سراب.. مر من هنا!!

أميره 31-08-2004 38 رد 3,326 مشاهدة
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
عندما.. تتفق اصابع القدر.. على نسج حكاية.. وتتلاعب بخيوط اطراف الدمى على مسرح ثواني العمر القصيرة.. تترك لنا قليلا من لذه الدهشة.. وكثيرا من التلذذ بالالم..
وحكايتي هنا.. حكاية اقسمت كثيرا ان اكتبها.. بشكل او بآخر.. كنت اعد نفسي انه سيأتي يوم واقولها لكم.. انتم جميعا.. فقط لكي تحبوا بطليها.. بالرغم من بعض اخطائهم.. بالرغم من جرائمهم الصغير.. كنت اعي في داخلي.. انهما لا يستحقان الا الحب وان كان اقله..
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
عندما قرر عبدالله الارتباط.. ودع كثيرا من اهتماماته.. ليكون جديرا بلقب.. رب الاسرة..
قررت والدته.. ان رفع رايات " يعيش عبدالناصر" .. والركض وراء.. شاحنات الرمل في الفريج القديم خوفا من ملاحقات الشيوخ.. لا يليق بشاب يريد ان يكون أبا..
اما ابوه.. فقد هز رأسه قائلا.. " قصر شوي من شعرك.. والا ناوي تفضحنا جدام العرب"..
وللصدق.. كان عبدالله احد نماذج عصر قرر الانفتاح على حضاره غيره قرأ الكثير.. فاختار قليلا من مبادىء القوميه.. وان ظل ملتزما بالدين كما يجب ان يكون عليه ابن امام المسجد..
عندما بدأ بتدريس الرسم للاولاد .. لم يك يعلم ان هذه الفرشاه الصغيره.. قادره على ان تبني له اعواما من الدهشه.. وبيوتا خالية الا من الجمال..
اما من اختارها.. فتشبه ذاته كثيرا.. فهي ابنه شيخ من شيوخ الدين ذوي الثقافه العالية.. تعشق الرسم.. ولكنها تدرس اللغة العربية.. لم تختلط بالناس كثيرا.. ولم تربى على الفوارق بين الخلق.. فكان ان تنتقل الى احد البيوت الفقيرة نوعا ما.. شيئاً لا يتعدى في نظرها الا كونه " بيت لا يشبه بيتنا"..
وهناك.. في ذلك الحي القديم.. كتب ل " مها" ان ترى النور في احد ليالي رمضان.
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
كانت مها.. احدى بدايات العمر اللذيذة.. تلك البداية التي لا تلوح ابدا بآفة النهاية..
كان ان استحوذت على خليط عجيب من ابويها وسائر عائلتها.. فخرجت الى الحياه مثيرة للدهشة والاعجاب..
ولانه من الصعوية بمكان ان نقول انها شبيهة للام او للاب.. اقر الجميع على انها لا تشبه احداً ما.. كما انها ليست بجميله.. ولكنها.. فقط.. قادره على ادارة الرؤوس..
جاذبيه غربيه.. قد تكون عائدة الى براءه لم تفضها انياب السنوات التالية من عمرها..
نشأت وعوملت كطفلة..وبالرغم من هذا حملت قوه غريبه.. تفرض ما تريده .. دون قتال او عراكوان سألتها.. كيف تحصلين على ما تريدين.. فقط هكذا..
تجيب بعفوية لذيذه.. " امس صليت ركعتين ودعيت.. قمت اليوم وصار اللي ابيه.. تبي نسخة من الدعاء اللي اقوله؟؟"
فتاه تسيرها الاقدار.. مع قليل من الغضب وكثير من الرضا..
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
" عمي.. جربت مره تقوم الفجر.. وتسوي شي مجنون؟"
" جربت اقوم الفجر.. بس ما اذكر اني كنت بيوم .. على شي من الجنون؟"
وانتقلت عيناه مباشره الى بقايا ضفائر ودعت شيئاً من الطفولة..وابقت على الكثير منها..
" تعرف عمي .. خاطري اسوي شي غريب.. غريب موت.. بس ما اعرف ايش.."
" طيب حبيبتي.. قومي بكره بدري.. الوقت اللي تقوم فيه جدتك للصلاه.. وبنحاول نسوي شي غريب..ها وش قلتي"
" ايه.. بس.. بكره بعيد.."
غربيه هي الشمس.. عندما تترك وسادة البحر.. مهاجرة الى سماء غريبه.. لتعود وتدفن فيها رأساً اشعلته النار جنوناً.. اتتشابه النساء والشمس؟؟؟
كان الغد ..أو بكره.. يحمل لمها يوما غريباً.. أو مجنوناً على حد تعبيرها.. اخذها العم القادم من غربة طويله.. لترى تثاؤب الشمس مع اول خطوط الفجر.. وعندما خلعت حذائها.. لتدغدغ بطفولة اصابعها وجه الشاطىء.. الجمت الدهشة حروفها.. كيف لم تعرف ان للعالم وجها حالماً كهذا..
" حلو البحر مها..؟"
"موت"
" موت مرة وحده.. بعدك صغيرة على قاسي الالفاظ"
" ما كنت تشتاق للبحر.. وانت بعيد.."
" هناك بعد فيه بحر ..حبيبتي.."
" بس ذاك بحرهم.. هذا بحرك صح"
" تعرفين مها.. هناك ما احس ان هذا لي وذاك لا.. لاني ما احس بأي شعور.. كل تفكيري اني اعيش .. واعرف الناس اني عايش.. هناك وانا بعيد.. احس بحدود ذاتي تتلاشى مني.. احس اني كائن احتلت اطرافه.. اتصرف باللي تمليه علي غريزه بقائي وبس.. "
" مقابل ايش"
نظره من عين ذاك الرجل الملاصق لروحها وان ابتعد.. جعلتها تعرف معنى ان يكون الانسان في غير بلده..في غير جلده..
بضحكة اجاب..
" مقابل ان اعرف قيمة وجودكم في حياتي.. يالله خلينا من السوالف.. وخليني اعزمك على فطور من المعصرة.. شرايك"
كم احبت هذا العم.. المتدثر دائما بثياب الغياب..وكم اسهرها التفكير فيما يجعل الانسان يعشق التغرب حتى عن روحه..
اهو نوع من الجنون.. ايحب عمها الجنون كما تحبه؟؟
وراثة هي اذن..
مجنونه هي بالدفء.. ومجنون هو بالبرد.. لا يهم فكلاهما خلق ثياب العقل..
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
قبل ان تزعج مها العالم بصرخات تعلن قدومها.. بستة اعوام.. ازعجته صرخات طلال ..
وطلال.. ابن احد العائلات البدوية في بلد لم يقاسم بلد مها الحدود- وان قاسمها كثيرا من العادات-.. كان نموذجا تحدي ترف جيل تربى على رفاهية النفط..
ماذا يسمى التهور المرسوم على خطوات هادئه؟؟
وما الذي تعنيه الرحمة.. عندنا ترتدي القسوة نقابا بعمق سواد ذلك الليل؟؟
كان هو.. مزيجا غريبا من القسوة واقصى درجات الحنو..
من الرجولة.. واعمق درجات الطفولة..
كان فقط.. رجلا لا يرى نفسه كبقيه الرجال..
مغرورا قد يكون..
الا ان غروره عمق فيه القليل من الشوائب اللذيذه.. فكان لا يقبل غير رأيه رأيا.. الا ان احب الرأي وصاحبه..
ولأنه قليلا ما يكره.. كان يتقبل الكثير .. الا ما يستهدف كرامته او كرامه بلاده..
"بلاده" أكانت عشقه الاول؟؟؟..
منذ ان ترعرع على كلمات امه " ياه.. شكثر احب هالارض.. تعرف طلال.. هذا الثرى مب تراب او حصى.. هذا احنا.. انا وانت .. تذكر يا ولدي.. لا تقرب رجل الغريب ارضك.. لا تخليها تدوسك.."

أ
[ALIGN=JUSTIFY]
مع اول لفحة من حر تلك البلد.. ايقنت مها ان هناك شيء آخر خلف كثبانها..
شيء وان لم تعرفه.. الا انها تألفه..
من قال بلزوم ان نعرف كي نألف.. أعرفنا ارواحنا قبل ان نألفها؟؟
" تدرين يمه.. مب مرتاحه لهالبلد.. فيها شيء.. ما اعرفه.. يخوفني موت.."
"بعيد الشر.. كم مره اقولج لا تنطقين الموت.."
" جد يمه.. احس اني بموت قبل اعيش في هالارض.. فيها شي يشدني... ويرجع يلفظني.. مدري وشيكون.. الله يعدي هالدورة على خير وارجع بلادي"
تنشغل الوالدة بترتيب الملابس.. تاركة مها.. والمرآه.. وجهان لفتاه واحدة.. لطالما مارست الرضا.. مع قليل من الرفض..
ترى ما الذي يختبىء وراء هذه الكثبان المكسوة بالحداثة يا مها...اتعودين لارضك بمزيد من العلم فقط.. لتضيفي درجه جديده الى سلم طموحاتك .. ام تعودين بألم جديد.. كما يعود الطائر المثخن برصاصة.. الى عشه..
من يدري .. قد لا تعودين.. كما لم يعد عمك..
من يدري!!!!!!!
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
"عفواً.. تعرف وين قاعة الامل.."
" رايح لها.. تحبين تجين.."
" لا بس أشر عليها .. اعرف اروح بنفسي"
" طيب لا تعصبين.. هناك على يسارك.. لحظه لا تمشين.. بمشي انا الاول.. عشان تكونين شاطره وتروحين بنفسك.. "
اكان خائفا من ان تضيع في تعرجات ممر لم يقبل الا الاستقامه..ام انه اراد ان يكون قائدا لفتاه.. اعيت عقلها الاستقلالية..
لم يعرف.. ولم تعرف هي.. كل ما عرفاه.. انه كان في الامام.. اما هي فكانت ملاصقة لظله..
توسد الباب بظهره.. تاركا لها مجال الدخول اولا..
لم يعرف لم سقطت نظره الدهشة الخجولة في عينيها.. الى اعماق نفسه..
لم يعرف كيف ترتسم الدهشة مذعورة في عيني طفلة..
طفلة.. تعود به الكلمه الى حيث تسكن طفلته..
والى حيث لم يعد يعيش هو..
كلمات امه تغلف جوه الممتلىء بهذه الفتاه.. تعاتبه " طلال.. لي متى.. عيالك لهم عليك كل الحق.. وامهم تبيك.. يمكن غلطت ويمكن انت غلطت.. بس الاكيد ان لا امل ولا سلمان غلطوا.. من متى يدفع الطفل ثمن هفوه الكبار.. حرام.."
يقطع صوت المحاضر افكاره.. ليحيي الحاضرين.. ويكسر كلمه "حرام" على رصيف الذاكرة..
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
ما معنى ان تدوم الثانية عمرا.. لتعود مكسوره كجناح حلم قصير..؟؟
ما معنى ان نتمنى ان نعيش عمرا بين اطراف لحظه واحده.. نقسم ونقسم ان متنا بعدها.. لن نحزن على ما لم نذقه من حياة..
سؤالين.. احدهما سكن نبض طلال.. والآخر احتل الباقي من مها..
" المشكله في شباب الخليج انهم ادمنوا الرفاهية.. فلم يعد احدهم يرى ابعد من انفه"
قالها المحاضر من بين اطراف فم.. يصعب على مخلوق فهم احرفه..
وقبل ان يهم طلال - كعادته - بلكم طاولة لم يكن لها من الذنب الا انها امامه..
جاء صوت يتعثر في خطوات خجله قائلا
" صحيح.. في رأيي ان جيل ابي هو جيل اخر الرجال هنا.. فبينما انشغل جيله في محاولة معرفه الكائن خلف مياه الخليج.. ورمال اراضيه.. مادا امام ناظريه خارطه لوطن مستقل بأفكاره.. نشأ جيلي من الشباب.. لاهياً لاهثا وراء متع اراها مخجله ان لم تكن سخيفة..
احيانا اتمنى ان يأخذني التلاشي الى مرحله العدم.. عندما اسمع شابا يجيب على سؤال " اتعرف تولستوي" بقوله " لا اسمع الا الاغاني الخليجية"
وعندما امر بشاب يدافع عن كونه جديرا بالترقية فقط لانه مواطن.. لا اريد شيئا من الحائط المرسوم خلفي الا ان يداريني .. انني...."
وقبل ان تنتهي من ملاحقة افكار لا تلبث ان تختفي.. صوت عنيف من وراء سور الواقع.. هتف يقول..
" يا بنت.. عيب هالكلام قدام الغريب عنا وعنك.. "
" اخالفك الرأي يا استاذ.. كما اخالف الانسة رأيها.. فكما تعرف ان لا يصح علميا ان تعمم ظاهرة الا اذا تأكدت من شيوعها.. واستمرارها بين افراد المجتمع..وكون ان الشباب لاهون في تصرفات قد لا تعجب البعض .. واحيانا الكل.. فليس لان هذا الشاب خليجي..انما هو اسلوب تفكير انسان له ذاته وقيمه وافكاره.. يستمدها من المجتمع .. نعم.. لكن الرغبه بالتمرد سلوك يتسم به الخليجي.. تمما مثل اخاك الاشقر.. اذن لا اظن ان له علاقة بجيناتي او جيناتك.. وانما بتبعات فتره لا تلبث ان تزول من حياة اي شخص..
ثم انني لا ارى ابعد من انفي فقط.. وانما ارى احمرار انفك الآن بالرغم من انه يبتعد امتارا عن ظل انفي.."
مع انتهاء كلمه انفي.. ثلاث ارتجافات حلت بالقاعه..
ارتجافه خجل لازمت مها..
انفعال سكن طلال..
وغضب.. احتل ذاك الاستاذ الاشقر..
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
" يا بنت"
ذات الصوت العنيف.. يقطع عليها تسلسل ترتيب اوراقها.. لتخرج من هذه القاعة المفعمه بقطرات الخجل..
" اسمي مها.. مب بنت"
" ليش قلتي اللي قلتيه.. قبل شوي"

" قلت الحقيقة"

" تظنينها حقيقة.. تظنين ان في اسفل درجات التفاهة.. شباب كل همه ان يروي غرائز دنيويه باهته؟؟ .. وان كان العيب فينا.. وان كان لملم اطرافه من كل الخلق وانزرع بينا.. تظنين انها شطاره لما تعرين نفسك وهلك قدام هالاشقر؟؟ .. تظنينها ثقافة؟؟"

" تعودت اقول الصدق بس.. هو سأل واجابتي تعكس اللي اشوفه .. ما قصدت اهين احد.. قصدت اناقش وضع مفروض للاسف علي وعليك..انا ما افكر لما ارد على سؤال.. اقول اللي اشوفه او اظنه بلا تفكير.. ما تعودت اتخفى ولا اخاف.. "

تلملم الباقي من اوراق مشتته .. كأفكارها الغارقة في الشتات..

" تدلين الكافيتريا"

" ما ابي ادلها"

" ليش؟؟"

" عشان ... بس"

ابتسامه تداعب اخيرا.. قسوة الملامح البدوية..
ووعود كثيرة بشيء مختلف خلف قسمات غضب تلك الطفلة..
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
يظل الانسان منا.. متخبطا بين عجلات الزمن.. يبحث هنا.. وهناك.. عن شخص يقاسم اطراف روحه.. بعضا من السعادة.. وكثيرا من الالم..
وعند اشتداد اليأس.. ونفض اليدين من سراب اللقاء.. يطل علينا وجه من وراء كثبان العمر.. ملوحا بوعود لا يمنع حدوثها.. الا انها.. مستحيله.. الا انها.. جاءت في الوقت.. الخطأ..

" مرحبا.. يا بنت... اقصد.. مها"

" اهلين"

" زحمه الكافتيريا.. تخيلي ان الكل يبي ياكل!!"

" وتخيل انك غير عنهم.. وانك ما جيت مكان الاكل.. الا لانك ما تبي .. تاكل"..
يسحب احد الكراسي..

" جيتي هالبلد لحالج.. والا مع الاهل.."

" لا مع امي.."

" بس.."

" ما عندي غيرها وغير ابوي.. ابوي عنده معرض.. فجينا لحالنا"

" معرض ايش"

" معرض فني.. تعرف.. شفت اللوحه اللي في القاعه.. تعرف من اي مدرسة هي.."

" لا.. اي مدرسة.."

" السريالية.. يعني رسم ما وراء الواقع.. احب هالفن.. موت.. يحسسني بالجنون.. وبإني اشوف اشياء مثل اللي تصير في الحلم.. تحبها انت؟؟؟.."

" احب اي شي جميل.."

" وشنهو الشي الجميل.. مثلا منهو الانسان الجميل"

" يعني اللي شكله حلو.. فيه من تقاطيع الجمال الشي الكثر.. "

" تعرف الجميل بكلمه حلو.. :)"

" طيب.. قولي انتِ.. من الجميل عندك.."

" شوف اذا بنتكلم على الجمال الخارجي.. فأنا احب الجمال العفوي .. الطبيعي.. احب الوجه اللي يحسسني باني مب لازم اخاف.. "

" طيب وايش تعريف البشاعه عندك..؟"

" مالها تعريف.. ما اظن ان فيه شي بشع غير اثنين.. القسوة.. والموت.."

" تخافين الموت.."

" لا اخاف.. برد مكان الميت.. وانت ما تخافه؟؟.."

" لا .. شفته كثير.. في شغلي.. الموت زميل لنا.. كل ثانية تحمل لنا معها.. شوي من ريحته.."

" وين تشتغل؟؟"

" في العسكرية.. اقول.. ما شبعتي من الاكل"
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
" انا..جيت"

كعادتها.. في اثاره انتباه والداتها.. اليها..

" هلا وغلا.. شسويتي اليوم..؟"

" كالعادة.. حضرت المحاضرة .. وجيت.. حبيتي البلد يمه؟"

" حلوة.. بس ناقصها شي.. ما ادري وشو؟؟"

" انا ادري.. ناقصها ابوي"

" يمكن :)"

" تعرفين يمه.. قبل لا اودع ابوي في المطار.. توقعت.. اني ببكي.. او حتى بأرفض اني اسافر.. بس الغريبه اني ما حسيت بشي من هذا كله.. ولهاللحظه.. ما احس اني مشتاقة او متضايقة.. احس بس.. اني ما احس بشي.. مجرد اني عايشة.. وبس"

" تدرين ليه.. لانا مخلوقين من ضعف.. ولضعفنا.. نعجز حتى عن الاحساس بالعجز والالم.. نظل طول عمرنا نكابر وندعي انا وقت الالم.. بنقاوم.. والبعض ينهار قبل المصيبه.. بس في الوقت اللي لازم يصير فيه هذا كله.. نلاقي نفسنا.. كتله من الجمود.. ما ادري.. بس الاكيد انها نعمة.. مثل ابره التخدير.."

" يمكن.. "

افعلا خلقنا من ضعف؟؟؟.. ام اننا في زمن قلب موازين العقل.. فاصبحت القوه .. ضعفاًً؟؟
ا
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أختي الغالية أميرة

أخذتني قصة هذه إلى أبعد مما أتصور

تنوعك في طرح الاحداث والتطرق إلى ما نعانيه من مشاكل جذبني كثيراً وجعلني استكتعت بمواصلة القراءة

على الرغم من أنكِ لم تكتبي بالعربية الفصحى ولكن تلك المقتطفات التي كتبتها بلغة المجتمع أضفت طابعاً مميزاً

واصلي الكتابة فأنتِ تمتلكين حساً رائعاً

تقبلي إحترامي وتقديري

المرتحله
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
للمطر قدره غريبه.. على تلوين كل ما حوله.. بلونه.. واذا عرفنا ان لا للون للمطر.. فليس من الصعوبة ان نعرف.. ان لا للون لمشاعرنا المسكوبة تحت قطراته..

" تأخرتي.."

" مطر.. ما توقعت ان يكون عندكم مطر هالوقت.. كان الجو حار "

" يا بنت.. لا يكون انتِ من عالم غير عالمنا.. ترانا جيران ها.. نفس طبيعة الجو..:)"

" ايه.. صح.. انسى مرات.."

" تنسين وايد.. المهم.. شخبارج.. ناوية ترجعين تكملين الكورس معنا بعد اربع شهور والا بتكسلين."

" لا ان شا الله برجع.. اذا ظروفي سمحت..قولي.. تحب شغلك؟؟"

" ايه.. حيل"

" ليه؟؟"

" من غير ليه:).. ما قريتي مره ان الحب.. تنقصه الدوافع.. نحب لانه انتكب علينا نحس بهالشعور.. بس اظن اني احبه.. لاني احس اني من خلال..امارس انسانيتي.."

" تمارس انسانيتك؟؟؟.."

" ايه."
" الانسانيه ما تنبع من وظيفة.. مب لازم عشان اكون انسانة.. البس بدله.. فوقها الف نجمة..الانسانية اني انا اكون .. النجمة..؟

" الوظيفة تمنع عني لحظات الخوف او التردد.. كم مرة وقفتي تشوفين شي غلط.. ومنعك خوفك او خجلك انك توقفينها.. انا عكسك.. لو منعني خوفي.. يحبرني الواجب.. يعني غصب اكون انسان..:)"

" تخيل صرنا في زمن.. ننجبر فيه انا نكون بشر.."

" ما فيه داعي اتخيل.. لانها الحقيقة.."

" يمكن"

لا يعرف ما الذي اجبره الى تغيير مجرى الحديث.. لكن متاكد انه اراد حينها ان يعرف الكثير عن هذه الانثى.. ذات الرداء الطفولي..

" مها.. كم عمرج انتي..؟؟

" 26.."

" يووه.. عجوز.."

" شوي.. مب وايد"

ضحكة ذات فوضى بدوية.. ايقظتها.. من الخجل.. لترى وجهه وقد اكتسى بصبيانية.. بدت متناسقه مع براءه نظراته..

" ليه تقولين عمرك.. صغري نفسك مثل باقي الحريم..:)"

" لا عيب.."

" ليه..؟؟"

" احس كبرت على ... الكذب "
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
لحظات السعادة.. قصيره.. تمام كلحظات الذهول.. لا نلبث ان نحس بطعمها.. حتى تتوارى خلف جدران الحقيقة..

يخيل الي احيانا.. ان السعادة مخلوق.. يخجل من وجوده في زمن اتخذ البشاعه والحزن.. عنواناً..

" اليوم في الليل طيارتي.. الله اخيرا.. برجع البيت.."

" فرحانة؟؟"

" موت..""

" ما تنلامين.. عشرين يوم بعيد عن ابوج.. مب شي سهل..""

" ايه.. وحشني كلامه.. قعدته.. تعصيبه علي.. مع انه ما يعصب علي وايد :)"

" وليه ما يعصب وايد؟؟؟"

" لاني ما اسوي شي غلط.. اصلا اخاف.."

" يعني الخوف .. هو بس السبب اللي يخليك ما تغلطين؟؟"

" ايه.. بس مب الخوف من العقاب.. اخاف من نظره.. تعكس خيبة امل.. او احتقار.. اخاف مره اوقف قدام المرايه.. الاقي ان انا .. ما عدت انا.. تعرف.. مره قريت.. ان الانسان كل ما غلط.. تسقط قطعه من جلده..ويصير مثل الثوب المليان رقع.. تخيل نصير جذيه... اع :) "

" تعرفين .. مها..عمري ما عرفت الخوف.. كنت طول عمري اني ما خفت من احد..الا في مرة.. كنت خايف حيل.. من نفسي.."

" كيف؟؟"

" كان عندي صديق.. ما اعرف الا اني كنت اغليه.. يمكن اكثر من نفسي.. كان رجل.. تعرفين شنو يعني لما يكون الانسان رجل.. عندي.. نادرا ما يستحق احد هالكلمه.. كان في مهمة.. من مهمات الموت عندنا..اف..لا تصدقين لما اقولك اني تعودت على الموت.. طيب.. ترا والله اكذب..
المهم..كنا كلنا ندري ان المهمه قربت تنتهي.. وكان هو.. فرحان.. مو لانها بتنتهي.. بس لانه كان يحس انه ناجح.. مثل ما كان دايما..
لكن.. للاسف.. ما نجح.. تعرفين ليش؟؟
رصاصة غبيه.. غبيه مثل اللي صوبها.. رمت بآخر اماله .. وثقة شبابه.. على الرصيف.. نظرته وقت الموت.. مثل اللي ينتظر شي.. ما يبيه يجي.. ويعرف في الوقت نفسه.. انه مستحيل يبتعد؟؟... شفتي الطفل وقت ينتظر عصا العقاب.. تعرفين نظرته.. رجفته.. حرقة شفاته ؟؟؟
كل هذا سكن وجه صديقي " سلمان"..
لما مات.. خفت من نفسي.. خفت من كرهي وحقدي..تخيلي لما ترتعبين من ايديك.. تخافين تحرمك انسانيتك..
ادري ما راح تقدرين تتخيلين.. "

أكان هذا الرجل المفعم بالقوه والحرارة.. هو ذاته المكسو بأسمال الالم؟؟؟
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
لأول مره تقف حائره امام مشاعر احد.. خصوصا عندما يكون هذا " الأحد".. شخصا رغم احساسها بالالفه نحوه.. الا ان طوفانا من الخوف.. يجتاح وجودها.. مع بوراق غضب عينيه..

" طلال.."

" يس.."

" حزين انت وايد؟؟"

" لا عادي.. بس ما احب اتذكر.."

" شلون تتذكر.. وانت اصلا ما نسيت.. للاسف الذاكره اصعب جزء فينا.. تجبرنا على اشيا.. وتحرمنا من اشيا ثانيه.."

" ايه.. اللي يضايقني.. احساس اني ما شبعت من وجوده في حياتي.. تعرفين.. اللي يضايق فينا .. احنا الخليجيين.. انا ما نعبر عن مشاعرنا تجاه المقربين لنا.. نعتقد دايما انهم يدرون.. ويفهمون.. وللاسف.. مرات كثيره يكون العكس.. والمؤسف اكثر.. انا في النهاية نكتشف انا احنا اللي كنا بحاجه للتعبير.. والكلام.. اكثر من الي ابتعدوا.."

" تبقى فيه فرص كثير.. تطلب له الرحمة.. وتظل فخور به.. وممكن بعد ان شا الله.. تسمي ولدك على اسمه.."

كمن تلقى صفعه على حين غره..

" ايه.. ان شا الله.."

لا يدري لم اخفى عنها.. ان له بالفعل ولدا.. يدعى.. "سلمان".. ربما وللمره الثانيه.. غزى الخوف.. قلبه..

" يالله.. صار لازم امشي.. بمر اخذ الشهادة.. واروح البيت.. اشوفك على خير.."

" خلاص؟؟"

" ايش اللي خلاص.."

" خلص الكورس.."

" ايه.. تخيل..:) "
ن



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


اسعدني جداً عودتك أميره

ونحن مازلنا بأنتظار السراب والإكذوبه

ومبدعه أنت في هذه وتلك


لك كل التقدير والأحترام
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
اخيرا.. اعلن الطيار اقتراب موعد الهبوط..

كان المطار خالياً الا من.. ابيها.. تلاشت كل الوجوه.. تبخرت كل الاصوات.. ليحل هو مكانها.. هو بوجوده.. حنانه.. قوته.. ضعفه امام ابتسامتها..ارادت ان ترتمي بين اصابع كفيه النحيلة.. حينها .. وحينها فقط.. تذكرت هذا الكم اللامعقول من البشر في المطار..

في البيت.. لم تفعل شيئا.. سوى استنشاق رائحة العودة.. كم احبت هذا المكان.. وكم كرهت ابتعادها عنه..
أفعلا كرهت البعد.؟؟؟ الم تتمنى وهي في الطائرة ان تعود قليلا الى الوراء..هزت رأسها العنيد الغير.. لتمنع طنين فكره ازعجتها..

توقفت امام لوحة بدأ والدها في صياغة.. رتوشها..

امرأة تقف خلف كمية قليله من الضباب.. وحولها عدد من الاجساد .. جميعها لنفس المرأه.. الا انها تختلف في التعابير.. احد الوجوه يبتسم.. والاخر يصرخ.. وثالث يتألم..

ما معنى هذا؟؟؟ ستسأل والدها فيما بعد..

اما الان.. فلا مكان غير.. ذراعي هذا الوالد :)
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
على الجانب الآخر من البعد.. كان طلال.. كعادته.. ذات التهور.. المرح.. والثقة..
شيء واحد فقط.. يحسه دخيلا عليه.. احساس بالفقد.. لم يتعوده قبلا..
هل الاحساس بفقد شخص قطع علينا القدر طريق رجاء عودته.. يختلف عن فقد شخص يدعبنا الامل بلقائه..

هل فقد سلمان.. يختلف عن فقد .. مها؟؟
" مها" لم يتذكرها الآن؟؟

وسط ضجيج ملاحقة والدته له.. والحاحها عليه.. ليرجع طليقته؟؟
لم اخذ وجودها.. المتلاشي.. يملأ فراغ حياته...

" يمه.. تكفين.. خلينا من هالموضوع.. انا طالع.. اشوفج على خير.."

غبار الطريق يزعجه.. يذكره بروح.. علاها الغبار..
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
" يمه.. شوفي.. حلو هالفستان.. صح؟؟"

" وايد حبيبتي.. اشوفج بفستان العرس.. ان شا الله"

" تعرفين بخليه اي لون.."

" طبعا ابيض.."

" لا.. ابيه يكون بيج فاتح.. وادخل فيه اللون الذهبي.. مب الذهبي العادي.. لا.. اع.. ما احبه.. اقصد.. اللون المطفي.. وتكون الطرحه طويله.. اثبتها في شعري من ورا.. اما الورد.. ابيه بعد يكون بيج..
والقاعه يمه.. تدرين شبسوي فيها؟؟؟

" ها شبتسوين.."

" ابي اخليها كلها شموع.. ولما ادخل.. تطفي الانوار.. ويبقى ضوء الشموع.. وانا.. وبس.."

ضحكات الام.. توقظها.. من عرس وهمي.. زاد في غرابته.. وجود وجه.. طلال..
أ
[ALIGN=JUSTIFY]
كم تكره صوت دقات القلب المريض..
كم تكره لون الصقيع المزروع في عروق .. المرض..

الا انها.. لاتملك للهروب من هذا الوضع.. سبيلا..
فالمسجاة هنا.. بكل ما لعدم الحيلة من معنى.. هي جدتها..ام عبدالله كما عرفت بين سكان الفريج القديم.. اصبح اللقب مرادفا لوجودها.. لا تنادى بغيره.. حتى من ابنها عبدالله..

تتلفت حولها.. هاربة من رغبة.. تدعوها الى دفن رأسها في صدر هذه المغطاه.. بالسبات..
ما سبب طلاء الاغطية والجدران.. بل وحتى الوجوة.. بالأبيض..
لأن الموت.. بارد؟؟ تماماً كالصقيع؟؟
ام لاننا نتجمد امامه.. فنصبح نحن الصقيع؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

تقرب الكف المعروقه من فمها.. تذكرها الرائحه المغموسة بلون العجز.. بالحكايات القديمة.. السندباد.. علي بابا.. و...
تفتح الجدة عينيها.. تهرب من نظرات قبلت بلا وعي وجه مها..

" جدتي.. شلونج.. احسن؟؟.."

لا تدري من اين جاء الصوت..
" تحت رحمة.. الله.."

ايقظتها الجملة من الحلم.. يا إلهي ما الذي ذكرها بما تكره ان تتذكره..
كم تكره الاحلام..
X