
أما الوزير الفقيه يحي بن محمد ابن هبيرة - شيخ ابن الجوزي - فيقول:
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه
وأراه أسهل ما عليك يضيع (19)
ويقول الدكتور رضا ديب عواضه: "الوقت المفقود لايشترى بالنقود - وأمس لايرد وغداً ليس في اليد - كثير من الناس يظنون أنهم يقتلون الوقت، ولكن الوقت هو الذي يقتلهم" ويقول أيضاً:" ما ذهب فقد ولّى، وما هو آت فإنه غائب وإن كان دانياً قريباً، وأما الحاضر وحده فإنه ملك يدك"(20).
الاستفادة من الوقت:
حرص العقلاء على الاستفادة من الوقت، والأقوال والأفعال في هذا الموضوع كثيرة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول { قال لرجل وهو يعظه:"اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"(21).
وفي اغتنام الوقت، والاستفادة منه حتى في المواقف الصعبة وفي أصعبها وهو يوم القيامة، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله { : "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لايقوم حتى يغرسها فليفعل"(22).
فاستغلال الوقت حتى يغرس فسيلة وهي النخلة الصغيرة في مثل هذا الوقت دليل على أهمية الاستفادة من الوقت في كسب الثواب، وأداء عمل فيه خير.
ولقد كان أصحاب رسول الله {، ومن بعدهم العلماء حريصين على الاستفادة من الوقت في اكتساب العلم والمعرفة، أوعمارة الأرض، أو نشر الدعوة الإسلامية، فعن عمارة بن خزيمة قال: "سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك، فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غداً، فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسها، فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي"(23).
وهناك عدة وسائل لاستثمار الوقت فيما فيه كل خير للإنسان المسلم في الدنيا والآخرة.
1 فطلب العلم من أفضل الأسباب التي يمكن استثمار الوقت فيه، يقول الله سبحانه وتعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب 9 {الزمر: 9}.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله { يقول: "ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة"(24).
2 وكذا مجالسة العلماء الصالحين؛
3 الإصلاح بين الناس، وقضاء حوائجهم، وفيه فضل كبير من رب العالمين،
4 الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو أهم وظائف الرسل الذين بعثهم الله سبحانه وتعالى إلى الأمم، ومن سار على نهجهم من الصالحين، قال الله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون 104 {آل عمران: 104}
5 الأعمال التطوعية، من صلاة وصيام وغيرها من الأعمال الخيرية الشرعية التي أثنى عليها الله سبحانه
6 ذكر الله تعالى وهو من أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، وأفضلها ثواباً،
7 الدعاء، وشأنه عظيم، ونفعه عميم، وبه مناشدة رب العباد والتماس العون منه، واستجلاب النعم، وطلب دفع النقم،
8 صلة الأرحام، وفيها يقول الله سبحانه وتعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى" واليتامى" والمساكين والجار ذي القربى" والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم 36 {النساء: 36}.
أسباب ضياع الوقت:
1- الغفلة، وهي غيبة الأمور عن بال الإنسان، وعدم تذكره لما مضى من الوقت الضائع من عمره، وتركه ذلك إهمالاً وإعراضاً، وعدم التفكير في الإستفادة من وقته الحاضر أو المستقبل، وقد حذر الله سبحانه من الغفلة في قوله تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا 28 {الكهف: 28}.
2- الكسل، والكسل والغفلة توأمان يتولد منهما العجز إلا أن الفرق بينهما أن الكسول يبصر المطلوب ولكنه يؤثر الراحة على العمل، ويبرر كسله بالتسويف والإرجاء،
3- التسويف، وهو التأخير والتأجيل لعدم القدرة على سرعة الإنجاز لأي سبب من الأسباب، إما لأن الوقت غير مناسب، أو لوجود عائق يمنع ذلك؛ فهذا التسويف محمود. أما في حالة التسويف مع القدرة على الإنجاز؛ فهذا التسويف مذموم ومضيعة للوقت؛ ولذا أمر الرسول { بالمبادرة إلى استثمار الوقت وعدم التسويف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله { قال: "بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلاّ فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب منتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر"(38).
4- اتباع الهوى، وهو ميل النفس إلى ماتشتهيه وتحبه، وغلبة ذلك على القلب، ثم تسير النفس وراء هذا الهوى وتعشقه من غير تحكيم العقل،
5- طول الأمل، وهذا مرض يضم في ثناياه الغفلة، والكسل والتسويف، ويميل بصاحبه إلى حب الدنيا، والاشتغال بها، والإعراض عن الآخرة.
ا
14-02-2003 | 11:04 PM
[c]
بارك الله فيك ولك
ونفعك الله وبك
[/c]
بارك الله فيك ولك
ونفعك الله وبك
[/c]
أ
14-02-2003 | 11:36 PM
أخي ومشرفي الفاضل / أديب
بارك الله فيك ..
موضوع مميز من شخص مميز
لم استغرب بعد قراءة اسمك ..
لما عودتنا من جمال وروعة مواضيعك الشيقة
إطلاله رائعه وموضوع أروع
لك تحياتي ..
أختك /
أمــــــ قمر 14ـــــاني .
بارك الله فيك ..
موضوع مميز من شخص مميز
لم استغرب بعد قراءة اسمك ..
لما عودتنا من جمال وروعة مواضيعك الشيقة
إطلاله رائعه وموضوع أروع
لك تحياتي ..
أختك /
أمــــــ قمر 14ـــــاني .
و
15-02-2003 | 04:19 PM
جزاك الله خير اخي الفاضل
وهذا هو اديب الذي يفاجئنا بمواضيعه واتمنالك التوفيق والتقدم:)
وهذا هو اديب الذي يفاجئنا بمواضيعه واتمنالك التوفيق والتقدم:)
ا
15-02-2003 | 08:21 PM
لك كل الشكر على هذا الموضوع المتميز , جزاك الله كل الخير ونور قلبك .
تقبل مني كل الإحترام .
تقبل مني كل الإحترام .
ا
17-02-2003 | 06:53 PM
ياهلا باخى الكريم / ابو داحم
نفع الله بك وشاكر لك مشاركاتك وجهودك
أديب
ا
17-02-2003 | 06:56 PM
ياهلا مشرفتنا القديره / امانى قمر
جهودك وبصماتك على الركن الدينى واضحة كالشمس في رابعة النهار
لك كل الشكر والتقدير على تلك الجهود
أديب
ا
17-02-2003 | 06:58 PM
ياهلا باختى الكريمه / ليلة عرس
ياهلا ومرحبا فيك معنا في الركن الدينى وتواجد رائع لك وهذا
دليل الايمان الصادق في قلبك
اشكر لك مشاركاتك وجهودك
أديب
ا
17-02-2003 | 07:00 PM
ياهلا فيك اختنا الكريمه / العربيه
الحمدلله على عودتك الى الركن الدينى بعد اجازه سعيده وننتظر
جهودك ومشاركاتك لك كل الشكر والتقدير
أديب