[waver]http://www.fanateq.org/audio/mix_1/Nabarat.mp3[/waver]
بعد فتح مكة , قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب من أنحاء شبه الجزيرة العربية , فلما قدم وفد بني تميم دخلوا المسجد ونادوا الرسول صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد , فآذى ذلك الرسول , صلى الله عليه وسلم , صياحهم , فخرج إليهم فقالوا : يا محمد , جئناك نفاخرك , فأذن لشاعرنا و خطيبنا .
فأذن صلى الله عليه وسلم لخطيبهم (( عطارد بن حاجب )) فألقى كلمته , فأمر الرسول صلى الله عليه و سلم (( ثابت بن قيس بن الشماس )) فرد عليه بكلمة , ثم أذن لشاعرهم (( الزبرقان بن بدر )) فألقى قصيدة , وقام (( حسان بن ثابت )) شاعر الإسلام بالرد عليه , فماذا كانت نتيجة ذلك الحوار بالكلمة نثرا وشعرا ؟.
كانت النتيجة اندفاع بني تميم (( إلى اعتناق الإسلام )), فقد أحس الأقرع بن حابس وهو من أشراف بني تميم بأن خطيب المسلمين وشاعرهم قد تغلبا – بالحوار بالكلمة – على خطيبهم وشاعرهم , وأن قولهما كان أقوى وأعلى , وقد عبر عن ذلك حين قال : وأبي , إن هذا الرجل ((يقصد الرسول صلي الله عليه وسلم )) لموتى له (( أي أنه موفق له )) : لخطيبه أخطب من خطيبنا , ولشاعره أشعر من شاعرنا , ولأصواتهم أحلى (( أو أعلى )) من أصواتنا ...!
واقعة تستحق التأمل
هذه الواقعة من تاريخ الإسلام , لا ينبغي أن تمر دون أن نتناولها بالتأمل لاستخلاص ما انطوت عليه من دروس نافعة في مجالات (( العمل في الدعوة والتوجيه والتعليم والتربية والقيادة )) , لأنها تبرز بكل وضوح ما (( للكلمة )) وهي من أهم أدوات الدعاة , والمربين ورجال الإعلام في التأثير على الناس من تأثير في الاتجاهات النفسية لمن توجه إليهم , فنحن أمام عملية ((تحول جذري )) في العقيدة والاتجاهات النفسية لجماعة من البشر من النقيض إلى النقيض : من عبادة الأصنام , إلى عبادة الله الواحد رب السماوات و الأرض بتأثير (( الكلمة )) .
ولابد لنا هنا أن نتساءل عن السر وراء هذا التحول , وما المقومات التي حملتها كلمات أهل الإسلام فجعلتها تقهر كلمات أهل الجاهلية والوثنية ؟...
ولماذا كان خطيب المسلمين – بشهادة زعيم المشركين – أخطب من خطيبهم , وشاعرهم أشعر من شاعرهم ؟
التحليل و المقارنة
إننا نجد الإجابة على هذه التساؤلات عند تناول ما قيل في الحوار بالمقارنة والتحليل :
قال خطيب بني تميم : (( الحمد لله الذي جعلنا ملوكا , ووهب لنا أموالا عظاما , نفعل فيها المعروف , وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا , وأيسره عدة, فمن مثلنا في الناس ؟ ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم ؟ فمن فاخرنا , فليعدد ما عددنا .. أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا , وأمر أفضل من أمرنا ...)) .
من ذلك نجد أن دواعي فخر بني تميم على لسان خطيبهم هي أن أنهم ملوك , وأنهم لذلك لا مثيل لهم في الناس ... فماذا قال خطيب المسلمين ؟
قال ثابت بن قيس : (( الحمد لله الذي السماوات و الأرض خلقه , قضى فيهن أمره , ووسع كرسيه علمه ولم يكن شي قط إلا من فضله , ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا , واصطفى من خير خلقه رسولا , أكرمه نسبا , وأصدقه حديثا , وأفضله حسبا , فأنزل عليه كتابه , و ائتمنه على خلقه , فكان خيرة الله من العالمين , ثم دعا الناس إلى الإيمان به , فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه , أكرم الناس حسبا , وأحسن الناس وجوها , وخير الناس فعالا , ثم كان أول الخلق إجابة , واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن , فنحن أنصار الله ووزراء رسوله , نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله , فمن آمن بالله ورسوله , منع منا ماله ودمه , ومن كفر جاهدناه في الله أبدا , وكان قتله علينا يسيرا , أقول قولي هذا واستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات , والسلام عليكم )) .
هنا يتضح كيف أن قول خطيب المسلمين لا يمكن أن يتسامى إليه قول خطيب المشركين , فإن موضوع فخر المسلمين عبادة الله رب السماوات والأرض , ونصرة رسول الله , والجهاد في سبيل الله ...
وفي الحوار الشعري قال الزبرقان :
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا
إذا احتفلوا عند احتضار المواسم
بأنا فروع الناس في كل موطن
وأنه ليس في أرض الحجاز كدارم
وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا
ونضرب رأس الأصيد المتفاقم
( دارم : من بني تميم )
(المعلمون : الذين يضعون على رؤوسهم علامة ليعرفوا بها, وانتخوا أي تكبروا , والأصيد : المتكبر , والمتفاقم : المتعاظم , وكل ذلك تعبير عن الشجاعة ).
فشاعرهم يفخر بأنه ليس في أرض الحجاز مثلهم في الرفعة وبشجاعتهم في الحرب و الإغار, وكلها أمور (( عصبية جاهلية )).
أما حسان بن ثابت فقال في رده :
نصرنا وآوينا النبي محمدا
على أنف راض من معد وراغم
نصرناه لما حل وسط ديارنا
بأسيافنا من كل باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتنا
وطبنا له نفسا بفيء المغانم
ونحن ولدنا من قريش عظيمها
ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بني دارم لا تفخروا إن فخركم
يعود وبالا عند ذكر المكارم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا
ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
وهكذا نرى أنه – كما فعل الخطيب – يفخر بالإسلام ونصرة رسوله, وبشرف الجهاد , واسترخاص الأنفس والأموال في سبيل الله .
الدرس العظيم
1 – إن فخر المسلم بإسلامه واعتزازه بالانتماء إلى الأمة الإسلامية من أهم مصادر القوة والنجاح لكل ما يصدر عنه من قول وعمل .
2 – إن الإسلام ينزه المسلمين عن دوافع المفاخرة أو حب الظهور أو الاستعلاء على الناس , أو الرغبة في الحصول على ثنائهم , ويدعوهم إلى أن يبتغوا وجه الله وحده ,
ويكفي دليلا على ذلك أن المقاتل لا يستحق الجنة ولا يجد ريحها إلا إذا كان جهاده خالصا من أجل إعلاء كلمة الله , فقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم : الرجل يقاتل للمغنم , والرجل يقاتل للذكر , والرجل يقاتل ليرى مكانه , فمن في سبيل الله ؟ فقال (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا, فهو في سبيل الله )) رواه البخاري .
مـنـقــول :
سحر الكلمة في سبيل الله
ل
20-02-2002 | 01:37 AM