المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زوجتي....!



ام الفرسان
03/01/2002, 01:13 AM
زوجتي .... !

>الأستاذ علي الطنطاوي
>
>
>
>
>
>قال لي صديق ، معروف بجمود الفكر ، وعبادة العادة ، والذعر من كل خروج
>عليها أو تجديد فيها . قال:
>
>- أتكتب عن زوجك في الرسالة تقول إنها من أعقل النساء وأفضلهن ؟ هل
>سمعت أن أحداً كتب عن زوجه ؟ إن العرب كانوا يتحاشون التصريح بذكرها ،
>فيكنون عنها بالشاة أو النعجة استحياء وتعففا ، حتى لقد منع الحياء
>جريراً من رثاء زوجه صراحة ، وزيارة قبرها جهارا . ومالك بن الريب لمّا
>عد من يبكى عليه من النساء قال :
>
>فمنهن أمى وابنتاها وخالتى **** وباكية أخرى تهيج البواكيا
>
>فلم يقل وامرأتى . . وكذلك العهد بآبائنا ومشايخ أهلنا . لم يكن يقول
>أحد منهم : زوجتى ؛ بل كان يقول : أهل البيت وأم الأولاد ، والجماعة
>،والأسرة ، وأمثال هذه الكنايات . أفترغب عن هذا كله ، وتدع ما يعرف
>الناس ،وتأتى ما ينكرون ؟
>
>قلت : نعم !
>
>فكاد يصعق من دهشته مني ، وقال :
>
>- أتقول نعم بعد هذا كله ؟
>
>قلت : نعم ! مرة ثانية .
>
>أكتب عن زوجتي فأين مكان العيب في ذلك ؟ ولماذا يكتب المحب عن الحبيبة
>وهي زوج بالحرام ،ولا يكتب الزوج عن المرأة وهي حبيبته بالحلال ؟
>ولماذا لا أذكر الحق من مزاياها لأرغب الناس في الزواج . والعاشق يصف
>الباطل من محاسن العشيقة فيحبب المعصية إلى الناس؟ إن الناس يقرؤون كل
>يوم المقالات والفصول الطوال في مآسي الزواج وشروره ، فلم لا يقرؤون
>مقالة واحدة في نعمه وخيراته ؟
>
>ولست بعد أكتب عن زوجي وحدها ؛ ولكنى كما كان هوجو يقول : "إني إذا أصف
>عواطفي أبا ، أصف عواطف جميع الآباء" .
>
>لم أسمع زوجاً يقول إنه مستريح سعيد ، وإن كان في حقيقته سعيداً
>مستريحا ، لأن الإنسان خلق كفورا ، لا يدرك حقائق النعم إلا بعد زوالها
>؛ ولأنه ركب من الطمع ، فلا يزال كلما أوتى نعمة يطمع في أكثر منها ،
>فلا يقنع بها ولا يعرف لذتها . لذلك يشكو الأزواج أبدا نساءهم ، ولا
>يشكر أحدهم المرأة إلا إذا ماتت ، وانقطع حبله منها وأمله فيها ؛ هنالك
>يذكر حسناتها ، ويعرف فضائلها . أما أنا فإني أقول من الآن – تحدثا
>بنعم الله وإقراراً بفضله – إني سعيد في زواجي وإني مستريح .
>
>وقد أعانني على هذه السعادة أمور يقدر عليها كل راغب في الزواج ، طالب
>للسعادة فيه ، فلينتفع بتجاربي من لم يجرب مثلها ، وليسمع وصف الطريق
>من سالكه من لم يسلك بعد هذا الطريق.
>
>
>أولها : أني لم أخطب إلى قوم لا أعرفهم ، ولم أتزوج من ناس لا صلة بيني
>وبينهم . . فينكشف لي بالمخالطة خلاف ما سمعت عنهم ، وأعرف من سوء
>دخيلتهم ما كان يستره حسن ظاهرهم ، وإنما تزوجت من أقرباء عرفتهم
>وعرفوني ، واطلعت على حياتهم في بيتهم واطلعوا على حياتي في بيتي . إذ
>رب رجل يشهد له الناس بأنه أفكه الناس ، وأنه زينة المجالس ونزهة
>المجامع ، وهو في بيته أثقل الثقلاء . ورب سمح هو في أهله سمج ، وكريم
>هو في أسرته بخيل ، يغتر الناس بحلاوة مظهره فيتجرعون مرارة مخبره . .
>
>تزوجت بنتاً أبوها ابن عم أمي لحا ، وهو الأستاذ صلاح الدين الخطيب شيخ
>القضاء السوري المستشار السابق والكاتب العدل الآن . وأمها بنت المحدّث
>الأكبر ، عالم الشام بالإجماع الشيخ بدر الدين الحسينى رحمه الله . فهي
>عريقة الأبوين ، موصولة النسب من الجهتين.
>
>والثاني : أني اخترتها من طبقة مثل طبقتنا . فأبوها كان مع أبي في
>محكمة النقض ،وهو قاض وأنا قاض ، وأسلوب معيشته قريب من أسلوب معيشتنا
>،وهذا هو الركن الوثيق في صرح السعادة الزوجية ، ومن أجله شرط فقهاء
>الحنفية (وهم فلاسفة الشرع الإسلامي) الكفاءة بين الزوجين .
>
>والثالث : أني انتقيتها متعلمة تعليماً عادياً ، شيئاً تستطيع به أن
>تقرأ وتكتب ، وتمتاز من العاميات الجاهلات ، وقد استطاعت الآن بعد
>ثلاثة عشر عاماً في صحبتي أن تكون على درجة من الفهم والإدراك ، وتذوق
>ما تقرأ من الكتب والمجلات ، لا تبلغها المتعلمات ،وأنا أعرفهن وكنت
>إلى ما قبل سنتين ألقي دروساً في مدارس البنات ، على طالبات هن على
>أبواب البكالوريا ، فلا أجدهن أفهم منها ، وإن كن أحفظ لمسائل العلوم ،
>يحفظن منها ما لم تسمع هي باسمه.
>
>ولست أنفر الرجال من التزوج بالمتعلمات ، ولكني أقرر – مع الأسف – أن
>هذا التعليم الفاسد بمناهجه وأوضاعه ، يسيء على الغالب إلى أخلاق
>الفتاة وطباعها ، ويأخذ منها الكثير من مزاياها وفضائلها ،ولا يعطيها
>إلا قشورا من العلم لا تنفعها في حياتها ،ولا تفيدها زوجاً ولا أما .
>والمرأة مهما بلغت لا تأمل من دهرها أكثر من أن تكون زوجة سعيدة وأما.
>
>والرابع : أني لم أبتغ الجمال وأجعله هو الشرط اللازم الكافي كما يقول
>علماء الرياضيات لعلمي أن الجمال ظل زائل ؛ لا يذهب جمال الجميلة ،
>ولكن يذهب شعورك به ، وانتباهك إليه ، لذلك نرى من الأزواج من يترك
>امرأته الحسناء ويلحق من لسن على حظ من الجمال ، ومن هنا صحت في شريعة
>إبليس قاعدة الفرزدق وهو من كبار أئمة الفسوق ، حين قال لزوجه النوار
>في القصة المشهورة : ما أطيبك حراما وأبغضك حلالا !
>
>والخامس : أن صلتي بأهل المرأة لم يجاوز إلى الآن ، بعد ثمن قرن من
>الزمان ، الصلة الرسمية : الود والاحترام المتبادل ، وزيارة الغب ، ولم
>أجد من أهلها ما يجد الأزواج من الأحماء من التدخل في شؤونهم ، وفرض
>الرأي عليهم ، ولقد كنا نرضى ونسخط كما يرضى كل زوجين ويسخطان ، فما
>دخل أحد منهم يوما في رضانا ولا سخطنا .
>
>ولقد نظرت إلى اليوم في أكثر من عشرين ألف قضية خلاف زوجي ، وصارت لي
>خبرة أستطيع أن أؤكد القول معها بأنه لو ترك الزوجان المختلفان ، ولم
>يدخل بينهما أحد من الأهل ولا من أولاد الحلال ، لانتهت بالمصالحة
>ثلاثة أرباع قضايا الزواج.
>
>والسادس : أننا لم نجعل بداية أيامنا عسلا ، كما يصنع أكثر الأزواج ،
>ثم يكون باقي العمر حنظلا مرا وسما زعافا ، بل أريتها من أول يوم أسوأ
>ما عندي ، حتى إذا قبلت مضطرة به ، وصبرت محتسبة عليه ، عدت أريها من
>حسن خلقي ، فصرنا كلما زادت حياتنا الزوجية يوما زادت سعادتنا قيراطا .
>
>والسابع : أنها لم تدخل جهازا ، وقد اشترطت هذا لأني رأيت أن الجهاز من
>أوسع أبواب الخلاف بين الأزواج ، فإما أن يستعمله الرجل ويستأثر به
>فيذوب قلبها خوفاً عليه ، أو أن يسرقه ويخفيه ، أو أن تأخذه بحجز
>احتياطي في دعوى صورية فتثير بذلك الرجل .
>
>والثامن : أني تركت ما لقيصر لقيصر ، فلم أدخل في شؤونها من ترتيب
>الدار وتربية الأولاد ؛ وتركت هي لي ما هو لي ، من الإشراف والتوجيه،
>وكثيراً ما يكون سبب الخلاف لبس المرأة عمامة الزوج وأخذها مكانه ، أو
>لبسه هو صدار المرأة ومشاركتها الرأي في طريقة كنس الدار ، وأسلوب
>تقطيع الباذنجان ، ونمط تفصيل الثوب.
>
>والتاسع : أني لا أكتمها أمراً ولا تكتمني ، ولا أكذب عليها ولا تكذبني
>، أخبرها بحقيقة وضعي المالي ، وآخذها إلى كل مكان أذهب إليه أو أخبرها
>به ، وتخبرني بكل مكان تذهب هي إليه ، وتعود أولادنا الصدق والصراحة ،
>واستنكار الكذب والاشمئزاز منه .
>
>ولست والله أطلب من الإخلاص والعقل والتدبير أكثر مما أجده عندها . فهي
>من النساء الشرقيات اللائى يعشن للبيت لا لأنفسهن . للرجل والأولاد ،
>تجوع لنأكل نحن ، وتسهر لننام ، وتتعب لنستريح ، وتفني لنبقي . هي أول
>أهل الدار قياماً ، وأخرهم مناماً ، لا تني تنظف وتخيط وتسعى وتدبر ،
>همها إراحتي وإسعادي . إن كنت أكتب ، أو كنت نائماً أسكتت الأولاد ،
>وسكنت الدار ، وأبعدت عنى كل منغص أو مزعج .
>
>تحب من أحب ، وتعادى من أعادى . إن حرص النساء على رضا الناس كان حرصها
>على إرضائي . وإن كان مناهن حلية أو كسوة فإن أكبر مناها أن تكون لنا
>دار نملكها نستغني بها عن بيوت الكراء.
>
>تحب أهلي ، ولا تفتأ تنقل إلى كل خير عنهم . إن قصرت في بر أحد منهم
>دفعتني ، وإن نسيت ذكرتني ، حتى أني لأشتهي يوماً أن يكون بينها وبين
>أختي خلاف كالذي يكون في بيوت الناس ، أتسلى به ، فلا أجد إلا الود
>والحب ، والإخلاص من الثنتين ، والوفاء من الجانبين . إنها النموذج
>الكامل للمرأة الشرقية ، التي لا تعرف في دنياها إلا زوجها وبيتها
>،والتي يزهد بعض الشباب فيها ، فيذهبون إلى أوربة أو أميركة ليجيئوا
>بالعلم فلا يجيئون إلا بورقة في اليد وامرأة تحت الإبط ، امرأة
>يحملونها يقطعون بها نصف محيط الأرض أو ثلثه أو ربعه ، ثم لا يكون لها
>من الجمال ولا من الشرف ولا من الإخلاص ما يجعلها تصلح خادمة للمرأة
>الشرقية ؛ ولكنه فساد الأذواق ،وفقد العقول ، واستشعار الصغار ،وتقليد
>الضعيف للقوى . يحسب أحدهم أنه إن تزوج امرأة من أمريكا ، وأي امرأة ؟
>عاملة في شباك السينما ، أو في مكتب الفندق ، فقد صاهر طرمان ، وملك
>ناطحات السحاب ، وصارت له القنبلة الذرية ، ونقش اسمه على تمثال الحرية
>. .
>
>إن نساءنا خير نساء الأرض ، وأوفاهن لزوج ،وأحناهن على ولد ، وأشرفهن
>نفسا ، وأطهرهن ذيلا ، وأكثرهن طاعة وامتثالا وقبولا لكل نصح نافع
>وتوجيه سديد . وإني ما ذكرت بعض الحق من مزايا زوجتي إلا لأضرب المثل
>من نفسي على السعادة التي يلقاها زوج المرأة العربية (وكدت أقول
>الشامية) المسلمة ، لعل الله يلهم أحدا من عزاب القراء العزم على
>الزواج فيكون الله قد هدى بي ، بعد أن هداني !
>
>الشيخ علي الطنطاوي رحمة الله عليه