وفي حالات اضطراب الوسواس القهري في الأطفال يمكنُ أن يلاحظَ الوالدان بعض العلامات على الطفل تجعل من الحاجةِ إلى ملاحظة تصرفاته بشكلٍ أدق أمرًا لا بد منه ، وما أذكرهُ هنا هو بعضُ التصرفات التي قد تحدثُ من الطفل ولا ينتبه لها الأهل أو يفهمونها خطأً ويعاقبون الطفل لأنه لا يستطيع التوقف عنها ومن المهم بالطبع أن يمثل التصرف تغيرًا عن المعتاد بالنسبة لهذا الطفل :
1- ظهور ما يشبه الجير على اليدين من كثرة الغسيل بالصابون.
2- استهلاك كميات فوق المعتاد من الصابون أو ورق الحمام .
3- التأخرُ في الحمام لمدة أكثر من المعتاد .
4- البقاء لساعات طويلة أمام الكتاب دون قلب الصفحة وربما هبوط في الدرجات.
5- الإفراط في استخدام الممحاة وظهور ثقوب في الكراريس نتيجة لذلك.
6- الإطالة في الوضوء أو في أداء الصلاة.
7- تكرار السؤال لأفراد الأسرة ( عادةً للاطمئنان ) ؛ مع طلب الإجابة بكلماتٍ معينةٍ ليطمئن.
8- قضاء وقت أطول من اللازم في التهيؤ للخروج .
9- الإصرار على أن يكونَ آخرَ من يخرجُ من البيت بعد أفراد الأسرة لكي يكونَ بإمكانه مصاحبتهم.
10- الخوف المتكرر والمستمر على حالته الصحية أو حالة أحد أفراد الأسرة (كما يتضحُ من تكرار السؤال مثلاً).
ومن الأسئلة التي تفيدُ في بيان وجود الأعراض إذا أعطيت للطفل أو للمراهق في حالة الشك في وجود الأعراض القهرية خاصةً إذا كان هناك تاريخٌ أسريٌ لاضطراب الوسواس القهري أو اضطراب العرات أو اضطراب توريت :
1- هل لديك أفكارٌ أو تخيلاتٌ أو صورٌ تزعجكَ أو تقلقك ؟
2-هل تجد نفسك مرغمًـا على التحقق وإعادة التحقق من الأشياء ؟
3-هل تغسل يديك أو جزءًا من جسمك عددًا من المرات أكثر من الأطفال الآخرين؟
4-هل تعاني من الشك في إتمام الوضوء أو الصلاة بشكلٍ مضبوط ؟
5-هل تجدُ نفسك مرغماً على العد حتى رقمٍ معينٍ أو تكرار عمل الأشياء عددًا معينًا من المرات ؟
6-هل تجد نفسك مرغما على تجميع الأشياء التي عادةً ما يرميها الأطفال الآخرون؟
7- هل تحتاج إلى التحقق المتكرر من أن شيئًا بشعًا لم أو لن يحدث ؟
8- هل تحتاج إلى قراءة أو كتابة الأشياء أكثر من مرة لتتأكد من صحة ما قرأت أو كتبت ؟
9- هل تخاف من أن تقول بعض الأشياء التي لا تريد أو لا يصح أن تقولها ؟
10- هل أنت شديد الترتيب والحرص على أن يكونَ كل شيء في مكانه ، لكي لا يحدث مكروه؟
كيفَ نتصرف في المرحلة الأولى بعد اكتشاف المرض ؟
ولنفترض أن الأسرةَ عرفت أن أحدَ أطفالها يعاني من اضطراب الوسواس القهري ما هوَ الأسلوبُ الذي يجبُ اتباعهُ لكي يصلوا به إلى بر السلامة والأمان ؟ من المفروغِ منهُ بالطبع أن لجوءهم للطبيب النفسي هوَ أولُ ما يجبُ فعلهُ ، ولكنَّ الغرضَ الأساسي من هذا المقال هو بيانُ كيفيةِ التعامل مع الطفل الذي يحاولُ إشراكَ أهله في الطقوس القهرية ، سواءً أكانت في شكل أسئلةٍ يظلُّ يسألها ويكررها ويطلبُ الإجابةَ عليها لكي يطمئنَّ هل نجيبُ عليه ليطمئنَّ أم نتركهُ ليخبطَ رأسهُ بالحائط ؟ وإذا تمثلت الأعراضُ في شكل طقوس معينة في الغسيل أو الوضوء أو غير ذلك ، وماذا يكونُ ردُّ الفعل في حالةِ ما إذا طلب الطفل أو المراهق المريضُ من أعضاء الأسرة الالتزام بقواعدَ معينة في أدائهم للأنشطة اليومية العادية ؟
عادةً ما تتمثلُ المشكلةُ في خوف الوالدين على الطفل أو المراهق من أن يصبحَ مريضًا نفسيا ، ولعل لذلك الخوف ارتباطًا وثيقًا بالنظرة السلبية الموجودةِ في مجتمعاتنا العربية ، والموروثة أصلاً عن الغرب رغم ما يعتقدهُ الكثيرون من أن الغرب ليس لديهم مشاكلُ من هذه الناحية والحقيقةُ أن النظرة السلبية للمرض النفسي والطب النفسي بالتالي هيَ موروثٌ غربي تلقفتهُ المجتمعات العربية التي انفصلت عن تاريخها تماما.
المهم أن الكثيرين من الآباء والأمهات يطلبون من الطفل أو المراهق الكف عن أفعاله التي لا معنى لها وهم يتهمونه بأنهُ يستطيعُ أن يمنع نفسه وأن الأمرَ كله بيديه ! وهم في ذلك واهمون طبعًا كما أن بعض الآباء والأمهات يرون في قدرة الطفل أحيانًا على التحكم في أفعاله القهرية دليلاً على أن الأمرَ كلهُ بيديه ! وهذا ما يسببُ الكثيرَ من الألم للمريض ، وعلى العكس من ذلك نجدُ بعض الآباء ومعظم الأمهات يستسلمون تمامًا لكل ما يطلبهُ الطفلُ أو المراهقُ فيفعلونَ ما يريحُ ابنهم من العذاب بمعنى أنهم يشاركونهُ في إتمام الطقوس القهرية أو يلتزمون بالقواعد التي يضعها لهم فأنا أعرفُ أما كانت تغسلُ رغيفَ العيش الذي ستأكلُهُ بنتها بالماء والصابون ! ثم تقوم بتسخينه على النار لكي يكونَ معقمًا بالشكل الكافي !! وفي الحالة الأولى يتعذب المريض دون فائدة تذكر ، وفي الحالة الثانية يكتشف الأهل بعد فترة أن استسلامهم لأعراض ابنهم أو ابنتهم لا يساعدُ بل يضرُّ وينتجُ عنهُ تعميمٌ للأعراض وتضخيمٌ للمخاوف والشكوك وتعظيمٌ للشروط ، فمثلاً في المثال الذي ذكرته والذي كانت الأم تغسل فيه العيش لابنتها بالماء والصابون ثم تسخنه أصبح ذلك غير كاف من وجهة نظر البنت بعد ثلاثة شهور من ممارسة الأم لذلك ، وطلبت من أمها أن تستخدم الكحول الأبيض بعد الماء والصابون وهنا خافت الأم لأنها تعرفُ أن الكحول مسكر وكل مسكرٍ حرام! إذن الاستسلام لا يحل المشكلة.
والمطلوب من أعضاء الأسرة لكي يكونُ تصرفهم على مستوى المسؤولية هوَ إعانةُ المريض على مرضه دون تجريح ولا سخرية لأن المريض يجبُ ألا يلام كما أن العديدَ من ردود الأفعال الأسرية مثل الاهتمام المفرط والحمائية الزائدة Emotional Over-Involvement كما يتمثل في الاستسلام لرغبات المريض أو عكس ذلك كالانتقاد Criticism أو العدائية Hostility كما تتمثلُ في اتهام المريض بأنه يستطيعُ التحكم في تصرفاته ولكنهُ لا يريد أو إلقاءُ اللوم عليه فيما قد تتعرضُ لهُ الأسرة من مشاكل كل ردود الأفعال هذه التي يتركُ فيها أعضاءُ الأسرة العنان لانفعالاتهم قد ثبتَ أنها تضرُّ أكثرَ مما تفيد.
هل الوسواسُ القهري نوعٌ من الجنون
يعتبرُ هذا المفهوم أحد المفاهيم التي بدأت تتغير فيما يتعلق باضطراب الوسواس القهري، أما السببُ في ذلك المفهوم فيرجعُ إلى طبيعة الأعراض التي يبدو بها اضطرابُ الوسواس القهري من حيث انفصالها عن المنطق ومن حيث تحدِّيـها للإرادةِ لأن ذلك يوهمُ من يرى الأعراض دونَ أن يكونَ على درايةٍ بطرق التشخيص في الطب النفسي أن يعتبرها علامة على الجنون، والحقيقة أن مفهوم الجنون أصلاً غيرُ واضح عند الكثيرين بل إنهُ غيرُ محدَّدِ المعالم تمامًا في الفكر الإنساني كله
وهكذا رأى العربُ والمسلمونَ القدماءُ مريضَ الوسواس القهري الذي لا تفيدُهُ الاستعاذةُ بالله من الشيطان على أنه مجنون لأنهم لم تكن لديهم بالطبع فكرةٌ عن وسواس غير وسواس الشيطان ووسواس النفس ، فَفي بحثٍ عربي لطارق بن على الحبيب إثباتٌ لردِّ حالات الوسواس القهري إلى الجنون عند بعضِ علمائنا : يقول طارقُ الحبيب (: "كما اختلف العلماء في نظرتهم للوسواس ، فقد ذكر الجويني في التبصرة فـي الوسوسة أن الوسواس يحدث بسبب نقص في غريزة العقل أو جهل بمسالك الشريعة ، والذي يبدو أن معنى الوسواس عند معظم العلماء السابقين – رحمهم الله – معنى واسع يشمل جميع أنواع الوسواس التي ذكرناها ابتداءً لكنهم نسبوها جميعاً إلى الشيطان ولم يقبل أحد منهم – حسب بحثي – أن هناك وسواساً مرضياً سوى ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي عن أبي الوفاء بن عقيل " أن رجلاً قال له : أنغمس في الماء مراراً كثيرة وأشك : هل صح لي الغسل أم لا ، فما ترى في ذلك ؟ فقال له الشيخ أذهب ، فقـد سقطت عنك الصلاة . قال : وكيف ؟ قال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رُفـع القلم عن ثلاثة المجنون حتى يفيق ، والنائم حتى يستيقظ والصبي حتى يبلغ " ومن ينغمس في الماء مراراً ويشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون"
ويستكملُ طارق الحبيب كلامه مُعَلِّقًا : ولا أدري حقيقة هل أراد أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله تأديب السائل وزجره بجوابه ذلك أم أنه يرى حقيقة أنه مريض وإذا قبلنا الثانية فإنه يبدو أن معظم هؤلاء العلماء لم يكونوا يتعاملون مع الحالات الشديدة من الوسواس على أنها حالات وسواس مرضي خارج عن إرادة الفرد ، وإنما على أنها لون من الجنون أو نقص في غريزة العقل كما مر بنا."
وأما في التراث الغربي القديم إنجليزيا أو فرنسيا أو ألمانيا أو إيطاليًا فقد كانتْ المسميات التي يطلقونها على أعراض الوسواس القهري كلها تشيرُ إلى ربطه بخلل منطقي أو بالهذاءات أو الوهامات Delusions والتي هيَ حجرُ الزاوية في تشخيص الجنون ؛ وكذلك ربطوهُ بجنون الاضطهاد Paranoia؛ ومنهم من اعتبرَ الوساوس وهامات في مرحلة التكوين، وظل الوضعُ الفكري الغربي كذلك إلى أن بدَأ النصفُ الأول من القرن العشرين وعرف جانيـه Janet وكورت شنيدر K. Schneider علة الوسواس القهري تعريفًـا يركزُ على وجود البصيرة عند المريض (أي المعرفة بتفاهة أو عدم منطقية أفكاره أو أفعاله القهرية وبناءً عليه مقاومته لها)؛ وذلك ما يجعلُ مريض الوسواس القهري مختلفًا عن مريض الذهان بأنواعه أو الفصام إذا أردنا التحديد؛ حيثُ كانت المشكلة التي تواجه الطبيب النفسي عندما يفكرُ بطريقة شنيدر هيَ "وماذا يكونُ التشخيصُ إذا لم يكنْ مريضُ الوسواس القهري مقتنعًا بتفاهة أو عدم صحة أفكاره التسلطية أو أفعاله القهرية ؟ " وكانتْ الإجابةُ حسب تعريف شنيدر هيَ أن المريض هنا قد أصابهُ الجنون أو الفصام بشكل أدق!، إلا أن الملاحظات السريرية للأطباء النفسيين لم تكن تتفقُ مع ذلك لأن نسبة لا يستهانُ بها من مرضى اضطراب الوسواس القهري يقتنعون بعد فترة من المعاناة بأن وساوسهم صحيحة أو أن أفعالهم القهرية صحيحة ولكنهم لا يظهرونَ أعراض الفصام ولا يستريحُ الطبيبُ النفسيُّ لتشخيصهم بالفصام ؛ وهناك أيضًا من اعتبر أن هؤلاء يمثلون مجموعة من المرضى يقعون بين الوسواس والذهان أو الفصام أي تحمل أعراضهم بعض صفات الوسواس أو الفعل القهري وبعض صفات الهذاءات أو الوهامات.
ومريض الوسواس القهري يريحُ الطبيبَ النفسي طالما ظل محتفظًا ببصيرته التي تعني رفضه للأفكار التسلطية أوالأفعال القهرية في نفس الوقت الذي يشتكي فيه من عدم قدرته على وقفها أو منعها رغم محاولته المستميتة أن يتخلص منها ؛ لكنه يحيرُ الطبيبَ النفسي إذا ما بدا مقتنعًا بالفكرة الخاطئة التي هيَ وسواسه أو بمعقولية فعله القهري وهو بذلك يتوقفُ عن المقاومة لأنه إن فعل ذلك أصبحَ شبيهاً بالمريض الذهاني ، هذا هو أصل المشكلة التصنيفية التشخيصية للوسواس القهري ؛ إذن فقد مرَّ التفكير في الطب النفسي بمرحلة كانتْ تجعلُ المريض بالوسواس القهري مريضًا مُـخْـتَـلَـفًـا على تشخيصه أو ضمه مع العصاب أو الذهان ؛ لكنَّ الواضحَ من كل هذا الكلام أنهُ حتى الطبيبُ النفسيُّ كانَ معرضًا للتأثرِ بذلك المفهوم.
وأما ما وصلَ إليه التفكيرُ بعد ذلك فهوَ أن الصورةَ المرضية للوسواس القهري هيَ صورةٌ قائمةٌ بذاتها ربما وقعتْ خارج العصاب وخارج الذهان وربما احتوت على صفات من كلٍّ منهما؛ وربما تأرجح المريضُ بينَ كليهما ؛ والملاحظات السريرية في الواقع تقول ذلك حيثُ تصل نسبةُ مرضى اضطراب الوسواس القهري الذين يقتنعونَ بصحة وساوسهم أو أفعالهم القهرية أو يكفونَ عن مقاومتها سواءً كان ذلك في مرحلة مبكرةٍ أو متأخرة من اضطرابهم إلى ما بينَ 15,5% و17,7% وربما أكثر من ذلك؛ وأما إجابة السؤال الأصلي وهوَ هل الوسواس القهري نوعٌ من الجنون ؟ فلم يعد أحد يبحثُ عنها لسبب بسيط هو أن الجنونَ أو الذهانَ كمفهوم لم يعدْ من المفاهيم التي تقسمُ الأمراضُ النفسية على أساسها كما كانَ الحالُ في الماضي.
الكاتب: أ.د.وائل أبو هندي
