بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
هذه مجموعة "مسائل وفتاوى " من موقع الشيخ ابن ياز -رحمه الله وغفر له
:: حكم الحج ::
إذا كان الرجل يصلي و لا يزكي ولا يحج وهو قادر على الحج هل الزواج منه صحيح ؟؟
المقدم:::
أخر سؤال لأختنا تقول فيه،إذا كان الرجل يصلي و لا يزكي ولا يحج وهو قادر على الحج هل الزواج منه صحيح
الشيخ :::
صحيح لكنه عاص يعتبر عاصيا لله، لأن من لا يصوم رمضان ولا يزكي يكون عاصيا وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تكفيره، وهو على خطر عظيم، فينبغي الحذر من ذلك والتوبة وإنه لا يكفر بذلك إذا لم يجحد وجوب الزكاة ولم يجحد وجوب الصوم صوم رمضان ولم يجحد وجوب الحج مع الاستطاعة يكون عاصيا فاسقا وعليه التوبة إلى الله والبدار إلى أداء الزكاة عما مضى والبدار إلى قضاء صوم رمضان إذا كان ترك شيئا منه، وهكذا البدار بالحج إن كان مستطيعا،
أما من ترك الصلاة فإنه يكفر على الصحيح، ولو لم يجحد وجوبها نسأل الله السلامة
***
:: فضل الحج ::
من أهداف الحج توحيد كلمة المسلمين
الحمد لله الذي جعل البيت مثابة للناس وأمنا ، وجعله مباركا وهدى للعالمين ، وأمر عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء ووالد الأنبياء من بعد أن يوجه الناس ويؤذن فيهم بالحج بعد ما بوأ له مكان البيت ليأتوا إليه من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات؛ وأشهد أن لا الله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين الذي بعث رسله وأنزل كتبه لإقامة الحجة وبيان أنه سبحانه هو الواحد الأحد المستحق أن يعبد والمستحق لأن يجتمع العباد على طاعته واتباع شريعته وترك ما خالف ذلك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . وخليله الذي أرسله سبحانه رحمة للعالمين وحجة على العباد أجمعين . بعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأمره أن يبلغ الناس مناسكهم ففعل ذلك قولا وعملا عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم .
لقد حج عليه الصلاة والسلام حجة الوداع وبلغ الناس مناسكهم قولا وعملا ، وقال للناس خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا فشرح لهم أعمال الحج وأقوال الحج وجميع مناسكه بقوله وفعله عليه الصلاة والسلام . فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين من ربه عليه الصلاة والسلام ، فسار خلفاؤه الراشدون وصحابته المرضيون رضي الله عنهم جميعا على نهجه القويم وبينوا للناس هذه الرسالة العظيمة بأقوالهم وأعمالهم ونقلوا إلى الناس أقواله وأعماله عليه الصلاة والسلام بغاية الأمانة والصدق رضي الله عنهم وأرضاهم وأحسن مثواهم .
وكان أعظم أهداف هذا الحج توحيد كلمة المسلمين على الحق وإرشادهم إليه حتى يستقيموا على دين الله وحتى يعبدوه وحده وحتى ينقادوا لشرعه فمن أجل ذلك رأيت أن تكون كلمتي في هذا المقام بهذا العنوان " من أهداف الحج توحيد كلمة المسلمين على الحق " وللحج أهداف كثيرة يأتي بيان كثير منها إن شاء الله .
أما بعد :
فإني أشكر الله عز وجل على ما من به من هذا اللقاء بإخوة لي في الله في نادي مكة الثقافي الأدبي للتناصح والتعاون على الخير وبيان كثير من أهداف هذا المنسك العظيم وهو حج بيت الله الحرام ليكون حجاج بيت الله الحرام على بصيرة وليستفيدوا مما شرع الله لهم ومما قد يجهله كثير منهم .
ثم أشكر القائمين على هذا النادي وعلى رأسهم الأخ الكريم الدكتور / راشد الراجح رئيس النادي ومدير جامعة أم القرى على دعوتهم لي لهذا اللقاء ، وأسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه وأن يعين القائمين على النادي على كل خير وأن ينفع بجهودهم المسلمين وأن يجعلنا جميعا من الهداة المهتدين ومن أنصار الحق أينما كنا .
أيها الإخوة في الله ، إن الله جل وعلا شرع الحج لعباده وجعله الركن الخامس من أركان الإسلام لحكم كثيرة وأسرار عظيمة ومنافع لا تحصى ، وقد أشار الله جل وعلا إلى ذلك في كتابه العظيم حيث يقول جل وعلا : قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ
فبين سبحانه وتعالى أن هذا البيت أول بيت وضع للناس؛ أي في الأرض للعبادة والتقرب إلى الله بما يرضيه ، كما ثبت في الصحيحين في حديث أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أخبرني عن أول مسجد وضع في الأرض قال المسجد الحرام قلت ثم أي؟ قال المسجد الأقصى قلت وكم بينهما؟ قال أربعون عاما قلت ثم أي؟ قال ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فإنها مسجد
فبين عليه الصلاة والسلام أن أول بيت وضع للناس هو المسجد الحرام وهو وضع للعبادة والتقرب إلى الله عز وجل كما قال أهل العلم . وهناك بيوت قبله للسكن ولكن المقصود أنه أول بيت وضع للعبادة والطاعة والتقرب إلى الله عز وجل بما يرضيه من الأقوال والأعمال ، ثم بعده المسجد الأقصى بناه حفيد إبراهيم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، ثم جدده في آخر الزمان بعد ذلك بمدة طويلة نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام ، ثم بعد ذلك كل الأرض مسجد ، ثم جاء مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو المسجد الثالث في آخر الزمان على يد نبي الساعة محمد عليه الصلاة والسلام ، فبناه بعدما هاجر إلى المدينة هو وأصحابه رضي الله عنهم وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام . فالمساجد المفضلة ثلاثة : أعظمها وأفضلها المسجد الحرام ثم مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ثم المسجد الأقصى .
والصلاة في هذه المساجد مضاعفة؛ جاء في الحديث الصحيح أنها في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، وجاء في مسجده عليه الصلاة والسلام أن الصلاة في مسجده خير من ألف صلاة فيما سواه ، وجاء في المسجد الأقصى أنها بخمسمائة صلاة ، وهي المساجد العظيمة المفضلة وهي مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
نص محاضرة ألقاها الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في " نادي مكة الثقافي الأدبي " مساء السبت 28 / 11 / 1409 هـ
***
:: شرع الله الحج لعباده ::
وشرع الله جل وعلا الحج لعباده لما في ذلك من المصالح العظيمة . وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الحج مفروض على العباد المكلفين المستطيعين السبيل إليه كما دل عليه كتاب الله عز وجل في قوله سبحانه وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
وخطب النبي صلى الله عليه وسلم في الناس فقال : أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فقيل يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال الحج مرة فمن زاد فهو تطوع فهو فرض مرة في العمر فما زاد على ذلك فهو تطوع على الرجال والنساء المكلفين المستطيعين السبيل إليه ، ثم هو بعد ذلك تطوع وقربة عظيمة ، كما قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وهذا يعم الفرض والنفل من العمرة والحج .
وقال عليه الصلاة والسلام : من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه وفي اللفظ الآخر : من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه وهذا يدل على الفضل العظيم للحج والعمرة وأن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما وأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة .
فجدير بأهل الإيمان أن يبادروا لحج بيت الله وأن يؤدوا هذا الواجب العظيم أينما كانوا إذا استطاعوا السبيل إلى ذلك . وأما بعد ذلك فهو نافلة وليس بفريضة ، ولكن فيه فضل عظيم ، كما في الحديث الصحيح : قيل يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال إيمان بالله ورسوله قيل ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله قيل ثم أي؟ قال حج مبرور متفق عليه .
وقد حج عليه الصلاة والسلام حجة الوداع وشرع للناس المنسك بقوله وفعله وخطب بهم في حجة الوداع في يوم عرفة خطبة عظيمة ذكّرهم فيها بحقه سبحانه وتوحيده ، وأخبرهم فيها أن أمور الجاهلية موضوعة وأن الربا موضوع وأن دماء الجاهلية موضوعة ، وأوصاهم فيها بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله والاعتصام بهما وأخبر أنهم لن يضلوا ما اعتصموا بهما ، وبين حق الرجل على زوجته وحقها عليه وبين أمورا كثيرة عليه الصلاة والسلام . ثم قال : وأنتم تُسْأَلُون عني فما أنت قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فجعل يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكبها إلى الأرض ويقول اللهم اشهد اللهم اشهد عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام .
ولا شك أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة عليه الصلاة والسلام على خير الوجوه وأكملها ، ونشهد له بذلك كما شهد له صحابته رضي الله عنهم وأرضاهم . وقد بين عليه الصلاة والسلام مناسك الحج وأعماله بأقواله وأفعاله . وكان خروجه من المدينة في آخر ذي القعدة من عام عشر ، محرما بالحج والعمرة قارنا من ذي الحليفة ، وساق الهدي عليه الصلاة والسلام ، وأتى مكة في صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة ولم يزل يلبي من الميقات من حين أحرم من ذي الحليفة بتلبيته المشهورة : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك بعدما لبى بالحج والعمرة عليه الصلاة والسلام .
وكان قد خير أصحابه في ذي الحليفة بين الأنساك الثلاثة ، فمنهم من لبى بالعمرة ومنهم من لبى بهما ، وكان صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالتلبية ، وهكذا أصحابه رضي الله عنهم . . ولم يزل يلبي حتى وصل إلى بيت الله العتيق ، وبيّن للناس ما يقولونه من الأذكار والدعاء في طوافهم وسعيهم وفي عرفات وفي مزدلفة وفي منى . وبيّن الله جل وعلا ذلك في كتابه العظيم حيث قال جل وعلا : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إلى أن قال سبحانه وتعالى وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ الآية .
فالذكر من جملة المنافع المذكورة في قوله تعالى لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ الآية ، وعطفه على المنافع من باب عطف الخاص على العام . وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله
وشرع للناس كما جاء في كتاب الله ذكر الله عند الذبح وشرع لهم ذكر الله عند رمي الجمار . فكل أنواع مناسك الحج ذكر لله قولا وعملا . فالحج بأعماله وأقواله كله ذكر الله عز وجل وكله دعوة إلى توحيده والاستقامة على دينه والثبات على ما بعث به رسوله محمد عليه الصلاة والسلام . فأعظم أهدافه توجيه الناس إلى توحيد الله والإخلاص له والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما بعث الله به من الحق والهدى في الحج وغيره .
فالتلبية أول ما يأتي به الحاج والمعتمر يقول : ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ) يعلن توحيده لله وإخلاصه لله وأن الله سبحانه لا شريك له ، وهكذا في طوافه لذكر الله ويعظمه ويعبده بالطواف وحده ، ويسعى فيعبده بالسعي وحده دون كل من سواه ، وهكذا بالتحليق والتقصير وهكذا بذبح الهدايا والضحايا كل ذلك لله وحده ، وهكذا بأذكاره التي يقولها في عرفات وفي مزدلفة وفي منى ، كلها ذكر الله وتوحيد له ودعوة إلى الحق وإرشاد للعباد وأن الواجب عليهم أن يعبدوا الله وحده وأن يتكاتفوا في ذلك ويتعاونوا وأن يتواصوا بذلك وهم يأتون من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم .
وهذه المنافع كثيرة جدا أجملها الله في الآية وفصلها في مواضع كثيرة ، منها الطواف وهو عبادة عظيمة ومن أعظم أسباب تكفير الذنوب وحط الخطايا ، وهكذا السعي وما فيهما من ذكر الله عز وجل والدعاء ، وهكذا ما في عرفات من ذكر الله والدعاء وما في مزدلفة من ذكر الله والدعاء ، وما في ذبح الهدايا من ذكر الله وتكبيره وتعظيمه ، وما يقال عند رمي الجمار من تكبير الله عز وجل وتعظيمه ، وكل أعمال الحج تذكر بالله وحده وتدعو المسلمين جميعا إلى أن يكونوا جسدا واحدا وبناءً واحدا في اتباع الحق والثبات عليه والدعوة إليه والإخلاص لله سبحانه في جميع الأقوال والأعمال ، وهم يتلاقون على هذه الأراضي المباركة يريدون التقرب إلى الله وعبادته سبحانه ، وطلب غفرانه وعتقه لهم من النار .
ولا شك أن هذا مما يوحد القلوب ويجمعها على طاعة الله والإخلاص له واتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه ، ولهذا قال عز وجل إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فأخبر سبحانه أنه مبارك بما يحصل لزواره والحاجين إليه من الخير العظيم من الطواف والسعي وسائر ما شرعه الله من أعمال الحج والعمرة وهو مبارك تحط عنده الخطايا وتضاعف عنده الحسنات وترفع فيه الدرجات ، ويرفع الله ذكر أهله المخلصين الصادقين ويغفر لهم ذنوبهم ويدخلهم الجنة فضلا منه وإحسانا إذ أخلصوا له واستقاموا على أمره وتركوا الرفث والفسوق كما قال صلى الله عليه وسلم : من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه والرفث هو الجماع قبل التحلل ، وما يدعو إلى ذلك من قول وعمل مع النساء كله رفث ، والفسوق : جميع المعاصي القولية والفعلية يجب على الحاج تركها والحذر منها ، وهكذا الجدال يجب تركه إلا في خير ، كما قال جل وعلا : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ
***
:: الحج كله دعوة إلى طاعة الله ورسوله::
الحج كله دعوة إلى طاعة الله ورسوله ، دعوة إلى تعظيم الله وذكره ، دعوة إلى ترك المعاصي والفسوق دعوة إلى ترك الجدال الذي يجلب الشحناء والعداوة ويفرق بين المسلمين ، أما الجدال بالتي هي أحسن فهذا مأمور به في كل زمان ومكان كما قال تعالى : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وهذا طريق الدعوة في كل زمان ومكان في البيت العتيق وغيره . يدعو إخوانه بالحكمة وهي العلم؛ قال الله تعالى وقال رسوله ، وبالموعظة الحسنة الطيبة اللينة التي ليس فيها عنف ولا إيذاء ، ويجادل بالتي هي أحسن عند الحاجة لإزالة الشبهة وإيضاح الحق . فيجادل بالتي هي أحسن بالعبارات الحسنة والأساليب الجيدة المفيدة التي تزيل الشبهة وتوجه إلى الحق دون عنف وشدة .
فالحجاج في أشد الحاجة إلى الدعوة والتوجيه إلى الخير والإعانة على الحق ، فإذا التقى مع إخوانه من سائر أقطار الدنيا وتذاكروا فيما يجب عليهم وما شرع الله لهم كان ذلك من أعظم الأسباب في توحيد كلمتهم واستقامتهم على دين الله وتعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى . فالحج فيه منافع عظيمة ، فيه خيرات كثيرة ، فيه دعوة إلى الله وتعليم وإرشاد وتعارف وتعاون على البر والتقوى بالقول والفعل المعنوي والمادي ، هكذا يشرع لجميع الحجاج والعمار أن يكونوا متعاونين على البر والتقوى ، متناصحين حريصين على طاعة الله ورسوله ، مجتهدين فيما يقربهم إلى الله ، متباعدين عن كل ما حرم الله .
وأعظم ما أوجبه الله توحيده وإخلاص العبادة له في كل مكان وفي كل زمان ولا سيما في هذه البقعة العظيمة المباركة ، فإن من الواجب إخلاص العبادة لله وحده في كل مكان وفي كل زمان ، وفي هذا المكان أعظم وأوجب ، فيخلص لله عملا وقولا من طواف وسعي ودعاء وغير ذلك ، وهكذا بقية الأعمال كلها لله وحده جل وعلا مع الحذر من معاصي الله عز وجل ، ومع الحذر من ظلم العباد وإيذائهم بقول وعمل ، فالمؤمن يحرص كل الحرص على نفع إخوانه والإحسان إليهم وتوجيههم إلى الخير ، وبيان ما قد يجلهون من أمر الله وشرعه مع الحذر من إيذائهم وظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم؛ فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله بل يحب له كل خير ويكره له كل شر أينما كان ولا سيما في بيت الله العتيق وفي حرمه الأمين وفي بلد رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن الله جعل هذا الحرم آمنا ، جعله آمنا من كل ما يخافه الناس ، فعلى المسلم أن يحرص على أن يكون مع أخيه في غاية من الأمانة ينصحه ويرشده ولا يغشه ولا يخونه ولا يؤذيه لا بقول ولا بعمل ، فقد جعل الله هذا الحرم آمنا كما قال تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وقال جل وعلا : أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا
فالمؤمن يحرص كل الحرص على تحقيق هذا الأمن ، وأن يكون بنفسه حريصا على الإحسان لأخيه وإرشاده إلى ما ينفعه ومساعدته دنيا ودينا على كل ما فيه راحة ضميره وإعانته على أداء المناسك ، كما أنه يحرص كل الحرص على البعد عن كل ما حرم الله من سائر المعاصي ، ومن جملة ذلك إيذاء العباد فإن ذلك من أكبر المحرمات ، وإذا كان مع حجاج بيت الله الحرام ومع العمار صار الظلم أكثر إثما ، وأشد عقوبة ، وأسوأ عاقبة .
***
:: الحج والعمرة نسكان عظيمان ::
فالحج والعمرة نسكان عظيمان من أعظم العبادة التي يترتب عليها خير عظيم ، ومنافع جمة ، وعواقب حميدة ، لسائر المسلمين في سائر أقطار الدنيا . فالصلوات الخمس يجتمع فيها العباد في كل بلد يتعارفون ويتناصحون ويتعاونون على البر والتقوى ، لكن الحج يجتمع فيه العالم كله من كل مكان ، فإذا كانت الصلوات هي من الخير العظيم لاجتماعهم عليها في أوقات خمسة ، فهكذا الحج في كل عام فيه خير عظيم والأمر فيه أوجب وأعظم من جهة دعوة الناس إلى الخير لأنهم يأتون من كل فج عميق ، وقد لا تلقى أخاك الذي تراه في الحج بعد ذلك ، وهكذا المرأة عليها أن تحرص وأن تبذل وسعها في إرشاد أخواتها في الله مما علمها الله .
فالرجل يرشد لإخوانه وأخواته في الله من حجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد رسوله صلى الله عليه وسلم ، والمرأة كذلك ترشد لإخوانها وأخواتها في الله مما تعلم من الحجاج والعمار ، هكذا يكون الحج وهكذا تكون العمرة فيهما التعاون والتواصي بالحق والتناصح والإرشاد إلى الخير وبذل المعروف وكف الأذى أينما كان الحجاج والعمار ، في المسجد الحرام وفي خارج المسجد ، في الطواف وفي السعي وفي رمي الجمار وفي غير ذلك ، يحرص كل واحد على كل ما ينفع أخاه ويدرأ عنه الأذى في جميع أرجاء البلد الكريم ، وفي جميع مشاعر الحج يرجو من الله المثوبة ويحذر مغبة الظلم والأذى لإخوانه المسلمين ، وهذا كله داخل في قوله سبحانه : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ وإنما كان مباركا وهدى للعالمين لما يحصل لقاصديه من الخير العظيم في هذا البيت العتيق من الطواف والسعي والتلبية والأذكار العظيمة يهتدون بها إلى توحيد الله وطاعته ، ويحصل لهم من التعارف والتلاقي والتواصي والتناصح ما يهتدون به إلى الحق ، ولهذا سمى الله بيته مباركا وهدى للعالمين لما يحصل فيه من البركة والخير العظيم من تلبية وأذكار وطاعة عظيمة ، تُبصِّر العباد بربهم وتوحيده وتذكرهم بما يجب عليهم نحوه سبحانه ، ونحو رسوله عليه الصلاة والسلام ، وتذكرهم بما يجب عليهم نحو إخوانهم الحجاج والعمار من تناصح وتعاون وتواصي بالحق ومواساة للفقير ونصر للمظلوم وردع للظالم وإعانة على كل وجوه الخير .
هكذا ينبغي لحجاج بيت الله الحرام ولعماره أن يوطنوا أنفسهم لهذا الخير العظيم وأن يستعدوا لكل ما ينفع إخوانهم وأن يحرصوا على بذل المعروف وكف الأذى ، كل واحد مسئول عما حمَّله الله حسب طاقته كما قال سبحانه وتعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ
مَا اسْتَطَعْتُمْ
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وجميع المسلمين لما فيه رضاه وصلاح عباده ، وأن يوفق حجاج بيته العتيق وعماره لما فيه صلاحهم ونجاتهم ولما فيه قبول حجهم وقبول عمرتهم ولكل ما فيه صلاح أمر دينهم ودنياهم ، كما أسأله سبحانه أن يرد جميع الحجاج إلى بلادهم سالمين موفقين مسترشدين مستفيدين من حجهم ما يسبب نجاتهم من النار ودخولهم الجنة واستقامتهم على الحق أينما كانوا .
كما أسأل الله أن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد لكل خير ، ولكل ما يعين الحجاج على أداء مناسكهم على الوجه الذي يرضيه سبحانه ، وقد فعلت الدولة وفقها الله الشيء الكثير من المشاريع والأعمال التي تساعد الحجاج على أداء مناسكهم ، وتؤمنهم في رحاب هذا البيت العتيق ، فجزاها الله خيرا وضاعف مثوبتها .
ولا شك أن الواجب على الحجاج أن يبتعدوا عن كل ما يسبب الأذى والتشويش من سائر الأعمال كالمظاهرات والهتافات والدعوات المضللة والمسيرات التي تضائق الحجاج وتؤذيهم ، إلى غير ذلك من أنواع الأذى التي يجب أن يحذرها الحجاج . وسبق أن أوضحنا الواجب على الحاج بأن يكون كل واحد منهم حريصا على نفع أخيه وتيسير أدائه مناسكه ، وأن لا يؤذيه لا في طريق ولا في غيره ، كما أسأله أن يوفق الحكومة وأن يعينها على كل ما فيه نفع الحجيج وتسهيل أداء مناسكهم ، وأن يبارك في جهودها وأعمالها ، وأن يوفق القائمين على شئون الحج لكل ما فيه تيسير أمور الحجيج ولكل ما فيه إعانتهم على أداء مناسكهم على خير حال .
كما أسأله عز وجل أن يوفق جميع ولاة أمر المسلمين في كل مكان لما فيه رضاه ، وأن يصلح قلوبهم وأعمالهم وأن يصلح لهم البطانة ، وأن يعينهم على تحكيم شريعة الله في عباد الله ، وأن يعيذنا وإياهم من اتباع الهوى ومن مضلات الفتن ، إنه جل وعلا جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان .
***
"مسائل وفتاوى " للشيخ ابن باز -رحمه الله وغفر له
ا
22-12-2004 | 10:52 PM
ا
22-12-2004 | 11:40 PM
بارك الله فيكِ وفيما نقلتِ
وياليتك جزأتِ الموضوع تفادياً للاطالة
ش
23-12-2004 | 12:33 AM
جزاك الله خيرا اختي المكابره
وبارك الله فيك..
وبارك الله فيك..
س
23-12-2004 | 08:13 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أختي في الله المكابرة
بارك الله فيكِ وجزاكِ الله خيرا ونفع الله بكِ
رحم الله شيخنا وأعلى درجته
وفقكِ الله
أختي في الله المكابرة
بارك الله فيكِ وجزاكِ الله خيرا ونفع الله بكِ
رحم الله شيخنا وأعلى درجته
وفقكِ الله
ا
23-12-2004 | 03:11 PM


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هـــــلا وغــــــلا فيك
وجــــزاك اللــه خـــــــــــــــــــــير
على المشاركة القيمة
ورحم الله الشيخ ابن باز رحمة واسعه

مـــــروج ذهبيـــــه

ب
23-12-2004 | 03:54 PM


جزاك الله خير وبارك فيك
ورحم الله شيخنا رحمة واسعة

بنت المملكة 
ا
23-12-2004 | 07:05 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اشكركم على الرد ..
وبارك الله فيكم ورزقكم الحج اللهم آمين ..
وسبب عطل في جهازي قررت ان اكمل اليوم باذن الله
بعض الفتاوى بالنسبة للحج
اشكركم على الرد ..
وبارك الله فيكم ورزقكم الحج اللهم آمين ..
وسبب عطل في جهازي قررت ان اكمل اليوم باذن الله
بعض الفتاوى بالنسبة للحج
ا
23-12-2004 | 07:30 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
:: تقبيل الجدران والحجر الأسود ::
أما تقبيل الجدران ، أو الشبابيك أو غيرها ، واعتقاد أن ذلك عبادة لله ، لا من أجل التقرب بذلك إلى المخلوق . فإن ذلك يسمى بدعة لكونه تقربا لم يشرعه الله فدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفي قوله صلى الله عليه وسلم : (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)
وأما تقبيل الحجر الأسود ، واستلامه واستلام الركن اليماني فكل ذلك عبادة لله وحده واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لكونه فعل ذلك في حجة الوداع وقال : خذوا عني مناسككم وقد قال الله عز وجل : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) الآية
***
:: ما هي العبادات التي يجوز فيها النيابة ::
ما هي العبادات التي يجوز فيها النيابة ومع بيان شروط النيابة للكل؟
الشيخ ::
العبادات التي فيها نيابة أنواع منها الحج ومنها العمرة ومنها توزيع الزكاة يستنيب ثقة يوزع الزكاة ويستنيب ثقة يحج عنه إذا كان عاجزا كالشيخ الكبير العاجز والعجوز الكبيرة والمريض الذي لا يرجى برؤه وهكذا في العمرة وهكذا في توزيع الكفارات يستنيب من يوزع عنه كفارة وطئه في رمضان أو كفارة عتق ظهاره إذا كان عاجزا عن العتق والصيام وكل من يوزع عنه إطعام ستين مسكين وهكذا يوكل في شراء الرقبة التي عليه في وطء رمضان أو في تحريمه زوجته أو في القتل هذه كلها من العبادات التي فيها نيابة نعم.
***
:: فصل في حكم من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج ::
اعلم أن الواصل إلى الميقات له حالان :
إحداهما : أن يصل إليه في غير أشهر الحج كرمضان وشعبان فالسنة في حق هذا أن يحرم بالعمرة فينويها بقلبه ويتلفظ بلسانه قائلا: " لبيك عمرة" أو "اللهم لبيك عمرة" ثم يلبي بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم وهي: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ويكثر من هذه التلبية ومن ذكر الله سبحانه حتى يصل إلى البيت فإذا وصل إلى البيت قطع التلبية وطاف بالبيت سبعة أشواط وصلى خلف المقام ركعتين ثم خرج إلى الصفا وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط ثم حلق شعر رأسه أو قصره وبذلك تمت عمرته وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام .
الثانية: أن يصل إلى الميقات في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذي الحجة ، فمثل هذا يخير بين ثلاثة أشياء ، وهي : الحج وحده والعمرة وحدها والجمع بينهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى الميقات في ذي القعدة في حجة الوداع خير أصحابه بين هذه الأنساك الثلاثة ، لكن السنة في حق هذا أيضا إذا لم يكن معه هدي أن يحرم بالعمرة ويفعل ما ذكرناه في حق من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما قربوا من مكة أن يجعلوا إحرامهم عمرة ، وأكد عليهم في ذلك بمكة فطافوا وسعوا وقصروا وحلوا امتثالا لأمره صلى الله عليه وسلم إلا من كان معه الهدي ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يبقى على إحرامه حتى يحل يوم النحر والسنة في حق من ساق الهدي أن يحرم بالحج والعمرة جميعا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك ، وكان قد ساق الهدي وأمر من ساق الهدي من أصحابه وقد أهل بعمرة أن يلبي بحج مع عمرته وألا يحل حتى يحل منهما جميعا يوم النحر وإن كان الذي ساق الهدي قد أحرم بالحج وحده بقي على إحرامه أيضا حتى يحل يوم النحر كالقارن بينهما .
وعلم بهذا : أن من أحرم بالحج وحده أو بالحج والعمرة وليس معه هدي لا ينبغي له أن يبقى على إحرامه بل السنة في حقه أن يجعل إحرامه عمرة فيطوف ويسعى ويقصر ويحل كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يسق الهدي من أصحابه بذلك ، إلا أن يخشى هذا فوات الحج لكونه قدم متأخرا فلا بأس أن يبقى على إحرامه والله أعلم .
وإن خاف المحرم ألا يتمكن من أداء نسكه لكونه مريضا أو خائفا من عدو ونحوه استحب له أن يقول عند إحرامه " فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" لحديث ضباعة بنت الزبير أنها قالت : يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم حجي واشترطي إن محلي حيث حبستني متفق عليه.
وفائدة هذا الشرط أن المحرم إذا عرض له ما يمنعه من تمام نسكه من مرض أو صد عدو جاز له التحلل ولا شيء عليه.
***
::أحرم بالحج مفردا أو بالحج والعمرة جميعا ::
فإذا كمل السعي حلق رأسه أو قصره ، والحلق للرجل أفضل فإن قصر وترك الحلق للحج فحسن ، وإذا كان قدومه مكة قريبا من وقت الحج فالتقصير في حقه أفضل ليحلق بقية رأسه في الحج لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يحل ويقصر ولم يأمرهم بالحلق ولا بد في التقصير من تعميم الرأس ولا يكفي تقصير بعضه ، كما أن حلق بعضه لا يكفي ، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير ، والمشروع لها أن تأخذ من كل ضفيرة قدر أنملة فأقل ، والأنملة هي رأس الإصبع ، ولا تأخذ المرأة زيادة على ذلك . فإذا فعل المحرم ما ذكر فقد تمت عمرته وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام ، إلا أن يكون قد ساق الهدي من الحل فإنه يبقى على إحرامه حتى يحل من الحج والعمرة جميعا .
وأما من أحرم بالحج مفردا أو بالحج والعمرة جميعا فيسن له أن يفسخ إحرامه إلى العمرة ويفعل ما يفعله المتمتع إلا أن يكون قد ساق الهدي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك وقال: لولا أني سقت الهدي لأحللت معكم
وإذا حاضت المرأة أو نفست بعد إحرامها بالعمرة لم تطف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهر ، فإذا طهرت طافت وسعت وقصرت من رأسها وتمت عمرتها بذلك فإن لم تطهر قبل يوم التروية أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمة فيه وخرجت مع الناس إلى منى ، وتصير بذلك قارنة بين الحج والعمرة ، وتفعل ما يفعله الحاج من الوقوف بعرفة وعند المشعر ورمي الجمار والمبيت بمزدلفة ومنى ونحر الهدي والتقصير فإذا طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة طوافا واحدا وسعيا واحدا وأجزأها ذلك عن حجها وعمرتها جميعا لحديث عائشة أنها حاضت بعد إحرامها بالعمرة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري متفق عليه .
وإذا رمت الحائض والنفساء الجمرة يوم النحر وقصرت من شعرها حل لها كل شيء حرم عليها بالإحرام كالطيب ونحوه إلا الزوج حتى تكمل حجها كغيرها من النساء الطاهرات فإذا طافت وسعت بعد الطهر حل لها زوجها .
***
:: فصل في حكم الإحرام بالحج يوم الثامن من ذي الحجة والخروج إلى منى ::
فإذا كان يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة استحب للمحلين بمكة ومن أراد الحج من أهلها الإحرام بالحج من مساكنهم ، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أقاموا بالأبطح وأحرموا بالحج منه يوم التروية عن أمره صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى البيت فيحرموا عنده أو عند الميزاب وكذا لم يأمرهم بطواف الوداع عند خروجهم إلى منى ، ولو كان ذلك مشروعا لعلمهم إياه ، والخير كله في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم .
ويستحب أن يغتسل ويتنظف ويتطيب عند إحرامه بالحج كما يفعل ذلك عند إحرامه من الميقات ، وبعد إحرامهم بالحج يسن لهم التوجه إلى منى قبل الزوال أو بعده من يوم التروية ويكثروا من التلبية إلى أن يرموا جمرة العقبة ويصلون بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، والسنة أن يصلوا كل صلاة في وقتها قصرا بلا جمع إلا المغرب والفجر فلا يقصران .
ولا فرق بين أهل مكة وغيرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس من أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة قصرا ، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام ولو كان واجبا عليهم لبينه لهم . ثم بعد طلوع الشمس من يوم عرفة يتوجه الحاج من منى إلى عرفة ، ويسن أن ينزلوا بنمرة إلى الزوال ، إن تيسر ذلك لفعله صلى الله عليه وسلم .
فإذا زالت الشمس يسن للإمام أو نائبه أن يخطب الناس خطبة تناسب الحال يبين فيها ما يشرع للحاج في هذا اليوم وبعده ، ويأمرهم فيها بتقوى الله وتوحيده والإخلاص له في كل الأعمال ، ويحذرهم من محارمه ، ويوصيهم فيها بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، والحكم بهما والتحاكم إليهما في كل الأمور اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ، وبعدها يصلون الظهر والعصر قصرا وجمعا في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين لفعله صلى الله عليه وسلم . رواه مسلم من حديث جابر .
***
:: الأنساك الثلاثة في الحج وكيفية العمل بها ::
1- ما هي الأنساك الثلاثة في الحج وما كيفية العمل بها وأيها أفضل ؟
الجواب: قد بين أهل العلم رحمة الله عليهم أن الأنساك ثلاثة، وكل ذلك وارد في السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
النسك الأول: الإحرام بالعمرة وحدها، وذلك بأن يقول القاصد للعمرة: اللهم لبيك عمرة، أو لبيك عمرة، أو اللهم إني أوجبت عمرة. والمشروع أن يكون هذا بعد تجرده من المخيط، ولبسه إزاره ورداءه إن كان رجلا، وبعد الاغتسال - فإن الاغتسال مشروع - والتطيب وأخذ ما يحتاج إلى أخذه: من قص شارب، أو قلم ظفر، أو نتف إبط، أو حلق عانة. هذا هو الأفضل. والمرأة ليس لها إحرام خاص من جهة الثياب، بل تحرم فيما شاءت، إلا أن الأفضل لها أن تكون في ملابس ليست لافتة للنظر، وليست جميلة، ملابس لا تفتن من رآها. هذا هو الأفضل لها.
وإن قال المحرم أو المحرمة عند الإحرام، بعد قوله اللهم لبيك عمرة: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، أو تقبلها مني، أو أعني على تمامها وكمالها. كل هذا لا بأس به.
وإن قال المحرم: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. أو نحو هذه العبارة، ثم أصابه حادث يمنعه من إتمامها، فإن له التحلل، وليس عليه شيء بهذا الشرط ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما اشتكت إليه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها شاكية، أي أنها مريضة قال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني (متفق على صحته) فلو أن المرأة جاءت للعمرة، وقالت هنا الشرط، ثم أصابها الحيض ولا تستطيع الجلوس حتى تطهر، لأن رفقتها لا يوافقونها فإن هذا عذر لتحللها، أو إذا أصاب المحرم مرض يمنعه من إكمال العمرة كذلك أو غير هذا من الحوادث التي تمنع المحرم من إكمال عمرته.
وهكذا الحكم في الحج
وهو النسك الثاني: أن يقول: اللهم لبيك حجا أو لبيك حجا، أو اللهم قد أوجبت حجا على أن يكون ذلك بعد انتهائه من الأشياء المشروعة. هذا هو الأفضل - أي - بعد الغسل وبعد التطيب وبعد تجرده من المخيط كما تقدم.
والمقصود أن الحكم في الحج كالحكم في العمرة في هذا، السنة للمؤمن والمؤمنة أن يكون الإحرام بعد تعاطي ما شرع الله من غسل وطيب ونحو ذلك مما يحتاجه المؤمن والمؤمنة عند الإحرام، وإذا دعت الحاجة إلى أن يقول فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، شرع له ذلك كالعمرة.
والواجب أن يكون ذلك في الميقات ليس له تجاوزه حتى يحرم فإذا قدم من نجد أو من الطائف أو من جهة الشرق يكون إحرامه من ميقات الطائف من السيل "وادي قرن" وإذا أحرم قبل ذلك أجزأه لكنه ترك الأفضل، والسنة ألا يتقدم بالإحرام بل يؤخره حتى يأتي الميقات، لكن لو أحرم قبل ذلك أجزأه ذلك ولزمه ولكن لا ينبغي له ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحرم إلا من الميقات هذا هو السنة فإذا وصل الميقات أحرم منه، وإن تطيب في بيته أو اغتسل في بيته وتعاطى ما يشرع له من قص شارب ونحو ذلك وهو في بيته أو في الطريق كفى ذلك إذا كان الوقت قريبا فيما بينه وبين الإحرام.
وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يستحب أن يصلي ركعتين أيضا قبل أن يحرم، واحتجوا على ذلك بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم قال: أتاني آت من ربي وقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة (رواه البخاري)، وكان هذا في وادي ذي الحليفة، ولأنه صلى الله عليه وسلم أحرم بعد ما صلى الظهر فدل ذلك على أن وقوع الإحرام بعد صلاة أفضل، وهذا قول جيد، ولكن ليس في صلاة الإحرام نص واضح أو حديث صحيح في شرعيتها فمن فعلها فلا حرج، وإذا توضأ الوضوء الشرعي وصلى ركعتين سنة الوضوء كفت للإحرام.
***
:: حكم من أحرم من الميقات ونسي أن يقول في التلبية لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج ::
حاج أحرم من الميقات لكنه في التلبية نسي أن يقول لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج فهل يكمل نسكه متمتعا وماذا عليه إذا تحلل من عمرته ثم أحرم بالحج من مكة؟
الجواب: إذا كان نوى العمرة عند إحرامه ولكن نسي التلبية وهو ناو العمرة حكمه حكم من لبى، يطوف ويسعى ويقصر ويتحلل، وتشرع له التلبية في أثناء الطريق فلو لم يلب فلا شيء عليه، لأن التلبية سنة مؤكدة فيطوف ويسعى ويقصر ويجعلها عمرة لأنه ناو عمرة، أما إن كان في الإحرام ناويا حجا والوقت واسع فإن الأفضل أن يفسخ حجه إلى عمرة فيطوف ويسعى ويقصر ويتحلل والحمد لله ويكون حكمه حكم المتمتعين.
***
:: حكم من حج عن والدته وعند الميقات لبى بالحج ولم يلب عن والدته ::
ما حكم من حج عن والدته وعند الميقات لبى بالحج ولم يلب عن والدته ؟
الجواب: ما دام قصده الحج عن والدته ولكن نسي فإن الحج يكون لوالدته والنية أقوى لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات" فإذا كان القصد من مجيئه هو الحج عن أمه أو عن أبيه ثم نسي عند الإحرام فإن الحج يكون للذي نواه وقصده من أب أو أم أو غيرهما.
***
:: حكم استعمال المرأة لحبوب منع العادة الشهرية في أيام الحج ::
ما حكم استعمال المرأة لحبوب منع العادة الشهرية في أيام الحج ؟
الجواب: لا حرج في ذلك لأن فيها فائدة ومصلحة حتى تطوف مع الناس وحتى لا تعطل رفقتها.
***
:: تقبيل الجدران والحجر الأسود ::
أما تقبيل الجدران ، أو الشبابيك أو غيرها ، واعتقاد أن ذلك عبادة لله ، لا من أجل التقرب بذلك إلى المخلوق . فإن ذلك يسمى بدعة لكونه تقربا لم يشرعه الله فدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفي قوله صلى الله عليه وسلم : (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)
وأما تقبيل الحجر الأسود ، واستلامه واستلام الركن اليماني فكل ذلك عبادة لله وحده واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لكونه فعل ذلك في حجة الوداع وقال : خذوا عني مناسككم وقد قال الله عز وجل : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) الآية
***
:: ما هي العبادات التي يجوز فيها النيابة ::
ما هي العبادات التي يجوز فيها النيابة ومع بيان شروط النيابة للكل؟
الشيخ ::
العبادات التي فيها نيابة أنواع منها الحج ومنها العمرة ومنها توزيع الزكاة يستنيب ثقة يوزع الزكاة ويستنيب ثقة يحج عنه إذا كان عاجزا كالشيخ الكبير العاجز والعجوز الكبيرة والمريض الذي لا يرجى برؤه وهكذا في العمرة وهكذا في توزيع الكفارات يستنيب من يوزع عنه كفارة وطئه في رمضان أو كفارة عتق ظهاره إذا كان عاجزا عن العتق والصيام وكل من يوزع عنه إطعام ستين مسكين وهكذا يوكل في شراء الرقبة التي عليه في وطء رمضان أو في تحريمه زوجته أو في القتل هذه كلها من العبادات التي فيها نيابة نعم.
***
:: فصل في حكم من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج ::
اعلم أن الواصل إلى الميقات له حالان :
إحداهما : أن يصل إليه في غير أشهر الحج كرمضان وشعبان فالسنة في حق هذا أن يحرم بالعمرة فينويها بقلبه ويتلفظ بلسانه قائلا: " لبيك عمرة" أو "اللهم لبيك عمرة" ثم يلبي بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم وهي: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ويكثر من هذه التلبية ومن ذكر الله سبحانه حتى يصل إلى البيت فإذا وصل إلى البيت قطع التلبية وطاف بالبيت سبعة أشواط وصلى خلف المقام ركعتين ثم خرج إلى الصفا وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط ثم حلق شعر رأسه أو قصره وبذلك تمت عمرته وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام .
الثانية: أن يصل إلى الميقات في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذي الحجة ، فمثل هذا يخير بين ثلاثة أشياء ، وهي : الحج وحده والعمرة وحدها والجمع بينهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى الميقات في ذي القعدة في حجة الوداع خير أصحابه بين هذه الأنساك الثلاثة ، لكن السنة في حق هذا أيضا إذا لم يكن معه هدي أن يحرم بالعمرة ويفعل ما ذكرناه في حق من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما قربوا من مكة أن يجعلوا إحرامهم عمرة ، وأكد عليهم في ذلك بمكة فطافوا وسعوا وقصروا وحلوا امتثالا لأمره صلى الله عليه وسلم إلا من كان معه الهدي ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يبقى على إحرامه حتى يحل يوم النحر والسنة في حق من ساق الهدي أن يحرم بالحج والعمرة جميعا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك ، وكان قد ساق الهدي وأمر من ساق الهدي من أصحابه وقد أهل بعمرة أن يلبي بحج مع عمرته وألا يحل حتى يحل منهما جميعا يوم النحر وإن كان الذي ساق الهدي قد أحرم بالحج وحده بقي على إحرامه أيضا حتى يحل يوم النحر كالقارن بينهما .
وعلم بهذا : أن من أحرم بالحج وحده أو بالحج والعمرة وليس معه هدي لا ينبغي له أن يبقى على إحرامه بل السنة في حقه أن يجعل إحرامه عمرة فيطوف ويسعى ويقصر ويحل كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يسق الهدي من أصحابه بذلك ، إلا أن يخشى هذا فوات الحج لكونه قدم متأخرا فلا بأس أن يبقى على إحرامه والله أعلم .
وإن خاف المحرم ألا يتمكن من أداء نسكه لكونه مريضا أو خائفا من عدو ونحوه استحب له أن يقول عند إحرامه " فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" لحديث ضباعة بنت الزبير أنها قالت : يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم حجي واشترطي إن محلي حيث حبستني متفق عليه.
وفائدة هذا الشرط أن المحرم إذا عرض له ما يمنعه من تمام نسكه من مرض أو صد عدو جاز له التحلل ولا شيء عليه.
***
::أحرم بالحج مفردا أو بالحج والعمرة جميعا ::
فإذا كمل السعي حلق رأسه أو قصره ، والحلق للرجل أفضل فإن قصر وترك الحلق للحج فحسن ، وإذا كان قدومه مكة قريبا من وقت الحج فالتقصير في حقه أفضل ليحلق بقية رأسه في الحج لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يحل ويقصر ولم يأمرهم بالحلق ولا بد في التقصير من تعميم الرأس ولا يكفي تقصير بعضه ، كما أن حلق بعضه لا يكفي ، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير ، والمشروع لها أن تأخذ من كل ضفيرة قدر أنملة فأقل ، والأنملة هي رأس الإصبع ، ولا تأخذ المرأة زيادة على ذلك . فإذا فعل المحرم ما ذكر فقد تمت عمرته وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام ، إلا أن يكون قد ساق الهدي من الحل فإنه يبقى على إحرامه حتى يحل من الحج والعمرة جميعا .
وأما من أحرم بالحج مفردا أو بالحج والعمرة جميعا فيسن له أن يفسخ إحرامه إلى العمرة ويفعل ما يفعله المتمتع إلا أن يكون قد ساق الهدي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك وقال: لولا أني سقت الهدي لأحللت معكم
وإذا حاضت المرأة أو نفست بعد إحرامها بالعمرة لم تطف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهر ، فإذا طهرت طافت وسعت وقصرت من رأسها وتمت عمرتها بذلك فإن لم تطهر قبل يوم التروية أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمة فيه وخرجت مع الناس إلى منى ، وتصير بذلك قارنة بين الحج والعمرة ، وتفعل ما يفعله الحاج من الوقوف بعرفة وعند المشعر ورمي الجمار والمبيت بمزدلفة ومنى ونحر الهدي والتقصير فإذا طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة طوافا واحدا وسعيا واحدا وأجزأها ذلك عن حجها وعمرتها جميعا لحديث عائشة أنها حاضت بعد إحرامها بالعمرة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري متفق عليه .
وإذا رمت الحائض والنفساء الجمرة يوم النحر وقصرت من شعرها حل لها كل شيء حرم عليها بالإحرام كالطيب ونحوه إلا الزوج حتى تكمل حجها كغيرها من النساء الطاهرات فإذا طافت وسعت بعد الطهر حل لها زوجها .
***
:: فصل في حكم الإحرام بالحج يوم الثامن من ذي الحجة والخروج إلى منى ::
فإذا كان يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة استحب للمحلين بمكة ومن أراد الحج من أهلها الإحرام بالحج من مساكنهم ، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أقاموا بالأبطح وأحرموا بالحج منه يوم التروية عن أمره صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى البيت فيحرموا عنده أو عند الميزاب وكذا لم يأمرهم بطواف الوداع عند خروجهم إلى منى ، ولو كان ذلك مشروعا لعلمهم إياه ، والخير كله في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم .
ويستحب أن يغتسل ويتنظف ويتطيب عند إحرامه بالحج كما يفعل ذلك عند إحرامه من الميقات ، وبعد إحرامهم بالحج يسن لهم التوجه إلى منى قبل الزوال أو بعده من يوم التروية ويكثروا من التلبية إلى أن يرموا جمرة العقبة ويصلون بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، والسنة أن يصلوا كل صلاة في وقتها قصرا بلا جمع إلا المغرب والفجر فلا يقصران .
ولا فرق بين أهل مكة وغيرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس من أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة قصرا ، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام ولو كان واجبا عليهم لبينه لهم . ثم بعد طلوع الشمس من يوم عرفة يتوجه الحاج من منى إلى عرفة ، ويسن أن ينزلوا بنمرة إلى الزوال ، إن تيسر ذلك لفعله صلى الله عليه وسلم .
فإذا زالت الشمس يسن للإمام أو نائبه أن يخطب الناس خطبة تناسب الحال يبين فيها ما يشرع للحاج في هذا اليوم وبعده ، ويأمرهم فيها بتقوى الله وتوحيده والإخلاص له في كل الأعمال ، ويحذرهم من محارمه ، ويوصيهم فيها بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، والحكم بهما والتحاكم إليهما في كل الأمور اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ، وبعدها يصلون الظهر والعصر قصرا وجمعا في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين لفعله صلى الله عليه وسلم . رواه مسلم من حديث جابر .
***
:: الأنساك الثلاثة في الحج وكيفية العمل بها ::
1- ما هي الأنساك الثلاثة في الحج وما كيفية العمل بها وأيها أفضل ؟
الجواب: قد بين أهل العلم رحمة الله عليهم أن الأنساك ثلاثة، وكل ذلك وارد في السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
النسك الأول: الإحرام بالعمرة وحدها، وذلك بأن يقول القاصد للعمرة: اللهم لبيك عمرة، أو لبيك عمرة، أو اللهم إني أوجبت عمرة. والمشروع أن يكون هذا بعد تجرده من المخيط، ولبسه إزاره ورداءه إن كان رجلا، وبعد الاغتسال - فإن الاغتسال مشروع - والتطيب وأخذ ما يحتاج إلى أخذه: من قص شارب، أو قلم ظفر، أو نتف إبط، أو حلق عانة. هذا هو الأفضل. والمرأة ليس لها إحرام خاص من جهة الثياب، بل تحرم فيما شاءت، إلا أن الأفضل لها أن تكون في ملابس ليست لافتة للنظر، وليست جميلة، ملابس لا تفتن من رآها. هذا هو الأفضل لها.
وإن قال المحرم أو المحرمة عند الإحرام، بعد قوله اللهم لبيك عمرة: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، أو تقبلها مني، أو أعني على تمامها وكمالها. كل هذا لا بأس به.
وإن قال المحرم: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. أو نحو هذه العبارة، ثم أصابه حادث يمنعه من إتمامها، فإن له التحلل، وليس عليه شيء بهذا الشرط ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما اشتكت إليه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها شاكية، أي أنها مريضة قال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني (متفق على صحته) فلو أن المرأة جاءت للعمرة، وقالت هنا الشرط، ثم أصابها الحيض ولا تستطيع الجلوس حتى تطهر، لأن رفقتها لا يوافقونها فإن هذا عذر لتحللها، أو إذا أصاب المحرم مرض يمنعه من إكمال العمرة كذلك أو غير هذا من الحوادث التي تمنع المحرم من إكمال عمرته.
وهكذا الحكم في الحج
وهو النسك الثاني: أن يقول: اللهم لبيك حجا أو لبيك حجا، أو اللهم قد أوجبت حجا على أن يكون ذلك بعد انتهائه من الأشياء المشروعة. هذا هو الأفضل - أي - بعد الغسل وبعد التطيب وبعد تجرده من المخيط كما تقدم.
والمقصود أن الحكم في الحج كالحكم في العمرة في هذا، السنة للمؤمن والمؤمنة أن يكون الإحرام بعد تعاطي ما شرع الله من غسل وطيب ونحو ذلك مما يحتاجه المؤمن والمؤمنة عند الإحرام، وإذا دعت الحاجة إلى أن يقول فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، شرع له ذلك كالعمرة.
والواجب أن يكون ذلك في الميقات ليس له تجاوزه حتى يحرم فإذا قدم من نجد أو من الطائف أو من جهة الشرق يكون إحرامه من ميقات الطائف من السيل "وادي قرن" وإذا أحرم قبل ذلك أجزأه لكنه ترك الأفضل، والسنة ألا يتقدم بالإحرام بل يؤخره حتى يأتي الميقات، لكن لو أحرم قبل ذلك أجزأه ذلك ولزمه ولكن لا ينبغي له ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحرم إلا من الميقات هذا هو السنة فإذا وصل الميقات أحرم منه، وإن تطيب في بيته أو اغتسل في بيته وتعاطى ما يشرع له من قص شارب ونحو ذلك وهو في بيته أو في الطريق كفى ذلك إذا كان الوقت قريبا فيما بينه وبين الإحرام.
وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يستحب أن يصلي ركعتين أيضا قبل أن يحرم، واحتجوا على ذلك بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم قال: أتاني آت من ربي وقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة (رواه البخاري)، وكان هذا في وادي ذي الحليفة، ولأنه صلى الله عليه وسلم أحرم بعد ما صلى الظهر فدل ذلك على أن وقوع الإحرام بعد صلاة أفضل، وهذا قول جيد، ولكن ليس في صلاة الإحرام نص واضح أو حديث صحيح في شرعيتها فمن فعلها فلا حرج، وإذا توضأ الوضوء الشرعي وصلى ركعتين سنة الوضوء كفت للإحرام.
***
:: حكم من أحرم من الميقات ونسي أن يقول في التلبية لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج ::
حاج أحرم من الميقات لكنه في التلبية نسي أن يقول لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج فهل يكمل نسكه متمتعا وماذا عليه إذا تحلل من عمرته ثم أحرم بالحج من مكة؟
الجواب: إذا كان نوى العمرة عند إحرامه ولكن نسي التلبية وهو ناو العمرة حكمه حكم من لبى، يطوف ويسعى ويقصر ويتحلل، وتشرع له التلبية في أثناء الطريق فلو لم يلب فلا شيء عليه، لأن التلبية سنة مؤكدة فيطوف ويسعى ويقصر ويجعلها عمرة لأنه ناو عمرة، أما إن كان في الإحرام ناويا حجا والوقت واسع فإن الأفضل أن يفسخ حجه إلى عمرة فيطوف ويسعى ويقصر ويتحلل والحمد لله ويكون حكمه حكم المتمتعين.
***
:: حكم من حج عن والدته وعند الميقات لبى بالحج ولم يلب عن والدته ::
ما حكم من حج عن والدته وعند الميقات لبى بالحج ولم يلب عن والدته ؟
الجواب: ما دام قصده الحج عن والدته ولكن نسي فإن الحج يكون لوالدته والنية أقوى لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات" فإذا كان القصد من مجيئه هو الحج عن أمه أو عن أبيه ثم نسي عند الإحرام فإن الحج يكون للذي نواه وقصده من أب أو أم أو غيرهما.
***
:: حكم استعمال المرأة لحبوب منع العادة الشهرية في أيام الحج ::
ما حكم استعمال المرأة لحبوب منع العادة الشهرية في أيام الحج ؟
الجواب: لا حرج في ذلك لأن فيها فائدة ومصلحة حتى تطوف مع الناس وحتى لا تعطل رفقتها.
***