مـــــهــوى الأمـــــــــــــانـــي

عضوة 14-05-2005 13 رد 1,936 مشاهدة
ع
[align=justify]قصتي هذه ارتسمت أحداثها واقعا يدهش في جرأة القلم كلما أعدت مسلسل أحداثها ... هي معزوفة للحب الحقيقي نثرها أصحابها فوق قمم أحد الجبال المطلة على مهوى أمانيهم .. ذاك الحب النقي الذي لايعرف حدودا ولا يقاس بالقليل ولا الكثير او مما عرف البشر من موازين .. ذلك الحب الذي لاتني اراوحنا ترومه أبدا وان أنكرت حاجتها اليه .. معزوفة تتهادى اصدائها بين عوالي الجبال ثم ترتمي غافية في أحضان بحيرة طالما داعبت صفحة مياهها نظرات تبحث عن لحظات هدوء وصفاء تهرب بها من ضجيج مطالب المدنية التي تأد حتى التفكير في الحب ..

في مثل هذه الايام أعتدت أن اواكب زرافات الهاربين من سموم الصيف الى نسيمات كم عهدتها وعهدت ماتحمل في طياتها من عبير أكثر من خمسين نوعا من الأزهار والنباتات البرية فوق جبل كان الفرنسيون قد أعدوا في عاليته منتجعا لهم يأوون اليه كلما الجأهم صيف آب الذي نهاره لايوصف الا أنه كليل أيلول في طوله وقسوته ... وليس هذا الجبل من بنيات الألب بل هو عربي عروبة اهله .. يحتضن قرى لا يعرف اهلها غير العربية لغة رغم انهم يطلقون عليه تسمية امبراطور روماني ورغم الرائحة المتميزة للقرميد الأحمر الذي تعتمره ابنيتهم فيجعل منها بيوتا مهاجرة .. يلتف حول هذا الجبل نهر لا يتميز الا بعناده وهي صفة لازمته منذ الأزل حتى في تسميته القديمة ربما لأن الماء لا يؤخذ منه الا بشق الانفس لانخفاضه في مجراه أو لأنه يعاكس انهار قارته في وجهة جريانه .. تداعب قمم جبلنا ذاك شوارد الغيوم في أغلب أيام السنة فتراها تقبل عليه تترى حتى اذا ناطحها تفرقت عنه كشتات الصيد حتى لايتبقى منها الا رذاذ ندي يداعب وجوه ساكنيه ..

أعتدت ان أسكن هناك في شقة لها أطلالة تبعث في نفسي كل معنى للرومانسية المطلقة أذ لا يرى منها الا بحر أخضر مترامي الأطراف ... وفي الليل عندما ارى ضوء سيارة تخترق الغابات المترامية على سفوح الجبال قادمة الى تلك القرية اخالها سفينة شراعية تتهادى فيه وقد علق في وسطها فانوس يتمايل مع صاريها .. فاتابعها وتظل تلك الصورة مرتسمة فأجد متعة حقيقية في القدرة على قلب الحقائق ورؤيتها بصورة شاعرية وجمالية أكثر .. وفي الصباح تشرق الشمس من بين قمم الاشجار الباسقة التي تعتلي قمتي الجبلين المقابلين كأنما هي طفل يرمقني باستحياء من وراء ابويه .. وعندما تكتمل استدارتها تدب الحياة في شوارع القرية السياحية ببطء وهدوء كأنما أرواح الناس تمدها الشمس بالطاقة رويدا رويدا ..
يتنامى الى مسامعي وانا أجاري مراحل انبعاث الحياة في الشوارع المجاورة نداء باسمي .. أتطاول بعدها سياج الشرفة فأرى جارتي العجوز تهز الي بفنجان القهوة الذي تكاد رائحته الزكية تطغى على عبق ازهار الشرفة .. اسارع بالنزول لتلبية دعوة الجارة التي يفرق بيني وبينها ركام من التقاليد والمفاهيم و .. والسنين .. لكن تجمعنا ابتسامات وتحايا الصباح المتبادلة ... تلك العجوز تلامس شغاف القلوب بابتسامتها التي لاتنمحي عن محياها القروي البسيط وتسامحها مع كل من يعرفها حتى أن كل أهل المصيف ممن يمرون أمام البيت لابد ان يلقوا تحية حارة عليها لينعموا برد تلك الابتسامة التي يرى فيها كل ناظر اليها ابتسامة الأم الحانية لولدها .. ولفرط بساطتها في التعامل يفاجا المرء اذا عرف انها تجيد اربعة لغات غير العربية ولها المام بامهات القصص والآداب العالمية ... اتمنى حقا أني كنت قد واصلت هواية الرسم التي وهبتها في صغري وصرفت عنها فيما بعد .. فلو كنت مبدعا بعد ذلك وجها لرسمته لتلك المرأة فاني اعلم حقا كيف هو جمال الوجه الحزين على خلفية وجه مرح مبتسم فهي لوحة قد رسمتها الأيام ولكنها تحتاج فقط لمن يوقفها ليتأملها الناس بعد ذلك وما أحسب مبدع الجيوكاندا (الموناليزا) الا قد فعل هذا ..

نزلت اليها والقيت اليها التحية فرسمت ابتسامة لايرى ماورائها من غيوم الحزن الا شاعر وأديب .. بعد ان ارتشفنا فنجانينا على مهل حدثتني عن حفيدة جديدة لها فوجئت بها عندما اتت اليها في بداية الشتاء ولها من العمر ثلاثة سنوات .. بدأت تتحدث عنها بلهفة ثم احضرت صورا كثيرة كانت فيما مضى تريني اياها حتى خلت انني بت اعرف اصحابها حقيقة وبيانا وليس من خلال تلك الصور فقط .. كانت لاولادها وبناتها واحفادها .. كانت تتحدث الي عن كل صورة الا بضع صور منها لشاب وسم الطلعة كانت دوما تتجنب الحديث عنه .. بدأت باستعراض صور حفيدتها الصغيرة .. وفي لحظات وجدت نفسي محلقا في اجواء احد الصور .. كانت لذلك الشاب وهو واقف الى جانب فتاة سبحان من صورها فأبدعها .. وحقيقة لفت انتباهي في الصورة أنه قد كتب عليها بخط جميل "بحثت عنك في سطور صباحي ومسائي ول اجدك صوتا يداعب يومي .. وجدتك روحا ترافقني .. تحشر نفسها في زوايا تفكيري وتعتصم حول بوابات عقلي .. سأكتبك حرفا في قلبي .. سأزرعك نورا في دياجير أحلامي .. وأكتب فرحتي بك ديوانا .. يامن ظل ينتظر لهفتي ويقبل اشواقي .. أحبك"

سألت جليستي ..
- الن تخبريني من هذا يا أماه ؟!

حانت منها على غير انتباه تنهيدة تخال مصدرها سنين من الألم وليس صدر أم تنتظر رؤية ابنائها واحفادها ... ودمعة تخال مصدرها حزن الارض جميعا لا عين أم تنظر كل يوم الى الطريق تنتظر ان يفاجأها ابنها يجري بكل اللهفة الى أحضانها بعد ان كاد اليأس يلامس هامة الأمل في قلبها ...
لم أكن أعلم بأن الصورة لابنها الذي كانت له ولتلك الفتاة قصة لاتبدعها الا خيالات الأيام ... بســــام و ندى ..

ارتسمت على وجهها نظرة اختصرت فيها سنينا من المآسي على مابدى لي واختفت خلفها تلك الابتسامة الآسرة .. وحانت منها تنهيدة خلت بأنها لو تجسدت غيوما لأظلمت بالقرية كلها ..
- انه ابني .. بسام .. انه ولدي الوحيد اما الباقون فهم ابناء زوجي ..
- حقا !! .. من يرى كيف تتحدثين عنهم يعتقد انهم ابنائك ..
- الأم من ربت ياولدي .. ليست من ولدت ..
- صدقتي .. ولكن لم أسمع منك كلمة من قبل عن بسام .. هل هو ؟!!
- لا انه حي يرزق
- واين هو يا اماه الآن .. هل هو مغترب كباقي اخوته اقصد ابناء زوجك ..؟!
- لا .. بل يقطن كوخا خشبيا في ذلك الوادي الكبير الذي اسفل منا ..

رفعت رأسها والدمع يكاد أن يتقافز من عينيها ليحتضن ذلك الوادي .. لاحظت الدهشة التي احاطت بكل الفضول لدي وجسدتها نظراتي اليها والى ذلك الوادي ..
- يبدو انك يابني تريد نكأ الجرح في قلب ام وحيدة مسكينة ..
- لاعليك .. أعتذر عن سؤالي هذا .. لن اسأل اكثر ..
- لا .. بل اريد الكلام .. لعلي اجد لديك مايواسيني يابني .. ولكن لا اظن ان ما اقوله يستهوي سائحا اتى ليتناسى همومه .. ولكن بت والله يابني اشعر بأن لك في قلبي مكانا مثل ابنائي .. بل استطيع ان اجزم لك بأن كل اهل القرية يقدرونك و يشعرون انك من ابناء قريتنا .. فليسع قلبك يابني قصة آلام أم تحمل من الأسى مقدارا ربما لايوازيه الا القليل مما سمعت وقرأت من قصص ..

بدا علي الفضول التام .. ازحت بثقلي الكرسي الذي اجلس عليه الى حيث تجلس هي وقد ارتفقت سياج حديقتها الذي كان يطل على شارع صغير .. كان عدد المارة فيه قليل جدا وكان بدوره يطل على واد لايكاد الرائي يتبين قاعه لتشابك اشجاره ... كنت بحركتي تلك كأنما اقول لها "سأكون مستمعا يلتقط كل كلمة تقولين"

- نشأت يابني بين ابوي واخوتي في بيت ثراء .. نسكن هذا البيت وتسكن معنا السعادة التي كانت تملأ قلوبنا وعقولنا .. كانت حياتنا بسيطة جدا وكنت لا أجيد من الحياة الا اللهو والمرح اذ كنت مدللة ابوي الاولى رغم شدة ابي و حزم امي في تربيتنا .. كانت امي لا تسمح ابدا بان تساعدنا الخادمات القرويات في اي من اعمال البيت التي تتعلق بنا .. اذكر مثلا انها كانت تصر دوما على ان نقوم نحن بترتيب اسرتنا و ملابسنا وكانت تقول " ربما ياتي يوما تحتاجون ان تفعلوا ذلك بانفسكم فعليكم ان تتعلموا من الآن ان تتعودوا على خدمة انفسكم بأنفسكم" .. عدا ذلك كنت مدللة ابوي الاولى .. لم يكن هناك تقدير قوي في ذلك الوقت لأهمية تعليم الفتاة .. لذا فقد خرجت من المدرسة باكرا وكنت أقضي الوقت في القراءة لأمي وترتيب اوراق ابي وكان يمازحني دوما بتسميتي سكرتيرة له .. عشت طفولتي كما يحب أي انسان ان يعيش ويتنفس فرح الطفولة .. أتدري كنت مدللة القرية كلها .. فاذا ماتجولت في الحدائق والبساتين لا ارى في عيون اهلها الا الحب والحنان .. حتى ان شيخا كبيرا كان لديه حديقة صغيره وكان يكره الاطفال بسبب شقاوتهم وعبثهم فيها وكان كل الاطفال يهابونه لشراسته معهم الا انا .. فما ان يراني حتى يقتطف شيئا من ثمار الحديقة او خضرواتها ويناولني اياها من خلف السياج ثم يحادثني والابتسام يملأ وجهه .. رغم انني لم أخلو من شقاوة الاطفال .. اذكر مرة انني قفزت وراء قطة من فوق جدار عال لانني رايتها تفعل ذلك فظننت انه حتى بامكان الآدمي فعله وارتطم وجهي بالارض واحسست كأنما اغمي علي فحملني ذلك الشيخ الى اهلي وظللت اعاني الصداع شهرا ..

تبادلنا الضحكات على ذلك الجزء المرح من الذكريات الا انني رأيت في عينيها ماينبيء بأن هذا مقدمة فقط لمأساة سوف يستقبلها قكري بعد قليل من عيني جليستي ..

أشارت وهي تبتسم الى آثار جرح قديم في جبينها والذي تسببت فيه تلك القفزة .. ثم اتشح وجهها بجلال لا نراه على وجوهنا الا اذا حلق بنا الفكر في اطياف الحب وخارج حدود عالم المادية التي نعيشها ..

- كبرت وظلت احلامي ساذجة بريئة .. ثم كان لقلبي موعده مع الحب .. ففي ليلة زفاف احدى عماتي اتى اقاربنا ومعارفنا من المدينة وكان من بينهم اهل "واصف" .. كنا نرى ابناء المدينة جريئين في تعاملهم معنا و تحس بالكبر يكاد يظهر جليا في كل حركة لهم وفي كل كلمة يخاطبوننا بها .. الا "واصف" .. كان شابا خلوقا جدا .. تأسرك ابتسامته بحق .. كانت الفتيات يختلسن النظر اليه ليس فقط لوسامته ولكن لرؤية تلك الابتسامة الساحرة التي ما ان ترتسم على وجهه حتى تخال بأنك تعرفه منذ زمن بعيد وبأن بينك وبينه ألفة لا تعرف لها سرا .. كنت اسمع تلك الهمسات التي تدور بينهن عنه وعن ثقافته وأدبه اللذين كانا يبهران حتى شيوخ قريتنا المتزمتين .. وحدث مرة ان تصادفنا في احد البساتين التابعة لنا .. والتقت نظراتنا وتلاقت ارواحنا .. وبدأت قصة حب جعلت كل شيء في القرية يبدو مختلفا بالنسبة لي .. كسر الحب في قلبي كل معنى للجمود والرتابة في المشاعر .. بت ارى في تغريد الطيور الحانا مختلفة .. وفي حفيف الاشجار ولمعان نور الشمس من بينها معنى مختلف .. بت أحس بفصول السنة وتغير الوقت اكثر واكثر .. بل انني بت انظر الى قريتنا الغافية على سفح هذا الجبل والى النهر والى البحيرة بابهار كأنما لم أرها من قبل .. تنامى بحب "واصف" كل الجمال في نفسي .. فأحسست ان جمال الروح في سيطغى على جمال الوجه الذي كان مضرب المثل بين ابناء قريتنا .. دأب واصف على زيارتنا في الصيف وفي الاجازات .. كنا نتماشى بعيدا عن اعين الناس بين الاشجار فلم ارى منه الا الخلق الراقي والاحترام المتبادل .. كان معتدلا حتى في كلمات الحب التي اسمعها منه فقط في لحظات لقاءنا او وداعنا .. أتدري كنت في لحظاتي الحالمة عندما اكون بصحبته أود لو يختطفني ونمضي بقية العمر بعيدا عن الناس في بطن ذلك الوادي .. بالمناسبة دأبنا على طقس غريب في وقتها .. كنا في اول اللقاء في زياراته في فصل الربيع نذهب الى جرف كبير يطل على الوادي ونجمع بعض الورود ثم نلقي بها الى قعر الوادي .. أتدري ماذا كانت تعبر عنه .. انها امانينا التي نلقي بها الى الايام القادمة حتى اذا مالتقيناها بعد تكون قد كبرت فرحتها في انفسنا .. كنا نتعاهد دوما في تلك اللحظات ان نكون لبعضنا ..............


يـــــــــــــــــــــــــتــــــــبــــــــع .....................
ا
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لي الشرف أن أكون في مقدمة القارئين والمتابعين
فكلماتك وفلسفة حوارك ذكرتني بفلسفة الأخ الكريم
شجاع القحطاني
وكم كانت تروق لي تلك الفلسفة التي تبحر بك أبعد مما تتصور
فتنقلك من مكان إلى آخر ومن زمن إلى آخر وأنت لا تزال تقرأ نفس الموضوع
تميز في الطرح وحتى في إختيار الكلمات والعبارات

في انتظار البقية

أختك
المرتحله
ع
المرتـــــحلة

ولأخيك شرف أن تحجز أخته المرتحلة مقعدا أماميا بالقرب من مهوى الأماني ...
أحسب يا أخية بأن "شجاعا" الذي ذكرتي أحد اعضاء المنتدى واذا هو على قدر أدبي أتمنى أن أجاريه فيه ان شاء الله ولاغرو فقد شهدت له المرتحلة واتمنى أن أحظى بمثلها ان شاء ربي ...

كلمات تعتز بها كلمات أخيك وتهنأ وكرم أخوي من لدنك يبعث الحماسة الكافية لرسم بقية أحداث قصتنا بكل فخر ...

أدام الله عليك السعد أخيه رفيقا وحفظك من كل سوء ..
ش

اخي وليد
سرد رائع واختيار للكلمات
اروع وتسلسل جميل ..
واصل اخي ونحن نتابع
سلمت وسلم قلمك...
لك اطيب التحايا
ش

افتقدنا هذا الأَرج من الابداع فوجدناه هنا

يفوح عطره بين اسطر القصه الأنسانيه

لك مني كل التقدير ولاحترام

وانا في انتظار التالي بلهفه القارئه الشغوفه
ع
[align=justify]شجــــونـــــة

ومرحى لك أخية بين جمهور سلمـــــى و وليد ...

بكم تكتمل القصة أحساسا يتلقى ويبقى عل وليد أن يرسمها حدثا
ع
[align=justify]شـــــــرفة القمــــــر

لكم يهدى أجمل ضوع و أعذب كلمات ... سعدت بكم الحروف أخية و اكتملت بكم حماستها لتنثر نفسها في هذا المتصفح في ابهى حللها ... لكم يسعد الحرف أخيه اطراء كهذا وهو والله كثير لكن يابى أهل الفضل الا زيادة الكرم ..

آمل أن يكون القادم من نثر القلم على قدر أدبية قراءه ولهم ينثر القلم أفضل مالديه أدبا ان شاء الله
ع
[align=justify]ومضت الايام .. وسافر هو لاكمال دراسته في الخارج .. ولم تنقطع رسائله ولا زياراته ..
لكن بدا ان الاحزان قد تذكرت بيتنا .. فمرض ابي ... ودخل الى المستشفى في المدينة .. اضطررنا انا واخوتي الصغار ان نكبر ونتعلم ان الحياة ليست مأطرة بالفرح دوما .. أذكر كيف كنت أساعد امي في القيام باعمال ابي .. كنا نعمل كخلية نحل مع الفلاحين الذين يعملون في بساتيننا .. ننظم اعمال الري والزراعة وونقل المحاصيل الى المدينة والميناء .. تعرضنا لمشاكل لاحصر لها ولكن كنا في النهاية ننجح ولم يختل توازن اعمال ابي ابدا بفضل عزيمة امي ووقوفنا الى جانبها .. أذكر كيف كنت أنزل الى المدينة كل يوم لزيارة ابي لأقرأ له وهو في المستشفى .. وتلك المواقف المحرجة التي كنت اتعرض لها في الطريق وفي المدينة خصوصا عندما يتأخر الوقت ..
توفي ابي وكادت تركته تضيع بسبب اطماع اعمامي لولا قوة شكيمة أمي وتصديها لهم مع خالي الذي كان والدي الثاني ..
وبعد مدة تقدم اهل "واصف" لخطبتي له .. ظننت حينها بأن الفرح قد عاد لاحتضاني وبأن العهد سوف يجسد حقيقة واقعة .. وافقت امي .. وبينا كنت اعد ترتيبات الزفاف .. اتى معول الكراهية ليقتلع تلك الآمال بارتباطي بحبي الاول والأخير .. اذ عمل اعمامي على نقض خطبتنا انتقاما من امي و قد فت في عضد امي أن خالي كان يؤيدهم في ذلك لانه كان يرى بأنني يجب ان أبقى في القرية لأشرف مع اخوتي على تركة ابي .. اتشح ثوب زفافي بالسواد وبقي معلقا كأنما يغيض في نفسي لحظة أمل وفرح .. وتدهورت حالتي الصحية الى ان دخلت المستشفى .. لا أزال اذكر كيف بكى خالي ندما عندما زارني ورأى حالتي تلك ..
حاول اصلاح الامر ولكن الوقت كان قد فات وتزوج "واصف" من امرأة اخرى .. وفي ايام اليأس تلك تقدم لخطبتي شاب من اقاربنا يقطن اهله المدينة .. كنت في ذلك الوقت لا احمل قلبا فما اشترطت لقبوله من شروط القلب في شريك الحياة شيئا .. الى هذه اللحظة يابني لا اتذكر كيف تم الامر !! .. ولكني وجدت نفسي الى جانب ذلك الرجل في ثوب زفافي الحزين .. اذكر تماما انه لم يكن باديا علي لا فرح العروس ولا حزن المكلومة في حبها .. نعم كنت امشي بلا قلب ..
فجعت بهذا الزوج عندما كان يمشي الى جانبي في يوم الزفاف اذ لاحظت امي انه لايضع يده في يدي فأمسكت بأيدينا لتجمعهما واذا به وبحركة غبية همجية ينفض يده من يد امي ويدي وينظر اليها بشزر .. كاد ان يغمي علي بسبب تلك الحركة التي كانت عنوانا لشخصية خالية من الاحساس .. بل شخص أرعن وساذج الى ابعد حد وخصوصا في تعامله مع النساء ... عرفت في الايام الاولى من زواجنا ومن خلال فضوله واسألته المباشرة عن ثروة ابي انه تزوج بي فقط طمعا بها .. حتى انه كان يردد باننا ما ان نعود للقرية حتى يتولى اعمال ابي التي كنت انا المسئولة عنها ..
وفي ليلة من اول شهر في زواجنا .. اكتشفت الأدهى .. أنني تزوجت بمدمن خمر .. سكير يتحول الى طفل بصراخه و عربدته في كل ليلة .. وعزمت على الخلاص منه ...

- عدنا للقرية بعد شهر من معاناتي مع عزيز (كان هذا اسمه) .. لاحظت أمي على وجهي تلك المعاناة وقرأت من عيناي تلك المعاناة يوما بيوم ..

سكتت محدثتي قليلا وبدا انها كانت مترددة في تلك الجزئية الآتية ولكنها عزمت على البوح بها الي ..
- أتصدق يا وليد بأنه قبيل مغادرتنا المدينة دعا صديقين له إلى الشقة التي كنا نقطنها وادعى أنهم سينهون بعض الأعمال حتى يتسنى له قضاء بعض الوقت معي في القرية .. أوصلني في ذلك اليوم إلى بيت أهله وعاد ليستقبل أصحابه وقال لي بأنه سيعود ليقلني بعد أن ينهوا عملهم .. وحدث أن أتى إلى أمه زوار من أقاربهم ولما كنا لا نعرف بعضنا آثرت العودة إلى شقتي وأقلني أخو زوجي للبيت.. عدت باكرا في المساء .. ما إن دخلت البيت حتى سمعت ضحكات الرجال الثلاثة تتعالى بصورة هستيرية .. خفت وتوجهت إلى غرفتي فورا واقفلت الباب بعد أن أدركت بأنه كان وأصحابه في حالة سكر شديد .. طرق عزيز الباب علي وطلب بأن احضر لهم طعام العشاء .. آه يا وليد .. كم ملأني الرعب في تلك اللحظات عندما توالت طرقاته القوية على الباب وأصحابه تتعالى ضحكاتهم .. كنت أتخيل بأنهم سيكسرون الباب وأكون فريستهم ولكن أحمد الله بأن أخا عزيز صعد ورائي لأنه أراد أخاه في موضوع ما .. طرد السكارى من الشقة وعدت معه .. في اليوم التالي أتى عزيز يعتذر وهو يكيل الوعود بأنه سيقلع عن الشراب وأنها كانت زلة ..

تحشرج البوح في صوت جليستي حتى آويت لها من اتمام قصتها على ما أثارت في من فضول ... تحاملت الكلمات على الخروج من فمها ترافق آهات يتقطع لها قلب يحوي ولو القدر الضئيل مما يميز الانسانية من احساس
- آآآه .. زلة أن تهدر كرامة زوجتك وتملأ قلبها بالرعب !!! ..

- ان كنتي يا أماه تريدين التوقف لكي أعد لكي فنجانا من القهوة فعلت

ابتسمت وما كنت أخالها قادرة على الابتسام ووافقتني .. ساعدتها في اعداد القهوة وعدنا الى جلستنا وعاد البوح الحزين .. توقفت محدثتي لبرهة عن الكلام أدامت النظر فيها إلى مكان معين من الحديقة يقع خلفي تماما .. نظرت الى الخلف فلم أرى أحدا وأدركت حينها بأنها تستعيد ذكرى لحظات بعينها ... وسرعان ما أكدت لي ذلك عندما قالت ..

- عدنا للقرية .. ولم استطع كتمان الأمر .. في ذلك المكان خلفك أذكر كيف جلسنا انا وعزيز مع خالي ... واتخذت قراري الخاطيء الثاني .. بان اعطيه فرصة اخرى ... كان ممثلا بارعا في اعتذاره ووعوده فصدقناه .. ولكن بعد مدة من بقائنا في القرية أدركت بأنني قد أضعت مستقبلي مع انسان لايرى في الا ما ورثت من ثروة أبي اذ ثارت ثائرته عندما أدرك بأنه بوجود خالي وأمي لا فرصة له لنيل مراده من مال أبي .. وأدركت بأنني يجب فعلا أن انهي علاقتي به قبل أن يدمرني ..
ولكن فات الآوان .... بشرتني امي اثر اعراض الحمل بأنني سأكون اما عما قريب ... وأتى بسام للدنيا .. ومضت السنوات سراعا قضيناها في المدينة .. توفيت فيها أمي وفقدت فيها وجه الحنان في دنياي .. وبقيت مع زوج لم أسمع منه كلمة حب في يوم بل كان يتعمد أغاضتي لأتفه الأسباب واذا لم يجد سببا كان يخرجني عن طوري بعباراته الاستهزائية من مثل " اهلا بابنة الجاه والعز" يتهكم فيها علي وكأنه يرى بأني ظلمته اذ لم استأمنه على ثروة أبي .. لا أدري ياوليد كيف نفسر تفكير عديمي الضمير الذين يرون أن لهم حقا في أموال الناس لم يفرضه لهم لا قانون ولا شرع ولا منطق .. كنت أكتم ثورات الغضب في قلبي في كل مرة .. وكان لا يمضي نهار حتى يسمعني فيه كلماته تلك .. كنت أحيانا أحتضن بسام وانا ابكي بمرارة وادعو الله بأن يخلصني من تلك الحياة ..
مع الأيام بدأ اخي الصغير بتولي امور تجارتنا ومزارعنا فأغاض ذلك عزيز وبدأ بمطالبتي بمساعدته في بدأ مشروع يؤمن له دخلا أعلى وحاول الضغط علي بتهديدي بأنه سيطلقني ويحرمني من ابني .. أقنعت الجميع بأن نعيره جزء من ارثي وكنت آمل بأن مطامعه ستخبو اذا ماوفق في عمل ما .. وحتى أضمن عدم عبثه اشترطت عليه أن يعمل معه أحد موظفي ابي .. ولكن علمت من ذلك الرجل بأن عزيزا قد بدا بتبديد المال في المواخير وعلى طاولات القمار في الخفاء ...
تأكدت بنفسي من ذلك الأمر .. فأخذت ابني وعدت للقرية وصارحت أخي وخالي بالأمر .. فقاموا بتطليقي منه وعندما حاول أخذ ابني مني تصدى له خالي وهدده بأنهم سيفعلون المستحيل للتنكيل به ان لم يبتعد عنا .. لكن .. اكتشفت بأنني حامل للمرة الثانية .. وكانت هذه المرة بنتا .. وبعد سنتين من طلاقنا حدث أمر جعلني أعيش مع الأحزان بقية عمري .. اذ تجرأ عزيز واختطف ابنائي في غيابي بعد ان ادعى للخدم بانه سيأخذ الاولاد ليلعب معهم قليلا ويعيدهم .. كان قد أعد العدة لمغادرة البلاد مع الاولاد بعد ان تعرف على امرأة في الخارج وتواعدا بالزواج .. بالتأكيد كان دافعها الوحيد للارتباط به هو أمواله .. أو بالأحرى بقية مالي الذي أعرته اياه .. في طريق هروبه من القرية تمكن بسام من الإفلات منه ودخل بين البساتين التي تحيط بالطريق .. جرى عزيز خلفه ولكن سقوط بسام من منحدر عال جعله يظن بأن بساما قد قضى فأكمل طريقه .. أتصدق بأن قسوة قلبه ورغبته الشديدة في الانتقام مني لم تمنعه من ترك ابنه من غير حتى ان يتأكد مالذي حدث له .. رأى أحد المزارعين الموقف وأنقذ ابني وحمله الينا .. أخبرنا بأن الاب حتى لم تدمع عيناه على ولده بل أدار ظهره وجرى مبتعدا وركب سيارته وأكمل هروبه ..ولسنوات تلت حاولت بكل مااوتيت من قوة ان اخلص ذاكرة بسام من تلك الذكرى المرعبة .. كنت ابكي على ابنتي التي حرمت منها كل ليلة عندما آوي الى الفراش .. كنت أسمع صوت ضحكاتها تجلجل في البيت فيتقطع قلبي .. لكن بعد سنتين أتى أخو عزيز الينا بخبر لا أدري ان كان فيه بداية حزني ام نهايته .. اذ أخبرنا بأن اخاه قد قضى في حادث سير وهو ثمل وكان بصحبته زوجته وابنتنا .. لكم كاد الحزن يقتلني ولكني أدركت بأن ذلك من رحمة الله بنا اذ لم تنشأ ابنتي في احضان أسرة ربها رجل مثل عزيز ..


يــــــــــــــــتـــــــــــــــــبـــــع
ع
[align=justify]ساد الصمت لدقائق انحاء المكان وتبادلنا النظرات انا ومحدثتي التي شبكت بين اصابعها واضعة يدايها على جبينها كأنما تتهيأ لنفض تلك الاحداث من ذاكرتها بعد أن اودعتها مسامع جليسها ... ثم واصلت بصوت متهدج في البداية ثم بدأت نبرات صوتها بالتعالي وهي تسرد بقية أيامها الماضي أمام راسمها ..

- بعد فترة بدا لي أن الأفراح قد تذكرتني بعد تلك السنوات .. اذ أتى الى أخي رجل يخطبني ... كان "واصف" .. حبيب العمر .. علمت بأن زوجته قد توفيت تاركة له عدة ابناء فقرر أن يتناسى ما حدث وأعاده الحب القديم الي والى ذكرياتي العطشى للحظات فرح اتناسى فيها قساوة ايامي مع عزيز ..

أتى إلي أخي يزف الخبر وكأنما يهديني روحا أخرى لأحيى بها في دنيا الحب .. طلبت إليه أن أتحدث لواصف قليلا قبل أن أعلن موافقتي التي لم يتوقع أحد أن فيها جدال .. لم يدهش أخي كثيرا عندما طلبت إليه أن يكون لقاءنا في المكان الذي كنا نرمي الورود أنا وواصف منه في أيام الحب الأولى .. كنت أريد أن أرى ورود الأماني وقد اجتمعت .. كأنما هو لقاء بيننا وبينها هناك .. أعد أخي لنا جلسة هناك ودعا العائلة إلى رحلة لأعلى الجبل .. حبيبي يا أخي كم كان حريصا على إسعادي .. انه حقا ابني الذي ولدته أمي .. كانت الإطلالة على الوادي تشعل الإحساس بالرومانسية إذ ترى كيف يشتد جريان النهر الصغير في أسفل الوادي كأنما هام به الشوق إلى البحيرة .. كان واصف يشبهني دوما بتلك البحيرة ويشبه نفسه بذلك النهر .. هناك يا وليد .. التقيت عينا الحبيب بعد فراق دام سنوات كأنما فارقت فيها عقلي وقلبي وأحاسيسي .. أتدري ثرثرت أعيينا بالدمع طويلا ما أن تلاقت .. لم أستطع أن أتمالك نفسي رغم وجود الجميع .. احتضنته بعد أن توارينا قليلا خلف شجرة تطل على الوادي وقد حفر عليها اسمينا .. وتمازجت دموع الشوق .. لم نستطع أن نبوح بحرف واحد ولكن دقات قلبينا قالت الكثير .. أدركت حينها لم العناق هو آخر ما يتمنى المرء في الحب .. لأن القلبين عند العناق أقرب ما يكونان لبعضهما .. وكأنما يتلامسان من خلف الضلوع .. بل كأنما هما حبيبان يحتضنان وتلك صورة لا نهاية لها تماما كما هو الحال في مرآتان متقابلتان .. وربما كان ذلك السبب في كون عناق الأحبة هو الغاية القصوى التي يسكن فيها الشوق المتبادل .. قال لي واصف وهو يبتسم (لقد اخبرني أخاك بكل ما مررت به من قبل .. انه يحبك يا سلمى بحق .. إذ كان شرطه الوحيد علي بأن يكون همي الأكبر في حياتنا هو إسعادك لان قلبك الحبيب لن يحتمل لحظة حزن أخرى .. كدت أن أعنف أخاك والله .. ألا يرى بمن يوصي والى من يوصي .. ألا يدرون أن روح واصف إنما تجسدت على صورة آدمية فكانت سلمى ) ... ابتسمت له وأنا أربت على يده الحبيبة و قلت له ( وأنا لي شرط يا واصف قبل زواجنا ) وقبل أن يتمادى به الاستغراب أردفت (واصف نحن الآن لدينا أولاد ويجب أن نتعاهد بأن لا نفرق أبدا بين أولادنا في المعاملة .. ويشهد الله بأن مجرد انتساب شخص لك يجعله ذلك كفيلا باحتلال مكان في قلبي من الحب ) .. كم كان عظيما يا وليد .. قال لي على الفور بأنه يفكر في تغيير اسم بسام ليكون هو أبوه .. مشينا بتؤدة إلى العائلة وأيدينا تتعانق وسط تهاني الجميع ومزاحهم .. وددت والله لو امتدت تلك اللحظات إلى مالا نهاية ...

أحسست بأثر تلك الذكريات السعيدة على الطريقة التي كانت تتحدث بها جليستي إذ بدت كأنما تعيشها اللحظة فكانت تنظر إلى الأفق بطريقة حالمة جعلتني أنظر إلى تلك اللحظات في عينيها من خلف السنين ..
- إذا فأولادك الآخرين هم أبناء واصف .. ربما كان هذا السبب في كون زياراتهم لك قليلة ..
- لا يا بني .. إنهم يتواصلون معي دائما بالهاتف وكم من مرة ينوون زيارتي فأثنيهم عن عزمهم بسبب مشقة السفر فكلهم مغتربين اليوم .. لقد عشنا السنوات الماضية كأسرة واحدة ولم اشعر يوما بأنهم ينظرون إلي على أنني لست أما لهم .. ربما البنت الكبرى لواصف هي فقط من كنت أحس أنها لم تتقبلني بشكل كامل إذ كانت تناديني دوما بخالتي وكنت أتفهم ذلك إذ دخلت أنا إلى حياتها وهي كبيرة أما بقية إخوتها فكانوا ينادونني بأمي ولم أشعر يوما بأنهم ينظرون إلى بسام على أنه ليس بأخيهم .. نشأ الأولاد بيننا في وسط جو ملؤه الحب والحنان المتبادل .. وعندما كبروا وصاروا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم قرر واصف بأن ننتقل أنا وهو إلى القرية أما الأولاد فمنهم من درس في الخارج ومنهم من دخل الجامعة المحلية .. أتدري .. اليوم أجد بأن الحالة الدائمة من الرومانسية التي عشناها أنا وواصف قد جعلت من أولادنا ذوي إحساس مرهف جدا وذوي فلسفة في الحب تختلف عن كثير من الناس .. لم يتزوج أيا منهم إلا بعد قصة حب لو رمت أن ارويها لك لقضيت عطلتك تستمع إلي .. لكن كان أكثرهم عمقا في أحاسيسه و أغزرهم أدبية و شاعرية هو بسام .. وليته ما كان كذلك يا بني .. إذ كان ذلك هو ما أوصله إلى هذه الحياة التي يعيشها الآن في عزلته بعد أن كان أشهر طبيب في الريف ..
- إذا فنحن بصدد الحديث عن بسام ورفيقته في الصورة .. ماذا كان اسمها قلتي ؟
- نـدى .. خطيبته .. الفتاة التي كان دخولها إلى حياتنا بمثابة حياة أخرى لي خصوصا بعد أن فقدت أغلى الناس "واصف" ولكن وفي ذات الوقت أجد اليوم أن حب بسـام الكبير لهذه الفتاة قد وأد الفرح في بيتنا ..

تذكرت الصورة .. وعدت لقراءة الكلمات المكتوبة عليها فهزني الفضول إلى التعرف على صاحبة تلك الكلمات .. نـدى ؟

أعترف بأن تلهفي لسماع قصة ندى وبسام - وكيف آل حال الأخير الى تلك العزلة تاركا ورائه أما يناديها شباب القرية وبناتها كلهم بأمي – جعلني اتدخل في سرد الأحداث للمرة الأولى في جلستنا التي دامت لساعات واسأل عن ندى .. (من هي ندى يا أماه؟!)

ابتسمت السيدة سلمى وكأنما قرأت اللهفة في عيني .. ثم حانت منها اطراقة خفيفة انهتها بترديد اسم ندى بحرقة آويت لها منها .. ولكنها أردفت قائلة ..
- عرفتها يابني زهرة بريئة لا تملك حين رؤيتها الا أن تختلق لها من مواطن الرقة في قلبك مكانا .. رآها "واصف" عندما انتقلنا الى القرية وتركنا الاولاد في جامعاتهم واعمالهم فقال لي ممازحا: ( لقد رأيت فتاة اليوم في القرية تسلب اللب وتحيي القلب فوددت أن تخطبيها لي ) .. أذكر جيدا أنني قلت له على الفور ( فقط أشر الى بيت اهلها ياحبيبي واترك الأمر على أم "لينا")

قاطعتها ..
- عفوا من لينا؟
- ابنة واصف الكبرى ..
- يا الله كنت تنادين نفسك بأم لينا .. لاجله طبعا ..

ابتسمت وهي تقول ..
- لاجله كنت سأبدل روحي يا وليد ..
- عفوا اعتذر عن المقاطعة .. نعود الى مزحة واصف ..
- لا عليك .. نعم .. قال لي واصف يومها بأنه سمعها تغني في الطريق فكان كأنما يستمع الي أنا فأسره ذلك منها .. استغربت لكلامه ولكن عندما رأيت وسمعت صوت "ندى" أدركت أنه قصد ماقاله .. حقيقة لم يكن هذا كافيا ليدخل انسانا الى قلبي من فوره ولكن اجتمع الى تشابه اصواتنا رقتها و الطهر الذي تنطق به كلماتها ... كانت وحيدة ابويها وهم في حال رقيقة اذ كان الأب يعمل سائقا في أحد مزارعنا .. رايتها مع عائلتها اول مرة في أحد مزارعنا وهي تساعد ابويها في تنظيف الثمار استعدادا لشحنها .. كانوا فقراء وبسطاء ولكن كانت السعادة تنطق بها عيونهم وهم يتبادلون النظرات الى وحيدتهم .. عرفت انها هي من عنى واصف اذ كانت تغني بصوت مسموع (بالمناسبة كان الجميع يطالبونها بالغناء في مواقف كالقطاف واجتماعات العوائل).. توقفت قربا منهم وانا اصغي اليها واهز رأسي طربا .. لما رأتني استمع اليها على تلك الهيئة احمرت وجنتاها من الخجل حتى كأنما اعارتهما شمس المساء لونها .. كان ترحيب العائلة بي مختلطا بالارتباك اذ لم يعتد العاملون على رؤيتنا نحن اصحاب الارض في الحقول لكن بساطتي معهم ومداعباتي لندى وكانت في اواخر سني المراهقة جعلت من معاملتهم لي أقل تكلفا .. صادفتها أكثر من مرة فيما بعد وكان اعجابي باخلاقها وجمالها يزداد يوما بعد يوم .. وكان هاجس البحث عن عروس لبسام هو شاغلي الأول فبدات افكر بها على ذلك النحو .. أصررت على استضافة عائلة ندى في بيتي خلال أحد الأعياد .. وعرفت من الام بأن ندى ستنهي دراستها في القرية قريبا ولا كمال دراستها يجب ان تنتقل للمدينة ولكنهم لا يملكون القدرة على ارسالها الى المدينة .. تكفلت انا على الفور بنفقات دراستها وتنقلها بين القرية والمدينة مع فتيات أخريات كان لهن نفس الظروف .. كنت لا أطيق ان أرى فتاة تستطيع اكمال تعليمها ولا تفعل ..

قاطعتها متسائلا ..
- بالمناسبة أنتي يا اماه تجيدين عدة لغات فيما اعلم .. متى فعلتي ذلك وقد اخبرتيني بأنك تركت الدراسة مبكرا ..
- يابني كنت مستعدة لفعل المستحيل لاواكب حبيب القلب وزوجي في ثقافته وعلمه .. دأبت لسنوات على التعاقد مع مدرسات خصوصيات لتعليمي في المدينة وحتى في القرية وكنت اقرأ كثيرا خصوصا في غيابه ..

توقفة الحديث مع ضحكاتها المتتالية .. ثم أردفت
- أذكر انه قال مرة وقد اتى من احد المعارض التجارية التي كان هو احد منظميها ( اليوم احترنا في التعامل مع احد متكلمي الانجليزية حتى أتت سيدة تجيد الانجليزية - وهذا كان مستغربا في بلدنا فاللغة الاجنبية الاكثر انتشارا كانت الفرنسية - وقد بهرت الجميع بادارتها للحوار وترجمتها التي بدت متقنة الى ابعد حد) .. وكان ذلك اكثر من كاف كدافع لتعلمي اللغة الانجليزية ..
- الآن زال العجب .. ولكن هذه ارادة يفتقدها الكثير من نساء اليوم
- بل والله يابني الزوج هو المسئول الاول عن خلق هذه الارادة اولا باسلوبه و تشجيعه وثانيا بتفهمه و وعيه بأن رقي زوجته وزيادة علمها هو اضافة لشخصيته هو وليس متعارضا مع كونه هو الرجل .. لقد كانت ملاحظات واصف و تشجيعه وراء كوني واحدة من سيدات المجتمع في منطقتنا وليس كوني ابنة الثراء والعائلة المعروفة .. ذلك التشجيع المتواصل وليس الثروة هو الذي جعل من ابنة القرية الساذجة واحدة من السيدات اللاتي يدعين الى المناسبات الكبرى التي تهم المجتمع واللاتي كان لهن رأيهن حتى في تولي بعض اهل المناصب الكبرى لمناصبهم .. أتدري ان هناك شارعا في المدينة باسمي .. (قالتها وهي تتصنع الزهو الذي يكسر حدته الحزن الذي تغلفت به قصتنا منذ بدايتها)
- حقا !! .. لاغرو يا أماه حقا تستحقين ذلك فالكل في هذه القرية تبدو على محياه امارات الاحترام والتقدير لشخصك عند ذكر اسمك ..
- كنت يابني أجد كل السعادة في خدمة الناس .. لقد علمتنا امي ان خدمة الناس تكسر الكبر في النفس .. وقد كنت أستغل معارفي و احترام ادارات المدينة لرأيي في سبيل خدمة المساكين والفقراء حتى من غير اهل قريتنا .. وكنت استشعر كل السعادة في ذلك .. كنت اشعر مثلا عند اقامتي حفلا للايتام بأنني آخذ مكافأتي عاجلة عندما أرى الفرحة ترتسم على شفاه عذبها الحزن والالم ..
حسنا لاتبعدنا عن ندى كثيرا .. ام انك لم تعد راغبا في معرفة المزيد عنها؟

كانت نظراتها غريبة جدا حين قالت تلك الكلمات اذ بدا لي فيها تناقض بين كون محدثتي تريد الحديث عن تلك الفتاة و بين صعوبة ذلك عليها ولكن تجاهلت ذلك لفضولي الشديد بالعودة بالحديث الى حيث توقفنا عند اكمال ندى لتعليمها


يــــــــتــــــــــــــــــبـــــــــــع
ع
[align=justify]- نعم .. وزادت علاقة الفتاة بي بعد أن أضحت معلمتي في اللغة الفرنسية والتي كنت اواجه صعوبة في اتقانها رغم انتشارها .. كنت ألمس منها ذكاء وقادا يندر وجوده في بنات الريف وتحفزا لتعلم كل شيء وكانت تجمع الى ذلك خفة دم يغلفها الوقار الذي يضع للحظات المرح التي نتشاطرها حدودا تجعلها كما اريدها بالضبط .. وزادت زياراتها لي بل انها كانت تبيت عندي عندما كان واصف يقضي الليل في المدينة او اذا سافر .. وفي مرة اتصل بسام هاتفيا من المدينة وكان للتو قد أنهى امتحاناته السنوية الأخيرة .. وكنت اتوق لمعرفة النتائج فقد بذل مجهودا كبيرا في تلك السنة وكانت من الصعوبة بمكان .. وكانت ندى في البيت وكنت انا مشغولة في المطبخ فأجابت الهاتف .. ما ان سمعت صوته حتى عرفته (اذ كانت قد سمعته مرة وهو يتحدث الي حين مقدمة في احد زياراته وكانت متوارية في الداخل وكنت الحظها والحظ نظراتها الى بسام .. كانت تنطق بالكثير .. ولكن كنت ارجع ذلك الى وسامة بسام وحلاوة روحه التي تأسر كل ناظر اليه) .. المهم .. اجابته وقالت أهلا بسام .. وعلى الفور اجابها بسام بكلمات جعلتها ترتبك اشد الارتباك وتناولني السماعة وهي تكاد ان تسقط من يدها وقد امتلأت وجنتاها بالدماء حتى خلت انها تدمي ثم جرت الى المطبخ تعلو وجهها ابتسامة يضوع منها الخجل البريء .. سألت بسام ان يعيد ماقال لاني لم اسمعه جيدا وقد عرفت انه توهم لتشابه اصواتنا انها انا .. أخبرني بأنه قال (احبك .. احبك .. كما لم يحب أحد احد .. احبك يا كل الوجود ) كان ذلك بسبب فرحته بنتائجه الممتازة في امتحاناته .. وعندما علم انها كانت ندى أثاره الفضول للالتقاء بتلك الفتاة التي يشبه صوتها صوت أمه الى الحد الذي جعله هو يخلط بيننا..
- ومن هنا بدأت العلاقة بين العاشقين ..

- نعم يابني .. بدأت اجازة الصيف وبدأ البيت الريفي يكتظ بوفود السعادة .. ابنائي .. ورغم مرض واصف في تلك الفترة الا ان الفرح بمقدمهم طغى على كل معنى للحزن او الألم في بيتنا .. ومع قدوم كل منهم كانت تتجد الاحتفالات والولائم وكانت مساعدتي الأولى هي ندى التي أضحت مني بمكانة ابنتي وصارت تناديني بأمي فكنت أرى فيها هدية من ربي وعوضا عن ابنتي التي حرمني منهاعزيز .. وبت في شوق أن يتعرف عليها بسام وتدخل الى قلبه كما دخلت الى قلب امه .. لم أكن أتمنى أكثر من ذلك .. وكان اللقاء الأول بينهما .. كنا في المطبخ انا وندى نعد وليمة لمقدم احد اخوة بسام وكان هو موجودا هناك .. كنا نتبادل الحديث والضحكات .. دخل الينا بسام وهو يضحك وما ان وقعت عيناه على ندى حتى تسمر في مكانه .. ثم بادل النظرات بيننا وتمتم بأنه كان يظن بأنني كنت احادث نفسي .. عندها انفجرنا انا وهي ضحكا .. ثم تقدم لمساعدتنا وكنت انا اقف بينهما وكنت أرى كيف تختلس النظرات فيما بينهما .. أذكر جيدا انه في ذلك المساء كان الحديث بين الأم وابنها عن نـدى .. لكن وقبيل ان ينتهي الحديث صارحني بسام بأمر ازعجني جدا .. اخبرني بانه على علاقة ودية مميزة باحدى زميلات الدراسة وانها ستزورنا خلال العطلة .. وفعلا التقيت بها فيما بعد ولكنها كانت فتاة مدنية ومتبذلة .. لم ارى فيها وقار المتعلمة لكنها كانت من الجمال بمكان على افتقارها لخفر الحياء المعهود في منطقتنا ولم ارى فيها ايضا تلك الرومانسية التي عهدتها في عائلتي خاصة ومعارفنا القريبين بشكل عام .. باختصار لم أحس ابدا انها هي من كنت اتمناها عروسا لبسام .. ومع ذلك استقبلناها بأفضل طريقة واهتم بها الاولاد بشكل يليق بسمعتنا وبطيبتنا المعهودة مع الضيوف .. وبالمناسبة كان انطباع العائلة كلهم بما فيهم واصف ليس جيدا عنها .. وقد أحس بسام نفسه بذلك .. وغادرت الفتاة في ذات اليوم لكنها ابقت في قلبي قلقا على بسام .. كنت اعرفه اكثر من نفسي .. ربما توهم ان تلك الفتاة تناسبه ولكن ما ان يرتبط بها حتما سيستشعر الهوة التي بينهما .. انه الاحساس المرهف الذي كان سمة لنا على مايبدو وكنت أراها في ندى جلية كما فينا وقد رأى بسام في ندى ذلك ايضا اذ كنا نترافق في جولات حول المزارع والبساتين وكنت عندما انهمك في الحديث مع احد المزارعين اراهما قد انتحيا جانبا و تبادلا الحديث والضحكات التي كانت كانها زغاريد في أذني .. في احد المرات صحبتهما الى حيث كنا نلتقي انا وواصف .. واخبرتهما بأمر الزهور التي كنا نرميها من اعلى قمة الجبل الى قعر الوادي اذ كنا نقف على حافة المنحدر وأخبرتهما برمزية ذلك الحدث بالنسبة لنا .. فوجئت بندى وبسام يجمعان الورود والازهار ثم يتشاركان رميها كما كنا نفعل .. كانا يفعلان ذلك على سبيل المزاح ولكن كنت ارى في اعينهما وهما يتبادلان النظرات شيئا آخر غير المزاح .. وكانت تلك النظرات والله تزف الفرحة الى قلبي لكن ..

توقفت محدثتي عن الكلام واغرورقت عيناها لكنها اضافت بصوت متحشرج تملأه العبرات ..
- اشتد المرض بواصف في تلك الايام .. ونقلناه الى المستشفى وبعد اسبوع توفي ويدي في يديه وهو يودعني بنظراته الأخيرة .. أتصدق ياوليد أدركت حينها فقط ان احدا من الناس لايموت لفقدان أحد عندما رأيتني اتحمل رؤية حبيبي يخرج من دنيانا وانا اتنفس الحياة ..

بدا لي ان سلمى ارادت الا تتوقف عند موت واصف لكن عمق تلك اللحظات واثرها في حياتها جعلها تقول تلك الكلمات .. واكملت وعيناها كأنما تودع "واصف" في جلستنا تلك ..
- في تلك السنة وعندما لملمنا احزاننا فاتحني بسام بأمر زواجه .. ولك ان تتخيل كيف يكون حوار الام وابنها في هذا الموضوع ولكن كان الحوار هذه المرة مختلفا ... وكأني ببسام اراد اخراجي من دوامة حزني على اغلى الناس ..
(( - اماه اريد ان تخطبي لي فتاة الاحلام ..
- اذا أزف الأوان .. حسنا يابني .. ولكن ذكرني من ابوها ..
- انتي التي تعرفين يا اماه ..
- انا التي اعرف ؟!! .. انا غادرت المدينة يابني منذ مدة ثم هي زميلتك ولا تقل لي انك لاتعرف اهلها ..
- زميلتي ؟!!! .. انا اتكلم عن ندى يا اماه ..

الجمتني الفرحة ياوليد لكني ابت الى العقل لاتاكد من امر ما ..
- كنت اظن انك سوف ترتبط بزميلتك نادين ..
- لا يا اماه ... ماكنت لارتبط بفتاة لاتعجبك ابدا .. ام تحسبيني لم انتبه الى ذلك .. وبالمناسبة هي لم تعجبني ايضا .. لقد وجدت بيننا غربة من المشاعر في تلك الاجازة.. اما ندى فهي مرآة لنا يا اماه .. احس كأنما نحن نستقي مشاعرنا انا وانتي وابي واصف واخوتي وهي من مياه تلك البحيرة وتكبر فينا الاحاسيس تماما كأشجار بساتيننا المثمرة ..

ابتسمت سلمى قليلا وفتحت يديها على اتساعهما ثم ضمتهما وهي تقول:
- احتضنته ياوليد ولم املك غير ذلك .. احتضنته بقوة .. احتضنته فرحة تفوق فرحتي به يوم ولد .. لكني اخبرته بانني سامهد لخطبتها في نهاية السنة بعد ان تنهي هي امتحاناتها .. ولكني أكدت له بانها ستكون من نصيبه .. ومضت الايام والحب في قلبيهما يكبر كبرعم يتفتح ثم يتمدد غصنا زاهيا بالاوراق والثمار .. نعم .. كما قال بسام .. يبدو اننا نستقي ذلك الحب من مياه النهر والبحيرة ونسقيه تماما كما نزرع اشجارنا لنقطف ثمارها بعد ذلك عندما يحين الأوان نقطفها فرحا و حياة تملأ قريتنا بسمائها وبساتينها وجبالها الخضراء بكل شعور جميل .. آه ياوليد .. لما كنت اراهما يتماشيان كنت ارى واصف و سلمى ..

حانت مني ابتسامة وانا اشيح بوجهي جانبا ولاحظت هي ذلك
- ماذا؟!
- قلتي واصف وسلمى ..
- نعم .. ماذا في ذلك ؟!..
- لاشيء ولكنك ولفرط حبك له تقدمين اسمه لاشعوريا على اسمك عكس مانفعل نحن بالفطرة اذ نقدم انفسنا في الذكر على غيرنا ..

ابتسمت وهي تشير باصبعها اعجابا بانتباه مستمعها ..
- عندما كنت افتقدهما اصعد الى قمة الجبل واجدهما هناك .. وقد جعلت من ذلك المكان جلسة اعددتها بشكل مميز ثم قمت بانشاء مقهى صغير هناك يطل على المكان الذي احتضن لحظات حبي الكبير .. وتفجر الحب بين العاشقين حتى ماعاد الحياء الذي تربيا عليه يمنعهما من اظهاره علنا امام الناس .. حدا ذلك بي ان اسارع بخطبتها من ابويها اللذين لم يكن لهما ثمة قريب في المنطقة .. وفعلت .. كان جواب أبويها بأنهم يحتاجون لأيام ليستشيروا الفتاة بالأمر .. بعد أيام قلائل زارتني ام ندى .. كانت عيناها تتراوغان وهي تحاول بدأ الحديث .. ودار بيننا حوار أفزع الفرحة التي ملأت قلبي ..
(( - مابك يا امرأة ؟!! .. لقد اثرت الذعر في نفسي ..
- آه يا ام بسام .. لم انم منذ أن طلبتي ندى لبسام ولا ابو ندى ..منذ ان خرجتي من عندنا ونحن نكتوي بجمر القلق ..
- يا امرأة قولي بالله مالديك .. هل تعاني ندى من مرض او مانع ما؟ ..
- لا .. لكن ..
- ماذا؟
وأكبت المرأة على قدماي تقبلهما وهي تبكي بحرقة وسط دهشتي وحيرتي .. اجلستها وهدأت من روعها .. وهي تقول:
- ندى أضحت حياتنا يا ام بسام .. لقد غيرت حياتنا و مشاعرنا .. كنا من اسوأ الناس سيرة ولما اهدانا الله اياها اضحينا أطيب الناس سريرة .. لقد امتنع ابوها عن معاقرة الخمر لما امسكت بزجاجته وهي صغيرة وترجته الا يشربها مرة أخرى .. عشنا نحتضنها ونخاف عليها حتى من الهواء ان يخدش رقتها .. ملأت قلوبنا حنانا وزهدا في الدنيا بعد ان كانت مليئة بالجشع والطمع .. انها دنيانا يا ام بسام ..
- يا امرأة .. وهل قلنا بأننا سنختطفها .. ستكون قريبة منكم بل يمكنكم ان تأتون جميعا الى هنا وتعيشون معنا في ذات البيت ..
.......
.......
......

- لا يا أم بسام .. نحن ... .... ندى ... ... ندى ليست ابنتنا .. انها ابنتك انتي .. ابنتك انتي .. ابنة عزيز .. انها لم تكن الفتاة التي توفيت مع عزيز في ذلك الحادث ..

- آه ياوليد .. لا ادري هل قتلتني تلك الكلمات ام أحيتني .. لا ادري الى الآن هل كنت فرحة بها ام حزينة .. هل ضحكت ام بكيت .. حقا لا أذكر مطلقا .. جلست ولم ادري كم مضى من الوقت حينها .. لم أدري ان كنت اعيش واعي مايدور ام ان كل شيء كان هذيانا .. دار بي الزمان وتطوف بعقلي المنهك ساعتها في كل لحظة من حياتي وتوقف عند صوت ندى وهي تغني في البستان وأدركت الحقيقة ...
عندما أفقت من هول الصدمة سألت ام ندى (اقصد حاضنتها) عن برهانها .. أخبرتني انها وزوجها كانا لا ينجبان ولذلك ارتبطا ببعضهما وانهما كانا يقطنان المدينة المجاورة وقد بلغ منهما العوز حده بسبب ادمان زوجها للخمر واهماله في عمله وكان من رفقاء عزيز .. بل عرفت فيما بعد انه كان أحد الاثنين الذين دخلت عليهما وهم ينادمون عزيز .. وأن عزيز رجع الى المدينة خفية لعلمه بأن الجميع يعلمون بقصتنا ويعرفون لنا قدرنا ويحبوننا .. واستأمنهم على البنت لعلمه بأنهم لا ينجبون واعطاهم مبلغا من المال و بيتا في القرية كان قد اشتراه ابوه من قبل وبقي مهجورا امدا طويلا ولم نكن نعرف بأمره .. وقد تعلقوا بالفتاة بشكل غير حتى حياتهم الى درجة أن الرجل توقف عن معاقرة الخمر مطلقا كما ذكرت .. وبعد سنوات ارسل اليهم عزيز يأمرهم باعادة البنت لي وان ابو ندى (المزعوم) كاد يقضي بسبب ذلك الأمر وعاد سيرته الاولى من درب الضياع عندما همت الام بأن تأتيني بالبنت .. لكن خبر موت عزيز جعلهم يرجأون الأمر .. وظلوا في تردد لسنوات وعندما انتقلت انا وواصف لنعيش في القرية همت المرأة بان تصارحني بالامر ولكن لما رأت بأن الفتاة تلازمني وبأنها تناديني بأمي فضلت ان تبقي الأمر كما هو .. الى ان اضطرت للافصاح عندما شعرت بأن بسام وندى من الممكن ان يرتكبوا اثما كزواجهما ...
اخبرتها بان تكتم الامر الى ان أرى رأيي فيه وطلبت اليها ان ترسل ندى الي لتبيت عندي .. آه ياوليد بروحي هي عندما اتت تخطر بطريقة تجعلها أصغر مما تبدو بكثير .. احتضنتها بلهفة وقبلتها بشوق .. هاقد عادت غاليتي .. كانت مستغربة للطريقة التي لاقيتها بها لكنها ظنت ان ذلك بسبب خطبتها لبسام .. وتشاركنا الوسادة في تلك الليلة .. غفت هي وبقيت انا ارمقها وأهدهدها كما كنت أفعل وهي صغيرة .. صدقني لقد شككت بنفسي أنني سأجن لحظتها .. كنت أرفع خصلات شعرها عن وجهها الحبيب ثم اطبع قبلاتي على جبينها فاراها تبتسم وهي نائمة فأضمها الى صدري حتى أنني خلت بأن قلبي قد عاد ينبض اذ كنت أخال أنه قد توقف عن النبض بعد وفاة "واصف" ...
عادت بي الايام ليلتها الى سنوات العذاب عندما ارتبطت بذلك الرجل ذو القلب الذي خلا من كل معنى للرحمة .. رجل كان يحاول ابتزاز زوجته وهدر كرامتها .. رجل حاول تدمير ابنائه بل وقد فعل .. أي حقد دفين كان يسكن ذلك القلب .. أي هوس بالمادة وملذات الحياة يغلفه .. لقد جعل من حياتي معه منذ أول يوم جامدة لا حراك فيها .. كنت اعيش معه وسط فيض من الزيف والحقد الأسود والكذب المتلون .. عشت تحت ضلال مشاعر بيضاء بل عديمة اللون والطعم والرائحة ورضيت أن انصب أجمل سنوات عمري في صحراء جرداء تلهبها حرارة العنف ويشلها الصقيع حرمانا من جذوة من المشاعر ..
وفاضت بي مشاعر الأسى فدسست رأسي في صدر بنيتي النائمة وبكيت وبكيت وتناثرت دموعي حتى أحسست بأنني قد أخرجت معها من قلبي كل حزن طوي عليه من قبل .. استيقظت ندى على بكائي في حجرها واحتضنتني وهي تبكي لبكائي ولا تدري فيم .. لا تدري أنني ابكيها .. ابكي سنينا ابتعدت عن صدري وحجري فيها .. ابكي لهفتي لها وعليها كلما رأيت فتاة الى جانب امها .. في الماضي كنت استيقظ باكية عندما تخطر لي هي في أحلامي فيحتضنني واصف وادخل في نوبة بكاء لايخرجني منها الا خروجه معي للمشي في الهواء الطلق احيانا .. وبعد ان اصبحت وحيدة قلما عرفت عيناي طعم النوم ..

توقفت الكلمات عند ذلك الموقف المؤثر حقا وتوقف سمعي و فكري عند تلك الصورة المؤلمة والمفرحة في ذات الوقت .. حتى أنني وددت لو أعود من مصيفي ذاك لأحتضن أمي شوقا .. عندما احسست بأن محدثتي قد هدأت قليلا .. جلست مطرقا ومنتظرا للمزيد .. لمعرفة حالة المسكين بسام ..
- بعد أيام بدأت بسرد قصتي على نـدى .. كان على احدهما ان يعرف حتى لايقعان في الخطأ اذا ماجابهنا زواجهما بالرفض اذ ربما سيفطن عليهما الفرار بعيدا او مجابهتنا بالامر الواقع وزواجهما من غير ان نعلم .. كنت أعي مدى حب بسام لها ومدى تعلقها به .. ثم صارحتها بالأمر .. جرت مذعورة الى ابويها ثم اتت امها الي تخبرني بانهما لما اخبراها اغلقت على نفسها حجرتها ودخلت في نوبة بكاء عارمة ثم اختفت فجأة وقد وجدوا آثار اوراق محروقة في دورة المياة التي في غرفتها .. هدأت من روعها وقلت لها بأنني اعرف اين سأجدها وسوف أعود بها قبل غياب الشمس .. توجهت الى اعلى الجبل وهناك حيث ملتقى الأحباب وجدتها جالسة وهي مطرقة .. بدت لي وانا اصعد اليها كأنما هي وردة بين الورود تداعب بيدها الحانية وردة قد اقتطفتها للتو فما أدري ايهما تداعب الاخرى لرقتها وعذوبتها .. كنت طوال الطريق اليها افكر فيما سأقوله لها .. ولكن ما ان تلاقينا حتى جرت الي واحتضنتني .. بدا لي أن دموعنا ذلك اليوم قد قالت الكثير والكثير مما كان فيه كفاية عن كل كلام .. وجدت معها ثلاثة دفاتر كانت تكتب فيها ذكرياتها لبسام ليقرأها لأنها ارادت ان يعرف كل شيء عن حياتها وقد فكرت باحراقها ثم ترددت .. أخبرتها بأنني متلهفة لقراءتها وعدنا الى البيت .. واخترنا الا يعرف بسام بالامر ..

- لم يا سيدتي .. كان يجب ان يعرف .. بل من حقه ان يعرف ..
- يابني .. بسام كان ابنا لواصف ولا يعرف غير ذلك وهروبه من ابيه أدى الى حالة نفسية لم يتخلص منها الا بعد أن شب عن الطوق وتفاجأنا بانه نسيها في صغره .. كان تغيير الاسماء سهلا في ذلك الوقت خصوصا مع مكانة واصف و معرفة المسئولين لنا .. فكان اسمه بسام واصف ..
- كان يمكن ان تقولوا مثلا انها هي فقط ابنتك من عزيز وينتهي الامر ..
- كان ذلك سيكون كافيا لاعادة تلك الذكريات المؤلمة الى ذهنه .. لقد خفنا عليه واستشرنا طبيبه السابق في الامر ونصحنا بابعاده عن الامر .. وقد فعلنا .. ثم جابهناه برفضنا لزواجه من ندى وهي صارت تتجنب لقائه ولم نكن نملك اسبابا مقنعة .. وكانت ردة فعله جدا قاسية .. صار يتجنب الجميع وعاد للمدينة واكمل دراسته واضحى باحثا بيئيا .. كانت زياراته لي في الاجازات فقط ويهاتفني دائما .. ثم فاجأنا بسكناه لكوخي جبلي في ذلك الوادي الكبير بين الغابات بحجة متابعة ابحاثه في الطبيعة .. يزورنا بين الفينة والاخرى واحيانا قليلة يبيت عندي ولكن أضحى قليل الكلام الى حد يعذبني ويستفزني لاخباره بالامر ال انني أحجم عندما اتذكر المرارة التي ستورثه الحقيقة اياه .. حاولت ندى عدة مرات مع اخوته ثنيه عن عزلته ولم تفلح لكن لم تواتها الشجاعة ابدا (مثلي تماما) على مصارحته بالحقيقة .. تخصصت ندى في الصيدلة وها أنذا اعد لها صيدلية هنا لتعمل فيها كما ارادت هي وستعيش معي .. اما بسام فقد بدأت زياراته تقل هذه الايام وهذا مايقلقني يابني .. لايعرف أحد بالامر بعد الا من ذكرت وها انا في دوامة وقد عزمت على اخباره فقد تعبت يابني واشتقت اليه ..
- لا تفعلي يا اماه .. سيعود بسام اليك كما عادت ندى .. ولسوف ترمون أزهاركم في "مهـــــوى الأمــــــــاني" .. تذكري ذلك يا اماه

وتوقف الحديث عند جملتي تلك .. وعدت من مصيفي بغير الروح التي ذهبت بها اليه ..

بعد شهور أتت رسالة الى وليد بالبريد ...
كان في الرسالة صورة تجمع سلمى وابنها بسام وابنتها ندى تعلو الفرحة وجوههم .. وقد كتب على ظهرها :

" وليد .. ابني الذي لم أنجبه .. تسكن بيتي الآن الفرحة مع بسام وندى .. وهانحن نعد العدة لزواج بسام وخطبة ندى ايضا .. بالمناسبة .. قال لي صاحب المحل الذي كان بسام يشتري منه حاجياته انه قد اتى اليه شاب من المصطافين في الصيف الماضي واعطاه رسالة لبسام كتب عليها " مهــوى الأمـــاني" .. امك الشاكرة لك من كل القلب يا بني"







تــــــــــــــمــــــــــــــــــــــــــــت
ا
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي الكريم

وليد

لا أكتمك سراً فلم أملك إلا متابعة هذه الأحداث والدموع تترقرق من عيوني تارة والفرحة ترتسم على وجهي تارة

هي الحياة تأخذ وتعطي

ولا يذوق طعم السعادة إلا من تمرغ في مرار الحياة

من روعة الأحداث شعرت بنفسي وكأنني عصفورة تحلق وتطير من مكان إلى آخر ومن زمان إلى زمان

فكل حدثٍ فيها كان يجسد سنين طويلة

أخي الكريم

لا أملك إلا أن أقول

سلمت يمينك

أختك
المرتحله
ع
[align=justify]المـــــرتحلـــــة ...

ولا يكتمك أخاك سرا بأن تأخر الردود على القصة هنا بعد اكتمالها بعث في القلم خيبة أمل اذ كان نشرها في هذا المنتدى هو الفاصل في الحكم على مدى التمكن السردي للقصة من قبل هذا القلم المبتديء في هذا المجال ..... ثـــــــــــم

أتى ردك ليملأ الحرف توازنا ويحيل خيبة الأمل فألا و حماسة ليستكمل القلم مابدأه ... ليس هذا فقط بسبب قدر من أتى بهذا الرد الجميــل لكن لروعة الاحساس المرسوم هنا ... احساس ولدته حروف القصة في نفس قارئها ثم ترجم لكلمات صدقيني لن ابالغ لو قلت انها توزن عندي بما هو أغلى من الذهب ...
قد قلتها مرة ... أن يقال عن خاطرة او قصيدة او قصة بأنها أثارت احساسا معينا في قاريء لها فهذا جد جد عظيم .. وتكريم لحرف كتبها وأي تكريم ... و أجمل من هذا وأعظم أن يقال بأن المقروء قد ولد احساسا في نفس القاريء وقد تدفق هذا الاحساس الى حد المنتهى منه ... أن أقول أن حزنا في الحرف قد أثار في نفسي الحزن .. لاشك سيفرح الكاتب .. وأن أقول أن حرفا اضحكني وأبكاني فلعمري ان هذه لشهادة لا تقدر بثمن .. لاااا تقدر بثمن

أختاه لمثلك تكتب الحروف بأفضل مافيها أدبية ... وبأجمل مافيها احساسا .. وان لشهادتك لقلم أخيك لجود من لدنك عظيم

بوركتي المرتحلة .. بوركتي أختاه
إ
[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]آه ياوليد ... آه وألف آه

قصة قمة في الإبداع الفكري والأدبي ... قصة تراقصت فيها المشاعر والأحاسيس على مسرح الحب على أنغام العاشقين في مهوى الأماني ...

وليد ... المرة الوحيدة في حياتي التي امتزجت فيها دموعي مع ضحكاتي وابتساماتي كانت يوم التخرج من الجامعة عندما حضناني أمي وأبي وقالا مبروك يالإياد لقد أصبحت مهندسا ... وهاهو اليوم أعدت ذلك اشعور الغريب الذي يدخلك في البكاء والعبرات تقطع حلقك من الألم والمأسي التي عاشتها تلك المرأة والضحك والسعادة عندما ترى نورا بدأ يبزغ من باب السعادة الخشبي المكسور ...

لا أصدق ولن أصدق ما تقوله عن نفسك بإنك كاتب مبتدأ ... فإن كنت في عداد المبتدئين فلا أظن للمحترفين وجود في عالم القصة القصيرة ... كتبت فأبدعت ... صورت فسلبت عقولنا ... تخيلت فصرت ربانا لسفينة تبحر في سماء الخيالات... خلقت صراعا مثيرا بين الحب والكراهية .. صراع بين الخير والشر ... صراع بين الذكر والأنثى .. وما أحلاه من صراع عندما ينتصر من تحب ...

أخي وليد وقفت اجلالا وتصفيقا لروعة ورصانة اسلوبك ... وقفت منبهرا لمخزونك اللغوي ... وقفت متعجبا لجمال بلاغتك الأدبية ... وإن استمريت في إطراء ما كتبت سأظل واقفا ...


تحياتي لك وليد ... وسأنتظر على أحر من الجمر مهوى أماني آخر لأعيش لذة أدبية أسكر بها بكأس قلمك الرائع. [/grade]
ع
[align=justify]ايـــــــــــــــــــــــاد

رويدك رويدك أخي فما أبقيت في الحرف شعورا الا الانكفاء خجلا من سيل عذب كلماتك وتزكية هي جد جد كثير أخي ..

رد آخر يزيد من فخر وليد ب "مهوى الأماني" بل ويجعل لكل معانيها وجودا وهل ينقل مشاعرا مرسومة بحروف قصة الى الوجود الحقيقي الا شعورا تستأثر به في قلب قارئها ... وما أجمل حقيقة أن ترقى تلك الحروف عندما يماثلها القاريء بمشاعر سابقة غالية ولها خصوصيتها في نفسه كمشاعر يوم تخرجك أخي .. وذلك حقا حقا كثير

نعم تهادت المشاعر ب "سلمى" و "بسام" و "ندى" في "مهوى الأماني" بين الفرح والحزن .. الأمل واليأس .. بين الذكريات والأماني ..

سأبوح لك بسر أخي ولكل من يقرا وليد هنا ... صغت قصتي هذه بخليط من أحداث هي من الواقع قريبة أو تجسدت واقعا من قبل وكنت أزمع اقتياد مشاعر القاريء فيها الى لحظة معينة ... لحظة احتضان الأم لابنتها وبكاءها طوال الليل وهي في أحضانها ... انها ذكرياتنا وآمالنا .. نحتضنها في لحظات من ملاقاتها بعد ان باعدت بيننا وبينها السنين حتى كادت رتابة الحياة ومشاكلها أن تقتلعها من أنفسنا ...
ان من يعود الى سني الطفولة أو حتى أعوام الشباب الأولى ويستذكر كيف كانت الأماني ترد في خاطره تترى .. يعدها وتعده .. كأنما استولدها من نفسه وقلبه .. ثم احتضنها دهرا .. وما أن يلج الى مفاجئات الحياة حتى تبدأ الاماني بالرحيل شيئا فشيئا .. وبعد أن تستقر بنا سفينة الحياة شيئا ما .. تجدنا نحاول استرجاعها .. احتضانها .. والبكاء عليها .. والبكاء فرحا بها .. ثم نعايشها مجددا ..

نرمي الأماني في مهوى سحيق ثم نسترجعها بعد فراق ربما قل أو طال .. لكن ما ان نستعيدها حتى نحظى بحياة أخرى .. حياة أجمل

وليد في القصة مبتدأ أخي .. لا جدال .. ربما في المقالة والكتابة العلمية هو ليس كذلك .. لكن في القصة ليس ثمة رصيد كبير .. على ان مثل هذه الردود تزيد الكاتب اصرارا على الارتقاء بجديده ..

دمت أخي يرافقك التوفيق دوما وحفظك الاله من كل شر ..
X