المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فارس من نوع اخر



eimie
14/05/2002, 10:18 PM
مرحبا
فارس من نوع اخر
منذ أن غادرنا ذلك الحي الشعبي للعيش هنا، ونحن نفتقد أولئك الناس الذين ألفناهم وكذلك هم فعلوا. افتقدنا تلك الضوضاء حتى أنني لأشعر في أحيانا كثيرة وكأننا أصبحنا أشباحا لا ترى إلا لمن استطاع إلى ذلك سبيلا . كنت في التاسعة عندما انتقلنا إلى هذا الحي الراقي بأرصفته المتراصة وشوارعه التي تخلو من المارة إلا من حركة بعض السيارات بين الفينة والفينة ، وإنارة طرقاته التي تخترق ستائر حجرة نومي الرقيقة لأستغرق اشهرا حتى اعتادت عيني النوم.
شقيقتي "سلمى" تكبرني بعدد قليل من السنوات. وقد كان الطلب للزواج منها شحيحا بل منعدما إن صح القول . ليس لسبب إلا إنها القسمة والنصيب .
ومع مرور السنوات ، تشاء الأقدار أن يطرق بابنا الفارس الذي طال ما انتظرته "هدير" وانتظرناه معها. يعمل الفارس موظفا حكوميا وهو من عائلة لم نكن نعرف عنها شيئا سوي ما اخبرنا هو به ، فوالداه قد توفيا تاركين له شقيقة تصغره سنا مما اضطره ذلك إلى ترك دراسته التي لم يعنه تقلب الأقدار على مواصلتها وبلوغ ما بنى عليه أبواه الآمال والآمال ، لاجئا إلى عمل يحصد من وراءه ما يضمن له وشقيقته مواصلة الحياة دون طلب العون من الغير بغية تحمل أعباء المعيشة. وكان مشروع زواج تقليدي تقوم عائلة الفتاة بالسؤال وتقصي المعرفة عن عائلة الفتاة طالب الزواج . ولأن والدنا شيخ كبير، فقد تولى المهمة شقيقنا الأوحد "هشام".
مضت أيام وأيام دون أن يطالعنا "هشام" بما يثلج صدورنا ويأتي بالمسرة إلى بيتنا لأول مرة. لم احتمل الانتظار طويلا .فما أن وجدته ذات ليلة يجلس وحيدا يتابع إحدى المسلسلات ، حتى وجهت إليه سؤالي الذي سرعان ما وجدته يطلب مني خفض صوتي. عرفت عندها بان الأخبار غير سارة وقد كان أخي بارعا في إخفاء ردود أفعاله. علمت منه أن الفتي له ماض بغيض . ولكن بعض المقربين منه قالوا بان ماضيه اسودا ولكنه اليوم قد تجاوز كل ذلك ولم يعد يسمع عنه إلا ما هو طيب. سالتة .. وماذا عن والدانا و "سلمى" هل ستخبرهم بما توصلت إليه من أخبار فأجابني بأنه في حيرة من أمره ، لقد كبرت "سلمى" وهذا هو أول طالب للزواج منها منذ سنينا عدة .والخوف كل الخوف أن يكون الأخير. هل نخبر الجميع بما توصل أليه "هشام" أم نخفي الحقيقية أملا في أن ما قيـل عنه من بعض المقربين له يضمن لشقيقتي حياة زوجية مستقرة ولا ضامن إلا الله لقد اخترت وأخي الثانية والتوفيق من عند الله. تم الزواج وانتقلت "سلمى" إلى بينت زوجها وشقيقته التي وبطبيعة الحال لا يمكن تركها تعيش وحيدة وهي فتاة تعيش تحت جنح أخيها الذي هو ولي أمرها. يمضي عام وحياتنا لا يشوبها أو يعكر صفوتها شئ سوى قلة التقاؤنا بشقيقتنا التي شغلتها حياتها الجديدة عنا. ولكن يهون الأمر علينا عند التفكير للوهلة باستقرارها وسعادتها.
وفي أحد الأيام فاجأتنا "سلمى" بزيارة لم تكن كافية بعد غياب طويل. لم اكن لالتمس تلك السعادة التي طالما تمنينا ولا نزال. فهي أختي وصديقة عمري وليس اسهل علي من أن أقرا مزاجها0 هناك خطب ما ، سألتها وألححت عليها بالسؤال إلى أن أخبرتني بسبب حزنها ، فهي عاقر .
حاولت إخفاء حزني وأسفي لذلك ولكن الخبر كان اقسي من أن احتمل. بكيت وأبكيتها وهي التي لم يفارق الدمع عيناها منذ علمت إلا عند ولوجها بيتنا لأتسبب في بكائها من جديد. مرة أخرى نقرر إخفاء أمر ما عن العائلة ولكن هذه كنت أنا و "سلمى". يمضي عام آخر ولكنه كان هذه المرة قاسيا علينا ، فقد ذهب أبى في رحلة إلى ابد الدهر. رحل مخلفا وراءه فراغ يكاد يقتلنا في اليوم مرات ومرات كلما خطونا في أرجاء البيت. وما زاد أحزاننا أحزانا ، انقطاع "سلمى" عنا ونحن في أوج الحاجة إلى أن تكون معا متقاسمين المصاب الذي ألمّ بنا ، فما أن انقضت الأسابيع الثلاثة الأولى بعد وفاة أبى حتى تخلفت أختي عن أن تتواجد بيننا مكتفية بالاتصال هاتفيا لتعتذر لانشغالها. ويتكرر ذلك في اليوم التالي ولكن هذه المرة قامت والدتي بمهاتفنها للاطمئنان عليها، وأيضا تعتذر للأسباب ذاتها.
بعد عام تقريبا ، وبينما كنت أهم بالخروج لقضاء بعض الوقت عند إحدى صديقاتي ، وصل إلى مسامعي أصوات توحي وكأن عراك يدور في الطابق السفلي . نزلت مسرعة لتفقد الأمر وإذا بي أجد "سلمى" تقف عند أول الدرج وكأنها كانت في طريقها للصعود لملاقاتي ، كانت أمي تقف وراءها والحزن والفرح يمتزجان في تعبيرات وجهها الجميل والذي لم تأخذ منه السنون إلا قليلا . أكملت طريقي لأرتمي بين أحضان أختي الحبيبة دون أن أنطق بكلمة واحدة . لقد تمكن الدمع مني وأغلق مخارج الحروف عندي حتى أني خشيت على نفسي من أن أكون قد فقدت النطق.
كانت لحظات يعجز المرء عن أن يصفها أو يتغنى بكلماتها ، لتنتهي بصعودنا نحن الثلاثة والجلوس في حجرتي التي ولحسن الحظ كانت في أحسن حالاتها لدرجة أن شقيقتي لاحظت ذلك على الرغم من مرور عام كامل لم تطأ فيها قدميها البيت ، وقد أثنت على هذا التقدم الذي طرأ على حياتي . أعقب ذلك لحظات صمت توجس قلبي خيفة منها ، وإذا بأمي تكسرها بجملة توجهها لي قائلة بأن سلمى لم تأتي بمفردها. لم أعي ما قالت، وربما لم افهم ما كانت ترمي إليه فطلبت منها إعادة ما قالت. وعندما فعلت ، قلت وهل هناك من حضر برفقتها فبعد زواجها انقطع زوجها عن المجيء إلينا فمن يا ترى ذا الذي حضر معها.
لقد كان رد أمي على سؤالي كسكب الماء البارد على جسد من أصابته الحمى ، لقد أنجبت "سلمى" دون علم منا. بل حملت وأمضت أشهر حملها ووضعت دون أن نعلم بشيء من كل هذا. فأي أخت أنت يا أختاه.
وهلة قصيرة لتلتقي بعدها أعيننا فأجد "سلمى" ترميني بنظرة يملؤها الاستعطاف وكأنها تناشدني بالصمت ، سارعت هي بالكلام وقالت لي : ألن تلقي نظرة على "شجن"
قلت : ومن عساها تكون "شجن" هذه
أجابت : ابنتي "شجن" ، طفلتي
قلت : وهل أنجبت طفلة لا طفل
قالت : وما الفرق
قلت : كلا .. لم أكن أقصد ..
وعلى الفور توجهت حيث يوجد باب الحجرة لأخرج منها وإذا بأمي تطلب مني البقاء مع سلمى على أن تنزل هي لإحضار "شجن" معتقدة بأنني كنت عازمة على الخروج من حجرتي لرؤيتها.
أغلقت الباب خلف أمي ونظرت إلى سلمى وإذا بها تقول : ليس الآن .. سأنتظرك غدا .. كلا .. غدا عند الخامسة مساء نخرج أنا وأنت وأجيب على كل ما يشغل ذهنك.
جاء اليوم التالي وما كان ليأتي من شدة ما ذهبت بي الهواجس والوساوس. حضرت سلمى عند الخامسة مساء في سيارة "أجرة" وركبت معها متوجهتين إلى مقهى خفيف الظل في أحد المجمعات التجارية. وهناك علمت بكل شيء. علمت ما اقشعر له كل ذرة في كياني . تمنيت لو لم أعلم ولا زلت أتمنى. ليتني لم أخرج معك يا أختاه.
أمضيت من الليالي الكثير أفكر في كل ما ذكرته لي. وما يشق علي هو أن أجد مخرجا لأختي من محنتها هذه لأن جميع الحلول ستجعل منها امرأة مطلقة وهي التي لم يكن لها نصيب من الدنيا سوى فارسها هذا الذي لا أجد في هذه الدنيا من هو أشد منه حقارة. لأن "شجن" هي ثمرة لعلاقة بين هذا الفارس وشقيقته ابنة أمه وأبيه. لقد استطاع بطريقة ما أن يجعل من "سلمى" أماً لطفلة لم تحملها بين أحشائها لتلدها بعد ألذّ معاناة كتبت علينا نحن سلالة حواء.
تحياتي
eimie

اديب
14/05/2002, 10:32 PM
اختنا الكريمه ايمي


قصه اجتماعيه جميله ورائعة

ولكن طابع الحزن يشد الاذهان فيها


ااااااه ما اقسى الحياة على البعض


اديب

eimie
15/05/2002, 01:18 AM
حيا الله
اخوي
اديب
مشكور
ترا القصه من وحي خيالي
ومدري ليش طابع الحزن دوم
في مشاركاتي :confused:
يعطيك العافيه وجزاك الله خير
تحياتي
eimie