أيها الأحبة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام، ومن كان فرط فليختمه بالحسنى، فالعمل بالختام. فاستمتعوا منه فيما بقي من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعوه عملا صالحا يشهد لكم به عند الملك العلام، وودّعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام
إنكم في أيام وليالٍ مباركات، ألا وهي ليالي وأيام العشر الأخيرة من رمضان، هذه العشر الأخيرة من رمضان عشرٌ يرجى فيها للمؤمن العتق من النار برحمة أرحم الراحمين
أيها الأحبة
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص هذه العشر الأواخر بعدة أعمال .
ففي الصحيحين من حديث عائشة : ( كان رسول الله إذا دخلت العشر شد مئزره و أحيا ليله و أيقظ أهله ) و لفظ لمسلم : ( أحيا ليله و أيقظ أهله ) و لها عند مسلم : ( كان رسول الله يجتهد في العشر ما لا يجتهد غي غيرها )
و لها في الصحيحين : ( أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ).
ترى أيها الأحبة : لماذا يفعل رسول الله كل هذا ؟
إنه يطلب تلك الليلة الزاهية ، تلك الليلة البهية ، ليلة القدر ، ليلة نزول القرآن ، ليلة خير من ألف شهر .
نعم إنها ليلة القدر : التي من قامها إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (كما في البخاري من حديث أبي هريرة ).
إنها ليلة القدر التي إن وفقت لقيامها كتب لك كأنك عبدت الله أكثر من ( 83 ) عاما .
إنها ليلة القدر : ليلة عتق و مباهاة ، وخدم و مناجاة ، و قربة و مصافاة .
وآه لنا أن فاتتنا هذه الليلة .
وا حسرتاه إن فاتتنا ليلة القدر .
و كيف لا يتحسر من قد فاتته المغفرة ،من فاته عبادة أكثر من ثلاث و ثمانين عاما ، إن من تفوته فهو المحروم ، وهو المطرود .
عند ابن ماجة ( قال في صحيح الترغيب و الترهيب : حسن ) ( إن هذا الشهر قد حضركم فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرمها فقد حرم الخير كله ، ولا يحرم خيرها إلا محروم )
إنها ليلة القدر : التي كان رسولنا يحث الصحابة على التماسها حثا شديدا .
إن إدراك ليلة القدر- و الله - لهو أمر سهل – على من سهل الله عليه – و ما ذاك ألا بأن نقوم العشر أن قيام الليل هو دأب الصالحين و شعار المتقين و تاج الزاهدين ، كم وردت فيه من آيات و أحاديث ، وكم ذكرت فيه من فضائل ، فكيف إذا كان في رمضان ، وفي العشر الأواخر منه حيث ليلة القدر . الأواخر كلها و بهذا نضمن إدراك ليلة القدر بإذن الله .
أيها الأحبة
و الله أن العمر كله قصير ، فكيف بعشر ليال .
آلا تستحق ليلة القدر أن نضحي من أجلها بعشر ليال فقط .
غدا يا عبد الله عندما يوفى الناس أعمالهم تحمد قيامك و صيامك .
غدا يا عبد الله تفرح بتهجدك و صلاتك ، حين يتحسر أهل الغفلة .
أيها الأحبة
إن من الحرمان العظيم والخسارة الفادحة أن تمر تلكم الليالي والأيام ببعضٍ من المسلمين، تمرّ بهم وما استفادوا منها خيراً، وما انتبهوا لأنفسهم، وما استيقظوا من غفلتهم، سهرٌ بلا فائدة، وقطع الليالي بلا فائدة، فإذا جاء آخر الليل، ناموا في غفلة عن الخير، وتكاسلٍ عن الخير، ولا يدري أحدهم هل تعود تلك العشر عليه وهو في عداد الأحياء أم في عداد الأموات، فليتق المسلم ربه، وليغتنم تلكم الليالي والأيام، فعساه أن يوفق لعمل صالح، وعسى دعوة تستجاب، وعسى عمل يقبل، وعسى أن ينال العبد خيراً في هذه الليالي والأيام.
إنك في ليالٍ مباركة، وأيام فاضلة، فالجأ إلى ربك في كل أحوالك، اشكُ إلى ربك بثك وحزنك، اشكُ إلى ربك ضعفك وعجزك، اشك إلى ربك سقمك ومرضك، اشك إلى ربك همك وحزنك، واشك إلى ربك ديوناً عجزت عنها، واشك إلى ربك هموما سيطرت عليك، واشك إلى ربك ذنبك وتقصيرك في حقه جل وعلا، مُد يد الضراعة لذي الجلال والإكرام، فإنه يستحي أن يرد يدي عبده خائبتين إذا رفعهما إليه، ارفع إلى الله يديك راجياً راغباً، سائلاً طامعاً، تائباً نادماً، فربك لا يتعاظمه ذنب تيب إليه أن يغفره، وربك لا يتعاظمه فضل أن يعطيه .
أيها الأحبة
الجؤوا إلى الله في تلك الليالي والأيام، واسألوا الله الثبات على الإسلام، والاستقامة على الهدى، وأن يحفظ الله علينا نعمته، ويعيذنا من زوال نعمته، ومن تحوّل عافيته، ومن فجاءة نقمته، اسأل ربك لأولادك الصلاح والهداية، وإن أحسست منهم بجفاء فالجأ إلى الله أن يلين قلوبهم لك، اسأل الله لأمك وأبيك المغفرة والرضوان والتجاوز عن السيئات فلهم عليك حق أن تدعو لهم، وأن تترحم عليهم، وأن تستغفر لهم، واسأل الله للمسلمين جميعاً التوفيق والهداية، واجتماع الكلمة والصف، إنه على كل شيء قدير.
وختاماً ..أيها الأحبة
متى يُغفر لمن لا يُغفر له في هذا الشهر؟
متى يقبل من رُدّ في ليلة القدر؟
متى يصلح من لا يصلح في رمضان؟
متى يصح من كان قلبه فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان؟!
كل ما لا يثمر من الأشجار في أوان الثمار فإنه يقطع ثم يوقد في النار، من فرط في الزرع في وقت البِذار لم يحصد يوم الحصاد غير الندم والخسار.
يا شهر رمضان ترفق، دموع المحبين تَدَفَّق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام كل ما تخرق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار يعتق، عسى رحمة المولى لها العاصي يوفق.
نسأل الله أن يمن علينا بإدراك ليلة القدر ..
وأن يجعلنا ممن يوفق لقيامها إيماناً واحتساباً ..
ونسأله أن يعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النيران ..
وأن يجعلنا ممن ختم له رمضان بالمغفرة والرضوان ..
جمع واختيار
** أختكم .. سهرات **
[/CELL]


