عـودة للخلف   منتديات عروس > الأركان العامة > الواحة الأدبية > خيمة الشعر والشعراء

خيمة الشعر والشعراء

 / 

ركن مختص بالأدب العربي الفصيح قديمه وحديثه ، من شعر ونثر . وتعريف بالشعراء وحياتهم ، ودوواينهم .

 / 

الشاعر العباسيي أبو نواس (( الحسن بن هانئ ))


جديد مواضيع خيمة الشعر والشعراء

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع ابحث بهذا الموضوع
قديم(ـة) 14/09/2012, 08:24 PM   #1021
عروس رائعة
 
الملف الشخصي:
تاريخ التسجيل: 13/06/2012
رقم العضوية: 455394
البلد: عدن
المشاركات: 1,045
الجنس: أنثى
الدولة: اليمن

تقييم العضو:
قوة التقييم: 39

عدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميز


الأوسمة

عدنية حرة غير متصل



تفسير أرجُوزَة أبي نواس في تقريظ الفضل بن الربيع (الطبعة الثانية 1400هـ-1979م) ـــ لطيفة الشهابي



كثيراً ما يحلو للمرء أن يرجع بذاكرته إلى الوراء وأن يستعيد الماضي، ولاسيما حين يكون هذا الماضي مشرقاً مضيئاً. ومن هنا فإننا نحن العرب، نشعر بنشوة أيما نشوة حين تمر أمام مخيلتنا شرط الماضي الجميل وإن من أجمل ما يحمله ماضينا ذلك التراث الثقافي الواسع، وتلك اللغة التي وسعت جوانب ذلك التراث، بعد أن وسعت كتاب الله، والتي ما زلنا نتمتع بقراءتها وسماعها، وما زالت من أبرز الروابط التي تربط مواطنينا العرب من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. فكأننا ونحن نعيش مع هذه اللغة الآن، نعيش معها بُعد العمق في ماضينا. وهذا العمق نسبي دائماً، شأنه شأن الماضي ذاته. فنحن نعيش الآن مع أبي نواس على أنه ماض قديم بينما عاش معه معاصروه، وهو حديث مبدع مجدد متحضر يحاول في بعض قصائده أن يقلد القدماء أو الأعراب المغرقين في بداوتهم وفصاحتهم.

فقد أراد أولئك الشعراء المحدثون في العصر العباسي، الذين أثرت فهم الحضارة ورققتهم حياة المدن أن يثبتوا للعلماء واللغويين أنهم ليسوا أقل قدرة على استيعاب الغريب وتضمينه أشعارهم من أولئك البداة الجفاء من الرجاز أمثال رؤبة والعجاج. وهكذا نظم أبو نواس أرجوزته في مدح الفضل بن الربيع، سالكاً سبيل أولئك الرجاز المعروفين مثلما فعل بشار من قبله حين تحداه عقبة بن رؤبة، وكان هذا الأخير ينشد عقبة بن سلم رجزاً، فقال لبشار: (هذا طراز لا تحسنه أنت يا أبا معاذ، فقال بشار: ألي يقال هذا؟! أنا والله أرجز منك ومن أبيك وجدك، فقال له عقبة: أنا والله وأبي فتحنا للناس باب الغريب، وباب الرجز، والله إني لخليق أن أسده عليهم، فقال بشار: ارحمهم رحمك الله، فقال عقبة: أتسخف بي يا أبا معاذ وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟.. ثم خرج من عند عقبة مغضباً، فلما كان من غد غدا على عقبة وعنده عقبة ابن رؤبة، فأنشده أجوزته التي يمدحه فيها ومطلعها:



يا طلل الحي بذات الضمد بالله خبر كيف كنت بعدي

وهكذا كانت أرجوزة بشار المطولة المتنوعة الأغراض والأفكار المحشوة بالغريب الفائضة بالجزالة والقوة تحدياً صريحاً، كما يؤكد هذا الخبر، لأولئك الرجاز وأمثالهم من الشغوفين بالغريب والجزل من القول.

وربما أمكن أن يقال مثل هذا في أرجوزة أبي نواس التي مدح بها الفضل ابن الربيع.

وإذا كانت الكتب القديمة لم تسرد لها خبراً صريحاً يفيد التحدي، فإن مجرد مقارنتها بأشعار أبي نواس الأخرى، وما تتسم به تلك الأشعار من وضوح وبعد عن الغريب، ربما دفعنا إلى تصور هذا التحدي المقصود ولاسيما أننا نلاحظ ظاهرة الجزالة والقوة بارزتين في أشعار المديح التي قدمها أبو نواس بين يدي الرشيد وغيره من وجوه الدولة العباسية. فكأنما غرض الشاعر أن يثبت مقدرته الكاملة أمام أولئك العرب؛ أو كأنه يدرك أن أذواقهم لا تستريح إلا لهذا النوع من الشعر، وإن كانت تلك القصائد لا تصل إلى ما وصلت إليه الأرجوزة من الغريب.

وقد طلب أحد أصحاب ابن جني منه أن يفسر له هذه الأرجوزة، فاستجاب عالمنا الجليل لرغبته وعمد إلى تفسيرها وتوضيحها.

وجاء الأستاذ محمد بهجة الأثري فأبرز هذا التفسير إلى عالم الكلمة المطبوعة مضيفاً إليه كل ما يحتاجه من مقدمات وتعريفات وتحقيقات وتذييلات رآها لازمة.

وبين يدي من هذا الكتاب نسخة من طبعته الثانية التي طبعها مجمع اللغة العربية في دمشق عام 1400ه-1979م.

قدم الأستاذ الأثري لهذه الطبعة بمقدمة مطولة تجاوز عدد صفحاتها تسعين صفحة، جعلها ذات أقسام:

القسم الأول عرف فيه بالكتاب وهو تفسير أرجوزة أبي نواس لأبي الفتح عثمان ابن جني، وذكر فيه أن ابن جني نفسه كان واحداً من حفاظ هذا الرجز والمعنيين به. ومن هنا سأله بعض أصحابه من هؤلاء الشبان البغداديين أن يفسره له، فاستجاب أبو الفتح "قضاء لحق مودته"، وإن ابن جني على ما عرف عنه من علم وسعة، كان قد ذكر أنه قرأ الأرجوزة على أستاذه أبي علي الفارسي (ليضم علمه إلى علمه، ويزداد به فهماً لما هو مقبل على شرحه).

ويعدد لنا الأستاذ الأثري في هذه المقدمة بعض فوائد هذا الشرح؛ وأولها (أنه يصحح لنا بعض شعر هذا الشاعر العظيم الذي انتشر التحريف والفساد في شعره قديماً، وزادته الأيام سوءاً). وثانيها (أن ابن جني قد سجل به مرحلة جديدة في كتابة شروح الأشعار القديمة والمحدثة، وتطويرها بالانتقال من طور الوقوف عند تفسير الغريب وتدوين اختلاف الروايات إلى طور التوسع في هذا الشرح وتشقيق الكلام في فنون شتى من المعارف اللغوية والأدبية وغيرها).

ويورد لنا المحقق الأدلة الصحيحة المؤكدة نسبة هذا الكتاب إلى ابن جني، ثم يذكر لنا النسخة التي اعتمدها في تحقيقه، وكانت نسخة واحدة صادفها في المدينة المنورة لم يستطع العثور على سواها قبل الطبعة الأولى، ولكنه اعتمد معها على كتب ابن جني الأخرى في تحرير هذه النسخة وتصحيحها، كما اعتمد على المعجمات اللغوية، وأخيراً على شروح الشواهد ودواوين الشعراء. ثم عمد إلى زيادة ما تجب زيادته في الهوامش ففسر ما أهمل ابن جني تفسيره، ورقم الآيات القرآنية، وخرج الأحاديث الشريفة، وتقصى الشواهد الشعرية، وترجم للأعلام ترجمات وافية.

وقد سرد لنا الأرجوزة متوالية بعد التعريف بالكتاب، مفصولة عن الشرح، وانتقل بعدها في القسم التالي من المقدمة إلى التعريف بالفضل بن الربيع، فترجم لحياته وعرفنا بالفترة التاريخية التي كان يعيش فيها، وبين مركزه في الدولة العباسية وطبيعة صلاته مع الخلفاء العباسيين.

ثم وضع أمامنا ترجمة لأبي نواس المادح بعد أن عرفنا بالممدوح، فأعطانا صورة معتدلة الألوان والخطوط لهذا الشاعر الذي اكثرت الكتب القديمة من الحديث عنه ومنحته ملامح مضطربة من بعض جوانبها، فحاول المحقق أن يزيل بعض الخطوط التي اعتقدها وهمية أو بعيدة عن الصحة.

وأخيراً في القسم الرابع من المقدمة التفت الكاتب المحقق إلى مؤلف هذا الشرح (أبي الفتح عثمان بن جني) فترجم لحياته ترجمة مناسبة ذاكراً أصله ونسبه وثقافته، وأساتذته، ومذهبه الديني، وضابطاً اسمه أو نسبته ومتحدثاً عن مؤلفاته وعن المراجع التي أشارت إلى هذه المؤلفات.

وقد ذكر أن مؤلفات ابن جني تبلغ الخمسين كتاباً، ولكن ما وصل منها إلى دور المطابع لا يكاد يزيد على اثني عشر كتاباً.

وأخيراً عمد إلى مقدمة أخرى موجزة خصصها للطبعة الثانية، وهي التي بين أيدينا، وأشار فيها إلى أنه اعتمد لهذه الطبعة مخطوطة أخرى لندنية إضافة إلى مخطوطة الطبعة الأولى التي كان عثر عليها في المدينة المنورة. وبين أوجه الالتقاء والاختلاف بين المخطوطتين، ثم ختم مقدمته بمجموعة صور عرضها لبعض صفحات المخطوطتين، مخطوطة المدينة ومخطوطة المتحف البريطاني.

وقد بلغت هذه الأقسام المتنوعة للمقدمة ما يزيد على التسعين صفحة رقمها المؤلف بالأرقام غير العربية تمييزاً لهان على ما يبدو، عن صفحات الكتاب، التي بدأها بالأرقام العربية، فكانت مئتين وسبع عشرة صفحة. ثم تلت الكتاب صفحات خمس صحح فيها المحقق ما وقع من أخطاء في الطبع. وأتبع ذلك بفهرس للألفاظ اللغوية وإلى جانبها معانيها الموجزة بما يقارب السبع عشرة صفحة ثم فهرس المسائل:

آ-مسائل علم العربية: النحو، الصرف، الاشتقاق.

ب-مسائل العروض والقافية.

ج-مسائل البيان.

د-مسألة فقهية.

ه-فوائد أدبية.

وأتبع ذلك بفهرس الآيات القرآنية ثم الأحاديث الشريفة وبعدها الأمثال يليها فهرس أسماء القصائد ثم الأيام والحروب ويلي ذلك فهرس الأشعار ثم الأعلام ثم فهرس الأمم والقبائل والأسر والمذاهب، وقد أشار في حاشيته إلى أنه لم يضمنه أسماء القبائل والأسر والمذاهب التي وردت في مقدمة التحقيق. وبعده فهرس البلدان والأمكنة والبقاع.

وأخيراً أشار إلى مراجع المقدمة والتحقيق والتعليق، فكان تحقيقاً متميزاً وجهداً مشكوراً أعادنا فيه الأستاذ محمد الأثري إلى صفحات من تراثنا الخالد في الشعر واللغة والغريب، والشرح والتفسير، وأسبق لنا هذه الصفحات بمقدمات مفصلة تناول فيها الشاعر المادح، والشخصية الممدوحة، والمؤلف الشارح لذلك المدح، والجهد الذي بذل لإبراز ذلك كله، ثم عقب بعد تحقيق ذلك الشرح بالفهارس والذيول المتنوعة الكافية لتسهيل العودة إلى كل ما يحتاجه القارئ من هذا الكتاب.

جزى الله شاعرنا أبا نواس وعالمنا ابن جني ومحققنا محمد بهجة الأثري خير الجزاء على ما بذلوه لخدمة تراثنا وحفظ لغتنا التي هي الركن الخالد من أركان حضارتنا في ماضينا وحاضرنا، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

ومن حق القارئ علينا في الختام أن نذكر له مطلع هذه الأرجوزة الموسومة بمنهوكة أبي نواس لأنها من منهوك الرجز:

[COLOR="rgb(139, 0, 0)"]وبلدة فيها زور صعراء تخطى في صقر[/COLOR]

وكأني بالقارئ حين يعلم أن أ بيات هذه الأرجوزة تنوف على الخمسين بيتاً لن يستغرب أن يأتي شرحها كتاباً برمته. فأي غريب ذاك الذي جشم أبو نواس نفسه مشقة إيراده في هذه الأرجوزة التي بدأها بوصف البقاع العسيرة والاجتياز، ثم وصف الجمَل القوي الذي كان مطية الانتقال عبر هذه البقاع والتي كانت طريقه إلى الممدوح. ثم أخذ بعد ذلك بالمديح؛ متنقلاً بين شتى الخصال التي يعتز بها العربي بعبارات موغلة في الصعوبة والغرابة لا يكاد يخيل لقارئها أن قائلها نفسه هو الذي قال:
[COLOR="rgb(139, 0, 0)"]
عاج الشقي على رسم يسائله وعجت أسأل عن خمارة البلد

يبكي على طلل الماضين من أسد لا در درك قل لي من بنو أسد

دع ذا عدمتك واشربها معتقة صفراء تفرق بين الروح والجسد

فاشرب وجد بالذي تحوي يداك لها لا تدخر اليوم شيئاً خوف فقر غد[/COLOR]

وقال أيضاً في مدح الفضل:

يا فضل جاوزت المدى فجللت عن شبه النظير

أنت المعظم والمكبر في العيون وفي الصدور

حتى تعصرت الشبيبة واكتسبت من القتير

عف المداخل والمخارج والغريزة والضمير


فأي سهولة ووضوح هنا، وأي صعوبة ووعورة هناك؟! ولكنه التحدي والرغبة في إثبات القدرة على مجاراة الأوائل وهواة أساليبهم ومدارسهم.


  الرد باقتباس
قديم(ـة) 14/09/2012, 08:30 PM   #1022
عروس رائعة
 
الملف الشخصي:
تاريخ التسجيل: 13/06/2012
رقم العضوية: 455394
البلد: عدن
المشاركات: 1,045
الجنس: أنثى
الدولة: اليمن

تقييم العضو:
قوة التقييم: 39

عدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميز


الأوسمة

عدنية حرة غير متصل
نقد آراء النُقّاد القدامي والمُحدثين حول النواسي


يوسف هادي بور
الدكتور يوسف: أستاذ مساعد بجامعة آزاد الإسلامية في کرج





الملخّص:

تعرّفنا من قبل على شخصية أبي نواس التي أثارت جدلاً حادا ًبين النقّاد مِن القدامى والمعاصرين والتي ماتزال تثير حولها الكثير من الجدل. فإنّه يتحتّم علينا أن نعيد قراءة أغلب ما قيل حول هذه الشخصية . للحصول علي هذا الأمرنحتاج إلى نوع خاص من الحذر في قبول ما قيل عنه وما نسب إليه . كذلك نحتاج إلى تقويم جديد لنهج حياته وطريقة تفكيره الّتي لا تُفهم من خلال ظاهر أشعاره في الكثير من الأحايين .

المقال الذي بين أيديکم يتناول آراء النقاد القدامي والجدد فيه ويقوم بنقدها لتبيين شخصييته المتميزةوللتعرف علي حقيقة أمره وأغراض شعره الخمري.

الکلمات الدليلية: النواسي - النقاد - القدامي – المحدثين.

المقدمة:

لدراسة جديدة علي حياة أبي نواس و للتعرف علي حقيقة أمره ، إننّا بحاجة إلى نوع خاص من الألفة بحياة تلک الشخصية المتميزة وإ لي معرفة نمط تفکيرها وسلوكها واكتشاف العلاقات الشخصية والرّوحية التي ترتبط بينها وبين البيئة التي نمت هذه الشخصيةفيها.وللحصول علي هذا الأمر يجب علينا أن نتعرفّ على الحوادث السياسية الّتي جرت في تلك الفترة، وعلي سلوک الدولة الإسلاميّة و مواضع الخلفاء العباسيين تجاه الناس و سلوكهم، و مواضع أبى نواس تجاه هؤلاء الخلفاء الذين کانوا يلبسون بردة النبى(ص) دليلاً على أنهم سالكون سبيله وكان يُسمّون بأمير المؤمنين.

ولکنّ الذين كتبوا عن أبي نواس فما كانوا يحافظون على هذه الجوانب من حياته، بل إنّهم اكتفوا بالرّوايات المتناقضة والقصص المختلقة حوله وحول أمّه ،ومن هنا وصلوا إلى نتائج غير واقعيّة وخرافية. ونحن الآن بصدد نقد آراء هؤلاء الفحول من القدامى والمعاصرين على حسب ما وصلنا إليه: آراء النقاد القدامي :

وأمّا الّذي يرتبط بالقدامى فإنّهم اهتمّوا بجمع أخباره التي تدلّ على ذكائه وكثرة علمه وأدبه وثقته من جانب، وتدل على مجونه وتهتّكه من جانب آخر دونَ أن يحلّلوا شخصيته وشعره، كما ورد في كتاب البيان والتبيين للجاحظ [1] والكامل في الشعروالأدب للمبّرد [2] والشعر والشعراء لابن قتيبة [3]وطبقات الشعراء لابن المعتز [4]والأغاني لأبي الفرج الإصفهاني [5]، والفهرست لابن النديم [6] ورسالة الغفران لِأبي العلاء المعّرى [7] ، وتاريخ بغداد لِأبي بكر الخطيب البغدادي [8] والتاريخ الكبير المعروف بتهذيب تاريخ دمشق لأبن عساكر الشافعي [9]، ووفيات الأعيان لأبن خلّكان [10]وفي كتب أخرى كثيرة.

وأمّا أوّل من عنى بجمع أخباره حتى زمانه هو ابن منظور [11]في كتابه باسم «أخبار أبي نواس» بعد أن رأى قد فقد ترجمة أبي نواس من كتاب «الأغاني». وقد جمع ابن منظور كلمّا قيل عن حياة أبي نواس وعن شخصية، و حول أشعاره ذاكرا ًبعض الحوادث التي ترتبط ببعض أشعاره.

وأمّا المتتبّع في هذه الروايات فيرى عدم صحتّها بوضوح تامّ، وفى الكثير من هذه الحوادث يرى أبا نواسَ عالما ًبالغيب و الأسرار التي تجري بين الخليفة ونساءه و نديماته في الخلوات، وهنا نحن نذكر بعض هذه القصص - على سبيل المثال - ليتبيّن كذبُها:

«قيلَ أنّ أمير المؤمنين، هارون الرشيد أرقّ ذات ليلة، فقام يتمشّى في قصره بين المقاصير، فرأى جارية من جواريه نائمة. فأعجبتْهُ فداسَ على رجلها، فانتبهت، فرأته، فاستحيتْ منه و قالتْ: ياأمين الله ما هذا الخبر؟ فأجابها يقول:

قلتُ ضيف طارق في أرضكُم
هل تضيفوه إلى وقت السحر
فأجابت: بسرور سيدّي
أُخدم الضيفَ بسمعي والبصر
فبات عندها إلى الصباح. فلمّا كان الصباحُ سأل: من بالباب من الشعراء؟ قيلَ له: أبونواس. فأمرَ به فدخَل عليه فقال: هات ما عندك على وزن «يا أمين الله ما هذا الخبر».فأنشد يقول:

طال ليلي وتولاّني السهر
فتفكّرتُ فأحسنت الفِكَر
فإذا وجه جميل مشرق
زانه الرحمنُ يزري بالقَمرَ
فلمستُ الرجَل منها مُوطئا
فدَنتْ منّي ومدّت بالبَصَر
وأشارت لي بقول مفصح
يا أمين الله ما هذا الخبر
قلتُ ضيف طارق في أرضكم
هل تضيفوه إلى وقت السحر
فأجابت بسرور سيّدي
أخدمُ الضيف بسمعي والبصر
فتعجّبَ أميرُ المؤمنين وأمر له بصلةٍ.» [12]و قيلَ: أنّ الرشيددخل يوما وقت الظهر إلى مقصورة جارية تسمّى «الخيزران» على غفلةٍ منها.وجدها تغتسل: فلّما رأته تحلّلت بشعرها حتى لم يَرمن جسدها شيئا، فأعجبه منها ذلك الفعل واستحسنه. ثم عاد إلى مجلسه و قال: من بالباب من الشعراء؟ قيل: بشّار وأبونواس. فأمر بهما،فحضرا وقال: لِيَقُلْ كلُّ منكُما أبياتا توافق ما في نفسي. فأنشأ بشّار يقول:

تحببّتكُم والقلبُ صار إليكُم
بنفسي ذاك المنزل المتحبّب
إلى أن يقول:

وقالوا: تجنّبنا ولا قربَ بيننا
وكيف وأنتم حاجني أتجنّبُ
على أنّهم أحلى من الشهدِ عندنا
وأعذبُ من ماء الحياة وأطيبُ

فقال الخليفة: أحسنت، ولكن ما أصَبتَ ما في نفسي. فُقل أنت يا أبا نواس.
فجعَل يقول:

نضتْ عنها القميصَ لصبّ ماءٍ
فورّد خدّها فرط الحياءِ
وقابلت الهواء وقد تعّرت
بمعتدلٍ أرقَّ من الهواء
ومدّت راحةً كالماء منها
إلى ماء معدٍّ في إناء
فلمّا أن قضت و طرا وهمّت
على عجلٍ لتأخذَ بالرّداءِ
رأت شخص الرقيب على اقتراب
فأسبلتْ الظلام على الضياء
وغابَ الصبُح منها تحت ليل
فظل الماء يجري فوق ماء
فسبحان الإله وقد براها
كأحسن ما تكون في النساء
فقال الرشيد: سيفا ًونطعاً يا غلام! قال أبونواس: ولِمَ يا أمير المؤمنين؟ قال: أ معنا كنتَ؟ قال: لا واللّه، ولكن شى‏ءٌ خطر ببالي. فأمر له بأربعة آلاف درهم.» . [13] ولاحاجة إلي ردّ هذا المدّعى إلاّ أن أذكر بأنَّ أبانواس ما كان شاعر البلاط إلاّ في خلافة الأمين ،والثاني أن بشّارا ً قُتِلَ فى زمان المهدي وما أدركَ عصر الهارون . أمثال هذه الروايات كثيرة، جداً وأكثرها كما يرىالقارئ مُقامة مؤلفة لا صحّة لها. ولكنها تدلُّ على تمكّن الشاعر في سياق الخبر التاريخي أو سياق الاختراع والتأليف.

نقتصر القول في آراء القدامى حول أبي نواس، معتقدين بأنّها لا تدلُّ على شى‏ء مهمّ حول حياته وأشعاره. ولكنّ الشيء المهمّ هو عندما نبحث عن أحواله في هذه الكتب القديمة، يتبيّن لنا بأنّ أخبار السوء في كتب الأوّلين أقلّ من أخبار السوء فى كتب المعاصرين. والأخبار الداّلة على كثرة علمه وأدبه وثقته وإيمانه أكثروأكثر من أخبار السوء. ومهما ننتقل إلى الكتب الحديثة نواجه أخبارا ًغير كريمة تتزايد حوله. فلِلباحث أن يراجع الكتب القديمة والقريبة من حياته ليُصان عن الخطأ.

وأمّا أوّل من يفسّر بعض أشعاره فهو ابن جنّي [14] إنه يُفسّر أرجوزة أبي نواس في تقريظ الفضل بن الرّبيع- وزير الرشيد والأمين - يشرح هذه القصيدة شرحا ًوافيا،ً ويعتقد بأن «أبانواس في هذا النوع من شعرهالّذي توفَّرَ فيه على الجِدّ الصِرف، كان يتعمّد هذا المنحى الأعرابي الخالص تعمّدا ليلفتَ علماءُ اللغة إليه فيحفلوا به، أو يظهر لجماهير الأدباء اقتدارهُ البالغ على مجاراة شعراء االعرب الأوّلين ،وأنّه لا ينزل عن طبقتهم إن لم يكن فوقهم طبقةً، إلى جانب تجديده فى اللغة والأسلوب والأغراض والمعاني. [15] ويقول ابن جنّي عنه: «فكان ممّن سبق له - مع ظرفه وحسن شعره ما يؤثّر عنه من سرعة الذكاء واختراع المعاني -معرفة بعلم العرب. وخدمَ العلماءَ وأخَذَ عنهم اللغة وقرأ عليهم دواوين العرب» [16]

القارئ يشعربأنّ الناقد قد ألزم نفسه أن يصل إلى نتائج معينّة بحيث يتعجّب الباحث وقد يتساءل من أين أتى الكاتب بهذه المعلومات ويزداد إعجابه حينما يدرك أنّ هذه المعلومات والنتائج كلّها مأخوذة من عدة أبيات قالها «أبان اللاحقي» الذي قد سبق ذكره وعداوته لِأبي نواس حيث يقول :

أبونواس بن هانى‏ء
وأمّه جُلّبانِ
والناس أفطن شيء
إلى حروف المعاني
إن زدتُ بيتا على ذي
ما عشتُ فاقطع لساني
[17]
أو يقول:
هاني الجون أبوه
زاده للهُ هوانا
سائل العبّاس واسمع
عنه من أمّكَ شانا [18]
ولايخفى على القارىء الحقد المخبوء تحت هذه الأبيات. فقد بنى الغزاّلى حديثَه على هذه الأبيات وما شابهها من الأخبار دون ثقةٍ لها. وفي الحقيقة عرّج عن طريق الصواب للحصول على نتائج مفروضة والمعقّدة على نفسه. فلهذا يتابع القول ويقول: «إنّ طفلاً في مثل سنّ أبي نواس تسلمه ظروفه وحيدا إلى التجربة، وتتركه أعزل للحوادث، لا يجد في نفسه القدرة الكافية لِأن يجتنب الحوادث، ويعلو على التجربة، ويقاوم إغراءَ الحياة بما تقدمّه من مشهيات مثيرة ،وأن يفطن إلى النتائج المجهولة، و هو يخطو على عتبة الدنيا... و مّما يزيد في خطورة الأمر في هذه السنّ أنّ وسيلة الحياة إلى الإغراء هي ماركب في نفس الطفل مِن ميلٍ إلى اللعب ومن غريزة جنسية، ومن حبّ لِلاستطلاع. فلا يمكن والحالة هذه مقاومتها، والتغلّب عليها... بل إنّه ليبحث عنها إن لم يجدها وإنّه يسعى إليها إذا لم تسع إليه.» [19]

يتحدّث الغزالي عن أبي نواس بمثلما يتحدّث عن طفل يعيش فى هذا العصر فاقدا أباه وأمَّه، بلاهادٍ يهديه ولاحافظٍ يحافط عليه وهو في معرض المفاسد الشائعة في هذا العصر وإنّه لايجد في نفسه قدرة ليتجنّب الحوادث وعنده نقود كثيرة وسبل الاقتحام في المآثم يسيرة.

و لكنّنا - فيما سبق - تعرفنا على شخصيته وعَلمنا بأنّه كان ذا ذكاوة ونبوغ من أوان طفولته وكان عنده القدرة الكافية على التعلّم بحيث قرأ القرآن وحذّق في القراءة وأصبح أقرأ أهل البصرة، ولمّا شبّ رغب في العلم والأدب. إنه كان يحسُّ بالمسؤولية وأثبت هذه المسؤولية بقيامه بالعمل عند عطّار في النهار وبقيامه بالحضور في حلقات الدرس عند المساء. فليسَ صحيحا قولُ البعض حيث يقول: «ولعلَّ الفتى ارتاحَ في دخيلة نفسه إلى ما صار إليه من مطلق الحرية» [20]

بل إنه كان يحسّ بأشد نوع من المسؤولية عند العمل والدرس. فنجح في هذين الصعيدين. والغزّالي يعترف بهذا لاهتمام والجدّ إذ يقول: « كان الحسن من الذكاء،و النّهم الشديد للعلم بحيث لا تفوته ليلة لم يركب ظلامها إلى المسجد، ولاحلقة لم يجلس إليها، ولاعالم أوراوية، أو محدث، أو فقيه إلّا استمع إليه، ونقلَ عنه.» [21] و لكنّه مع الاعتراف بهذه الرغبة في العلم والأدب، يقصُّ لنا قصّة مختلقة من عنده ويقول: «وجَد الحسنُ نفسه حّراً طليقا، لا تربطه با لبيت تلك الصلة العميقة التّي يحسُّ بها كلّ طفل فكان لايأوي إلى البيت إلاّ لماما، ولايأتي إليه إلاّ لينام، فيستريحَ من تعب النهار في دكّان العطّار، ومذاكرة الليل في المسجد الجامع، وكان الفتى الصغير أحسَّ بأنّه مخلوق لغير العمل الّذي أرادته له أمّه ليجعَلَ منه وسيلةً للعيش، وسبباً للكسب.» [22]

لايخفى على الباحث - عند التوغّل في الموضوع - بأن كلّها تحليل نفساني لايرتبط بشخصيّة أبي نواس. ولكنّ الناقد فرض على نفسه أن يصل إلى نتائج مقدرّة التى أدركها مِن خلال ظاهر خمريات أبي نواس. وفي الحقيقة كتب الغزالي سيرة أبي نواس الذاتية استدلالاً بما يفهم من شعره، وهو المجون والفسق والفجور، فلابدّ للنّاقد أن يجد طريقا يدلّ على استعداده من أوان الطفولة لِلانحراف الشديد ويدلّ على يأسه من تلك العيشة وبحثه عن اللّذة. ولِهذا، لإتمام القصة يربطه بجماعة سوء تسوقه إلى المآثم. فيتابع القول ويقول: «و ضلَّ على هذا النحو ردحا من الزمن، كان خلاله يختلط بالأحداث، والمراهقين من ناشئة الأدب والمتعلّمين، و قد أعجبهم ظُرفه، وأسرهم جماله، وراعهم ما عليه من ذكاء وسرعة خاطر، وحببّه إليهم ما كان فيه من ميل إلى الدّعابة، واقتدار على الفكاهة، وفطنة إلى بواعث الضحك، وجنوح إلى معابثة للشيّوخ و المتزمتّين وذوى الوقار. وقد أخذ النّواسي في هذه الفترة يلتمس أسباب العطف ، وقد فقده في البيت. ويرتاد مواقع الصداقة بروحٍ جائعة وقلب ظامى‏ء وبدأ يتعاطى الخَمر مع أترابه.» [23]

ثم يشير إلى التقائه بوالبة بن الحباب الأسدي - الشاعر الماجن - وبعد ذلك يشير إلى إخفاقه فى حبّ حبيبته «جنان» و يأسه من الظفر بها حتّى يصل إلى نتيجة مقدّرة فيقول: « على الرغم مِن أنّ أبانواس قد انساق في المجون بدوافع كثيرة. فإنّ الدافع اللّاشعوري الّذي أنشاءهُ في نفسه، إخفاقه في الحّب وفي الحصول على «جنان» كان أقواها جميعا وأشدها توشّجا بنفسه. فلم يكن هذا الصخب المستّمر إلاّ محاولة لِإسكات هذا الصراخ العاطفي الحبيس في أعماقه، ولَم يدمن الخمَر هذا الإدمان إلاّ لأنّه كان يريدُ أن ينسَى وأن يقتل همومه التي تعتلج في صدره.» [24] إنه لإثبات رأيه هذا يستدلّ بظاهر بعض خمرياته الّتي تشير إلى لجوئه بالخمر. والواضح هو أنّه لهذه الأبيات معان أخرى. و إن نتخّذ هذا الأسلوب لتفسير أشعار الشعراء لا تُصانُ قطعة شعرٍ من التحريف وسوءالفهم. يعتقد الغزّالى بأن لهذا الحب - حبّ جنان - دور هام في حياة أبي نواس، و في توجيه شعره حيث يقول: «إذن فقد أجهزت هذه التجربة على كلّ صلة تربط أبانواس بالمرأة، فلم يعد يحسّ بهذا العطف الغريزي الذي يكون بين الرّجل والمرأة. ولِما كان هذا العطف ضروريا لِلإنسان، ضرورة الماء، و الهواء، و الطّعام، فقد تلمسهُ أبونواس ،ولكن في جنسه.» [25]

يعتقد الكاتب بأن إخفاق أبي نواس في حب جنان يساوى إخفاقه في حبّ المرأة .وسبّب ذلك تفضيله الذكر على الأنثى. قد أوجد هذه العقدة النفسية التى تصرّفت مشاعره وتحدّدت علاقاته بالناس وقد جعلت له في المرأة والحياة فلسفة خاصّة و يستنتج: «من هنا يتّضح لقارئ غزله، سبب تفضيله الغلمان على النّساء، ويتّضح له أيضا لماذا كان شعره فيهم اكثر من شعره فيهنّ ولماذا كان يخشى المرأة ،ويتجنّبها، ويذمُّها ما استطاع إلى الذّمّ سبيلاً.» [26] يقوله الغزالي في حالة يعتقد أكثر الباحثين أنَّ غزله في المؤنث ولاسيّما في «جنان» من أحرّ غزلياته كما يعتقد عباس محمود العقّاد حيث يقول: «إنما جزم بعض النقّاد برحجان غزله في المذكّر على غزله في المؤنث. لأنّهم ساقوا أنفسهم اضطرارا ًإلى هذا الترجيح،وفرضوا فرضَهم الأوَّل بغير فهمٍ لحقيقته. ثم ألزموا أنفسهم نتائجه عن إعتساف لادليل عليه» [27] ثم ينتقل الغزالى إلى خمريات أبي نواس الّتي جعلته فريدا ًفي شعراء عصره والعصور الّتي جاءت بعده، ويقول: «أنها أقوى ما كتبه شاعر في الخمر» [28] ولكنّه يعتقد: « الخمر الّتي يشربها أبونواس، خمرحسّيٌ ما في ذلك ريب» [29]

إنه لايقف عند هذا الحدّ، لأنّ الاكتفاء بهذا القول لا يفسّر أكثر خمرياته، فيجتازبالحدود المعروفة ويقول:«ولكنّه من فرط شغفه بها وتقديسه لها قد انتقل بها من الحسيّة إلى المعنوية، فجعلها فكرة شائعة تحسّ بها الروح.» [30] ومن وراء كّل ذلك يصل إلى النتيجة المقدّرة المفروضة التى قد وصل إليها من قبل و هى حصيلة فهمه عن خمريات أبي نواس. فيقول: « إذا كان أبونواس قد وصل في حبّه للخمر إلى هذا الحدّ لا نسميّه عشقا ًفحسب، بل نسمّيه عبادة و تقديساً، فالّذي نعتقده أنّ وراء هذا الشعر روحاً قلقة معذّبة تبحث عن سعادتها في فرح الحياة، وتبتعد جهد طاقاتها عن الألم، وتستقبل الدنيا بالضحك والسّرور، بعد أن استقبلتها بالتجهّم والعبوس. وإنّ هذا الاستغراق في البحث عن الفرح و أسبابه، ليجعلنا نلمس مقدار ما كان يحسُّ به من شقاء باطن و يأس عميق، و حزن دفين.» [31]

هذا هو أبونواس وخمرياته من منظر أحمد عبدالمجيد الغزّالى: إنه عالج حياته استدلالاً بظاهر أشعاره. علي حسب رأيه شخصية أبي نواس حافلة بالعقد النفسيّة بسبب إخفاقه فى حبّ «جنان» وبالتالي فى حبّ االنساء.فالخمر وسيلة لتبديد الأحزان وحسب. إنه أراد أن يحلّل شخصيته و شعره بالتحليل النفساني، و لكنّه أخفق في تحليله هذاكلَّ الاخفاق. ولقد كتب الكثيرون - دون الغزالي - عن التجربة الخمرية عند أبي نواس وعالجوها وطرحوا آراء شتّى لإيضاح شخصيته وتفسير نفسيته من خلال الخمرة، منهم الدكتور محمّد النويهي. إنه يرى أنّ الخمرةعند أبي نواس كانت تعويضا ًعن حرمانه من عاطفة الأمومة إذ يقول: «ما نظنُّ أبانواس في ظروفه الخاصّة قد استطاع أن يحلّ هذه العقدة، بل نعتقد أنّه بقي طوال حياته يحترق بهذه النار الآكلة، والسبب أنّ أمّه خانته وهجرته، وهى ذكرى كلّما استثيرت في عقله الباطن، هاجت غيرته وأسعرت نارها. وهنا قدّمت له الخمرة، هذا الإرضاء الّذي نعنيه، فهي أنثى ولكنّها أمّ أيضا، وهو يستطيع أن يواقعها، فيرضى بذلك نزوعه الفاسق.» [32]

والمشهود من كلام النويهي أنّه قداعتمد على الأخبار الحافلة بالغموض والتناقض حول أمّه. وإن تكن هذه الأخبار صحيحةً لا تدلّ أيضا على إثارة العقد النفسية بتلك الصورة الصاخبة في شخصية أبي نواس، كما شاهدناها لم تؤثر في تعلّمه وبراعته في العلم والأدب.

ولايقف النويهي عند هذا الحدّ، بل يحلّل شخصيته وأبعاد تعلقّه بالخمر كاشفا ًشيئا ًجديدا ًيقول: «حين نزداد تأمّلاً في عاطفة أبي نواس نحو الخمرة نستكشف ظاهرة غريبة لم أجد أحدا ًمن نقّادنا المحدثين من اهتمّ بدراستها وأدرك مغزاها، وهى شعوره الجنسي نحو الخمر. و الذّي صرفهم عن أن يدركوا أهميّة ما يقوله في هذا الموضوع أنّهم أخذوا كلامه على أنّه مجازُمن القول. مجرّد تشبيهات أو استعارات ووسيلة صناعية من وسائل الظُرف...و لكنّهم جميعا ًلم ينتبهوا إلى أنّ أبانواس إنّما يصف حقيقة واقعة نجدها في تكوينه الجنسي العجيب. فأبونواس قد أحسّ نحو الخمر بإحساس جنسي. نعني أن الخمرة هاجت فيه شهوة المواقعة، لا مواقعة النساء أوالغلمان، بل مواقعة الخمرة وأنّ شربَها أرضاه إرضاءً جنسياً.» [33] والواضح أنّ النويهي قد اعتمد في نظرته إلى شخصية أبي نواس، على علم النفس التحليلي مستندا ًعلى نقطة هامّة فيه و هى الإرضاءات الثانوية و علاقتها بما يسميّه علماء النفس «الاستبدال الجنسي».

ولكننّا نعلم بأن هذا الاستبدال الجنسي يحدث لمن لا يوجد عنده الاستطاعة الجنسية وهو محروم عن مواقعة النساء. والحال ما كان أبونواس يتجنّب النساءَ، بل كان له حياة أسرية طيبة، و إن أنكر البعض أن يكون له هذه الحياة، ولكننا أثبتناها عند البحث عن حياته الأسرية في مقالنا السابق.

فلا محلَّ لِمثل هذه العبارات الّتي وردت فى كتاب النويهي: «فالخمرة متّصلة أوثق الاتّصال بتكوينه العصبي وبنائه النّفساني، وهي مرتبطة أعمق ارتباط بعقده النفسية التي تكوّنت فيه منذ طفولته. وقد وجدَ في حلّ هذه العقد و تفريج أزماته العاطفية التي نشأت عنها، وجدَ فيها التعويض عن الحب الجنسي الطبيعي الّذي يحقّقهُ الرجال العاديو التكوين مع النساء. ووجدَ فيها العزاء والسَلوى الّذى حرّمه من الحنان الأموي.» [34]

وذلك حينما نحن لا نشكُّ في صحة أبي نواس النفسية والعقليّة. ولم تصل إلينا حتى الآن من روايات تدلّ على عدم صحّته النفسية. بل كثرة علمه وأدبه وذكائه وغزارته وسيادته في الشعر يدّل على صحّته الجسمية والنفسية . وفضلاً عن ذلك نتساءل كيف يمكن أن تكون الخمرة بديلاً من الأم والزوجة؟ أنحن نتكلّم عن موجود خيالي أم نتحدث عن إنسان شاعر و شاعرٍ شهير؟

خلاصة القول أنّ النويهي يفترض فيه وضعا ًشاذّا يحيط بشخصية أبي نواس، وإنّه يعتمد في تحليله على بعض الروايات المشكوكة و منها التي طعنت بأمّه ،وكانت ،حسب رأيه ،سببا ًمباشراً فى خلق عقده النفسيّة التّي أحاطت به.

وليس لدينا شكُ في أنّ حملة التشهير بأمّ أبي نواس هى حلقة من حلقات هذه الحملة ضدّه. والسبّب أنّ أبانواس كان يعتنق بأفكارٍ و آراءٍ تميل إلى الحرّية و إنّه كان شاعرالناس ولاشاعر البلاط. و قد أشرنا إلى هذه الحملات و أسبابها من قبل.

هذا هو أبونواس كما يراه الدكتور محمّد النويهي. ولكنّ الأستاذ عبّاس محمود العقّاد قد عرف ضعف هذه التحليلات بسعة معلوماته و كثرة غوره في هذه القضيّة قائلاً: «أيسر ما يقال في كلمة واحدة أنّه أباحّي. ولكنّ الأباحي قد يخفى رذائله وموبقاته و قد يداري الناس ويتّسم بينهم بسمة الصلاح والتقوى، ولعّل الأكثرييّن من الإباحيّين في عصر أبي نواس خاصّة، كانوا على هذه السنّة، لأنّه كان، باتّفاق واصفيه، عصر شكوك و اختلاط و نفاق.» [35] إنّه يطرح هذه المسألة ثم يرفضها قائلاً: «وأيسر ما يقال بعد ذلك أنّه أباحّي متهتكّ يظهر أمره و لا يتكلّف لإخفائه... و هذا يكفي للصّدق في وصفه على حقيقته ،ولكنّه لا يُغني شيئا ًإذا كان المقام مقام دراسة نفسية». [36] فلابد له أن يبحث عن أسباب أخرى تفسّر آفات أبي نواس كلّها. الآفات التي أحاطت أبانواس - على رأى العقّاد - بصورة شاذّة. فسعةُ معلوماته وكثرة ثقافته تقعه في خطاءٍ أعظم من خطاء الغزّالي و النويهي، فيقول: «إنّما تفسّر آفات أبي نواس جميعا ً ظاهرة نفسية أخرى هى «النرجسيّة» - و فيها تفسيرٌ لآفته الكبرى و تفسير لآفته الصُغرى التّي تتفرّع على جوانبها، هذه النرجسيّة شدوذٌ دقيقٌ إلى ضروب شتّى من الشّذوذ في غرائز الجنس وبواعث الأخلاق. ويلتبس الأمر من أجل هذا بين النرجسية وتلك الضروب المختلفة من الشذوذات الجنسية.» [37]

و العجيب أنّ الأستاذ عباس محمود العقّاد قد اعتمد أيضا في تحليله لِشخصية أبى نواس، علي الروايات الضعيفة التي تدلّ على نسبه ونشأته، ولاسيّما على الروايات الضعيفة التي تطعن بأخلاق أمّه وتنسبُ إليها الانحراف الخُلقي. ونحن لا نعتقد بصحّة هذا الأمر، لأن الخبر الوحيد الذي اعتمد العقّاد عليه في إطلاق الأحكام ضد أم أبي نواس، هو تلك الأبيات المذكورة لِأبان بن عبدالحميد اللاحقي - شاعر البرامكة - ونحن بيّنا العداوة بينه و بين أبي نواس وأسباب هذه العداوة. وليس الطعن بأخلاق امرأة قد فقدت زوجها أمرا ًعجيبا،ً كما هى الحال و قد يذيع الأعداء أخبارا ًغيركريمة حولها وحول أبنائها، إما بسب العداوة لها، أوبسبب العداوة لأولادها. لنستمع إلى العقّاد كيف يفرض على نفسه أن يحكم فيما هو يسمّيه بعقدة النَسَب، بسبب ما قيل عن أمّه ويقول: «إنّ هذه العقدة كانت من أقوى بواعث أبي نواس على معاقرة الخمر وألفة مجالسها واختيار المجالس التي لا تسمع فيها المفاخرة بالأنساب... ولكنّها تُعابُ على ألسنة الُظرفاء والأحباب.» [38] وفي الحال نحن نعلم بأن أصل النَسَب يکون من جانب الأب و لا من جانب الأم ولاسيّما عند العرب. و كان أبونواس يمنيا ًعريق النسب و قد أشار إليه وافتخر به عدة مرات سبق ذكره آنفاً. وأمّا النرجسية التي يعتقد العقّاد أنها تفسِّر آفات أبي نواس كلّها، فتنقسم إلى قسمين على حسب رأيه: الأوّل هو «الاشتهاء الذّاتي» والثاني «التّوثين الذاتي». فالاشتهاءالذاتي يغلب على الحالات الجسدية، والمُصاب به يشتهي بدنه كأنّه بدن إنسان غريب، ولكنّه فيه شهوة يبالغ فيها المرض. والتوثين الذاتي يغلب على الحالات العاطفيةوالفكرية. فيتّخذ المُصاب به من نفسه وثنا ًيعزّه ويعبده. إن العقّاد يعتقد بأنّ هاتين الحالتين لاتنطبقان على أبي نواس بصورة واحدة ويقول: «فالشّذوذ الّذي يميل بصاحبه إلى عشق أبناء جنسه والعزوف عن الجنس الآخر، لاينطبق على أبي نواس، لأنّه يُغازل الجواري كما يغازِل الغِلمان، وكلامه كثير في استحسان الفتاة لأنّها كالغلام، واستحسان الغُلام لأنّه كالفتاة» [39]فلابّد للعقاد أن يصنع معجونا ًمن هاتين الصورتين للنّرجسيّة و يقول: « تلازم الاشتهاء الذاتي والتوثين الذاتي معا ًلوازم متفاوتة في درجة الالتصاق بالآفة و توابعها، فمِن أبرزها وأقواها التّلبيس أو التشخيص ومنها لازمة العرض، ولازمة الارتداد.

عندئذ يشرح العقّاد ميزات هذه الحالات و يصل إلى نتيجة مفروضة و يقول: «فتنطبق عليه لازمة العرض كما تنطبق عليه لازمة التلبيس و التشخيص و لعلّ لازمة العرض أظهر فيه.» [40] في حالة إننا نعلم بأنّ لازمة العرض تشمل الإظهار بجميع درجاته، والمصاب به يكشف عورته ويعرض أعضاءه ويتعرّى مِن ثيابه، أويلبس الثياب التي تشبه العُرى، ولا تستر ماوراءها. والحال لم يصل إلينا شى‏ء من الأخبار تدلّ على هذه الحالات عند أبي نواس. والعقّاد نفسه يقول: «و لكنّ الأكثر الأعمّ في لازمة العرض أنها لا تمعِن هذا الإمعان إلاّ في حالة الجنون وما يقاربه.» [41]

و المشهورأنّ أبانواس كان ذاصحة نفسية و عقلية ولم يسمع عنه غير هذا. هذا هو بعض الآراء الّتي طرحها العّقاد حول شخصية أبي نواس وخمرياته. إنّنا في خلال تتّبعنا لما قاله العقّاد، نرى أنّه قد جعل من هذه الشخصيّة بؤرةً للعقد والآفات الجنسية، ونعتقد أنه في تحليله هذا -رغم سعيه إلى الإمساك بشخصية أبى نواس والتغلغل في أعماقها - لم يستطع حتّى يلمس أطراف هذه الشخصية. والسّببُ هو أنّه فرض على نفسه أن لا يوجد في خمريات أبي نواس إلاّ الخمر الحسّي والمجون وعرض الحالات الجنسية بسبب خيانة الأم وضعف النسب و نشوء العقد النفسية. وهذا الفرض هو السبب الرئيسي لوقوع الغزّالى والنويهي والعقّاد في الخطاء وسوء فهمهم عن أبي نواس وخمرياته.

في رأينا ظاهرة العرض الّذي يتكلّم عنه العقاد، يمكن أن يكون صحيحاً، ولكن لا بمعنى عرض الحالات الجنسية، بل بمعني عرض الحالات الاجتماعية والسياسية التي تموج في جوفه وتبحث عن طريق للخروج ،وهى المقابلة والمناضلة لِما كان يجرى آنذاك. وكان السكر والتماجن والتجانن آلات وحيدة لِلإظهار والعرض وإفشاء الأسرار ودعوة الناس إلى التنمية والرقّي في ظلّ تلک الحكومة الإسلامية و في ظلّ خليفة يسمّى خليفة الله على الأرض و أمير المؤمنين.

هل يمکن أن نتصور في حكومات کمثلها دوراً للناس والشعراء والأدباء والعلماء؟ وهل يمكن القيام بنقد أعمال خليفة يسمي أميرالمؤمنين و نقد سياساته؟ و هل يمكن التكلّم عن حقوق الناس؟ و هل يمكن القول بأنّ الخليفة ليس عادلاً؟ و هل يمكن القول أنّه أخفق في سياساته؟ و ألف سؤال آخر من هذا النوع. و كان أبونواس عالماً بعاقبة الوقوف في وجههم، إذ إنّه كان عالما ً بما فعل السفّاح بعبد الحميد الكاتب و بما فَعَلَ المنصور بأبي مسلم وابنه و بمحمّدالنفس الزكية و بأخيه إبراهيم و بابن مقفع و بآلاف من المناضلين و المعارضين الذين كان لهم رأى آخر أو فکرة اخري أوخطر لا بالفعل بل بالقوة.إنه كانَ عالما ًبما فعل المهدي بصالح بن عبدالقدوس و بشّار بن بُرد و بالكثيرين من الناس. و كان أبونواس شاهدا ًحيا ًعلى خلافة هارون الرّشيد الذي كان ذا شخصية معقّدة و خطيرة جدّا.

فكان أبونواس عالما ًوعارفا بكّل هذه القضايا وما فيها من التقلّبات. ولا أكاد أشكّ إنه كان ذكيا ًإلى حّدٍ ما أن يتّخذ أسلوبا ًمنفرداً و وسيلةً جديدة لبيان آرائه وأفكاره في زمن أولئك الخفاء الذين ألجموا أفواه الناس و أنزلوا العقاب و العذاب على الشعراء والأدباء بتهمة الزندقة والخروج علي الدين والشريعة.

الحكومات الدينية التى تتمسّك بالدّين علي حسب الظاهر وتتبني هتا فاتها عليه هي من أشدّ الحكومات ظلما ًوجورا ً،إنها تجعل الدين وسيلةً لسرقة أموال الناس و القضاء عليهم ،عندئذ لا تعتبرالمخالفة للحكومة أمرا ًعاديا ًبلل تحسب محاربة الِلّه و رسوله وبالطبع جريمتها السجن و الموت.

فكان أبونواس ذكيا ًإلى حدّ ما أن يتخّذ - بسبب حفظه القرآن الكريم و غوره فيه، وتأثرّه بلفظه و معناه- من الخمرة، هذه الفاكهة المحرمة، رمزا ً لبيان ما يتمنّاه في قوالبه الشعرية.

فهذا أمر مستحسن عند المناضلين و عند الّذين يحسُّون بالمسؤولية أمام اللّه و الناس و يتمنّون إيصالهم إلى مستوى نفوسهم كما يرى الدكتور على شلق حيث يقول: «فهو يثور لا ليمكن لحزب، أو يدعو لقومية، أو يستهدف غرضاً من أغراض المنفعة المباشرة، بل كان يثور بدافع إنساني شامل، ليرفع الناسَ إلى مستوى نفوسهم، كما يجب أن تكون لتتناغم مع العصر الذى يعيش فيه أولئك الناس» [42] وأمّا هذا هو حنّا الفاخوري ، إنه يتابع قول العقّاد والغزّالي والنويهي ويفرط القول في أبي نواس ويقول:«و لم يحبّ أبونواس الخمرَ كما أحبّها الأعشى والأخطل، أى لم يعتبرها وسيلة إلى الفرح و النّشوة فحسب، بل زاد على ذلك أنّه أحياها ورأى فيها شخصا ًحيّاً، لا على سبيل المجاز، بل على سبيل الحقيقة، فإنّه رأى فيها حياةً عند ما رآها تُغلي وتفور وتضطرم، وتتألّق ائتلاقاً وتسري في الجسم سرياناً وتبعث فيه الحرارة والنّشاط، كما تصبغ العينين والخدّين بحمرة الدم، فهى ذات روح يحاول أبونواس أن يستلّها من الدّن ليجعل في جسمه روحين، و هي كائن أشبه بكائنات عالم الأفلاك، إذ هي مادّة روحانية.» [43]

إنه لا يقف عند هذا الحّد ويعتقد بأنّ أبانواس كان يرى في الخمرة حباً خاصا ً كحب العاشق للمعشوق و يقول: «كانت الخمرة لأبي نواس شقيقة روح، فأحبّها حبّ العاشق للمعشوق، حبّ الزّوج للزّوجة ،ووّجه إليها جماحه الجنسيّ، ووصفها بجميع صفات الأنوثة، وراح إلى بائعها يخطبها، ويدفع المهر، ويخاطبها فتخاطبه، ويقيم لها حفلات الزفاف بكلّ ما أوتي من اندفاع وفنّ ،وراح يسكب فيها نفسه ليجد راحة نفسه، فأصبحت روحه فوأصبحَ و الخمرة َشخصا ًواحداً، لايستطيع الانفصال عنها ،و صبّ فيها كلّ فكره و كلّ قلبه و أرادالحياة كأسا ًو سكرة.» [44]

والواضح أنّ الفاخوري يعتمد على ظاهر خمرياته، ولايرى فيها شيئا ًغير الخمرة الحسيّة، فلا يستطيع تحليله وتحليل خمرياته. فإذن يأتي بآراء عجيبة وغريبة ويتكلّم عن أبي نواس كأنه لا يتكلّم عن إنسان، وَكأنّه يتكلّم عن موجود خيالي ما عرفناه حتى الآن. يقول الفاخوري هذا الكلام دون أن يسأل نفسه ما هو معنى إقامة حفلات الزفاف بالخمر وما هو معنى حبّ الخمرة كالزوجة؟ إنه لا يقف، مع الأسف، عند هذا الحدّ فيختلق آراء عجيبة و يقول: «إنّه رأى في الخمرة شيئا ًمن الألوهة، ورآها فوق النار التي كان الفُرس يعبدونها، ورآها فوق معبودات الناس أجمعين، حتّى كادت تنسيه اللّه تعالى، وصفها بصفات الذّات الإلهيّة، وجَعَلَ لها آلاءً وأسماء حُسنى.» [45] إنّ الحقد الدفين واضح في كلام حنّا الفاخوري عندما يتكلّم عن الإيرانيين. فلهذا في أوّل كلامه عن نشأة أبى نواس يقول: «ولد من أبوين فارسييّن» [46]و هذا خلاف لما هو المشهور و الّذي أثبتناه عند التكلّم عن حياته.يقوله الفاخوري ليبني عليه ما يتمنّاه عن طريق ازدراء الإيرانيين.

هذا هو أبونواس كما يراه بعض نقادّه معانياً من عقده النفسية، معوضّا ً عن اشتهائه الجنسي نحو الخمرة، متخذا ً من مواقعة الخمرة بديلاً عن أمّه وبديلاً عن إله ذات قدر.

ونحن لاندري على أي أساس اعتمد النقّاد على هذه العُقد، حينَ أنَّ جميع المصادر والمراجع تؤكّد صحّتَه النفسية والعقلية. وتلك الأوصاف والعقد لا تنطبق على أىّ إنسان فضلاً عن تنطبق على شاعر كبير كأبي نواس. في الحال نرى الدكتور طه حسين إنه يرى شيئاً آخر في خمريات أبي نواس حيث يقول: «على أنّ من الحق أن نعرف لأبي نواس شيئا ً غير هذا الفسق والإغراق في المجون ،و هوالتوفيق بين الشعر وبين الحياة الحاضرة. بحيث يكون الشعر مرآة ًصافيةً تتمثّل فيها الحياة، ومعنى ذلك العدول عن طريقة القدماء لأن هذه الطريقة كانت تلائم القدماء وما ألفوا من ضروب العيش، فإذا تغيرّت ضروب العيش هذه، وجب أن يتغيّر الشعرالذي يتغنّى بها، فليس يليق بساكن بغداد المستمتع بالحضارة ولذاتها أن يصف الخيام والأطلال أو يتغنّى الإبل والشاء، وإنّما يجب عليه أن يصف القصور والرّياضَ ،ويتغنى الخمرَ والقيان. فإن فعل غير ذلك فهو كاذب متكلّف. أراد أبونواس أن يشرع للنّاس هذا المذهب فجدّ فيه و وفقّ التوفيق كلّه، واتّخذ وصف الخمر وما إليها من اللذّات وسيلة إلى مدح طريقته الحديثة وذمّ طريقة القدماء.» [47] و لا يقف عند هذا الحّد و يعتقد: «فهو ليسَ مذهبا ًشعرياًفحسب، وإنّما هو مذهب سياسي أيضا.» [48]ويؤكّد طه حسين: «أنّ شعر أبي نواس في الخمر لم يكن هزلاً كلّه، ولم يكن الغرض منه المجون وحده، أو الإسراف في وصف اللّذات ،وإنّما كان أبونواس يتخّذ الخمَر وسيلةً إلى شيء من الجدّ، له خطره في الأدب، ووسيلة إلى شى‏ء آخر من الجد، له خطره في غير الأدب.» [49]

في تأييد هذا الرأى، وأكثر من ذلك نقول بأن الشعر الخمرى كلّها جدٌ. و نذكر ما صرّح به أبو نواس نفسه حيث يقول: «إذا أردتُ أن أجدّ قلتُ مثل قصيدي «أيها المنتاب عن عفره» [50]

و إذا أردتُ العبثَ قلت مثل قصيدي «طابَ الهوى لعميده» [51]فأمّا الذي أفني فيه وجدي وكلّه جدٌّ فإذا وصفُ الخمر.» [52] و هناك قرائن و دلائل أخرى تؤكد بأنَّ خمرياته حافلة بالرمّوز والأسرار الإنسانية. و من هذه الدلائل أنه: حُبس عدة مرّات بتهمة الزندقة في عهد الرشيد ولم يزل إلى أن مات الرشيد و قام الأمين مكانه. توسط له الفضل بن الربيع وأطلقه من السجن. فلمّا سئل عن سبب حبسه قال: «اتهموني أني أشرب شراب أهل الجنة. قال: و ما لك ذنبٌ غير هذا؟ قال: لا واللّه.» [53] إننا نري تأثره بالقرآن الکريم في هذا الکلام بوضوح تام حيث تقول الآيات: *يُسقَون من رحيقٍ مختوم* ختامكه مسكٌ فليتنافس المتنافسون *و مزاجه مِن تسنيم * عينا يشربُ بها المقرّبون* [54] و آيات كثيرة أخرى. و هناك رواية أخرى أشغف بها كلّما أعود إليها، على أنّها أبين القول في هذا الموضوع و هي:

«قال حسين بن ضحّاك: كنتُ أساير أبانواس يوما ً بالكوفة، فمررنا بكتّاب وإذا صبيٌّ يقرأ من سورة البقرة: * كلّما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلَمَ عليهم قاموا*... . [55] فقال: أىّ معنى يستخرج من هذا في الخمر؟ فقلت :ويحك ألاتتّقي الله بكتاب اللّه فلّما كانَ من الغدِ أنشدنى:

و سيّارة ضلّت عن القصدِ بعد ما
ترادفَهم جُنُحٌ من اللّيل مظلمُ
فاصغوا إلى صوتٍ ونحن عصابة
و فينا فتىً من سكره يترنّمُ
فلاحتْ لهم منّا على النّاى قهوة
كأنّ سناها ضوء نارٍ تضرّمُ
إذا ما حَسَوناها أقاموا مکانهم
و إن مُزجت حثّوا الركاب وأممّوا»
[56]

والواضح أنّ هذه الآية المذكورة تمثّل الذين اشتروا الضلالة بالهدى وما عندهم علمٌ، ولا هداية. إذن يؤكد أبونواس بهذه الأبيات أن قصده من الخمرة هو النور و الهداية.

والعجيب أنّه حدثت هذه الحادثة في الكوفة قبل أن يهاجر إلى بغداد، أى قبل أن يصل إلى الثلاثين من عمره... الفترة التى يتّهم بالمجون. فهذه الرواية تدلّ على أنه استعمل الخمرة من أوان شاعريته بمعنى غير حسّى و هي خمرة فنية يستخدمها في السياسة والأخلاق والمعرفة والعرفان .

الخاتمه:

بعد مطالعتنا خمريات أبي نواس ونقدها وتحليلها نقول: أنّه مهما تباينت الآراء حول حياته و شخصيته وشأن خمرياته وموقفه السياسي وتوجّهاته الفكرية وموقفه من الحياة من خلال شعره الخمري، فإنّ جميع الباحثين يتّفقون على أنّ أبانواس كان عَلَما بارزا ً من أعلام الإبداع الفنّي في تاريخ الشعر العربي و روحا ًمتفتّحاً لكّلَ ما هو عذبٌ وجميل.

فإذن أبونواس لم يكن ذلك الشاعر المتكسّب الذي سخَّرَ شعره لمدح الخليفة والتقرّب منه، ليحصل على مغانم المديح. ولم يكن تلك الموهبة الشعرية التي ترتدي أثواب الرياء وتختفي وراء أقنعة النفاق الاجتماعي لتحصل على مغانم الحياة.

فإذا كان أصحاب المواهب الصغيرة،أوالذّين افتقرو بكلّ موهبة، قد اختاروا طريق الرّياء والنّفاق و اختاروا طريق التملّق لأرباب الجاه والثراء لتحقيق الشهرة و المكاسب الشخصية، فإنّ أبانواس قد اختار الاتّجاه المعاكس.

لقد شقّ بموهبته الفذّة، عصا الطاعة على المجتمع. واستخدم موهبته أداةً لهدم كلّ بناء فنّي أو روحي يتعارض مع حريّته وانطلاقاته الروحيّة وتوقه المتصل إلى الكشف والتعمّق في أسرار الحياة والكون والنفس الإنسانية. إنه استخدم جرأته النفسية ليعرّي نفاق المتسلّطين في المجتمع وضآلة النفس أمام الإطماع، وأمام قيود الأعراف والتقاليد والموروثات. ولكن بقدر ما ارتقت بأبي نواس موهبته باتّجاه قمم الإبداع، عرّضتْه للكيد والوقيعة والتشهير والاتّهامات الكثيرة. وعرّضته كذلك في الكثير من الأحيان إلى بطش الخليفة، تارة بتهمة الزندقة وتارة أخرى بتهمةالخروج على تعاليم الدين وأعراف المجتمع، وإن كان السبب الحقيقي ليسَ شربه للخمرة مادام الخليفة نفسه لم يكن يمتنع عن شربها، بل لِأنّه اختار من شعره الخمري وسيلة للتعّبير عن موقفه الفكري والسّياسي والإبداعي مستهينا بكل الأعراف البالية، وعبّر من خلال شعره الخمري عن انفصاله وغربته، كما يقول:

مالي و للنّاس كَم يلحونَنَي سَفَهاً
ديني لنفسي ودينُ الناس للنّاس ِ
[57]

ولا حاجة إلي ذکرأنّ البيت المذکور يذکرنا الآية الکريمة :*لکم دينکم و لي دين ِ * [58]

و إذا كانت مشكلته أن عاشَ غريبا، فإنّ لِأبي نواس مع زمنه وعصره، مشكلة أخرى وهي أنَّه لا يقدر إلاّ أن يتمردّ على الظلّم والعنف، ويرفع رأيةَ الحريّة الاجتماعيّه والسيّاسية في وجه القمع الاجتماعي و السّياسي، ورأيةَ الحرّية الفنيّة في وجه القوالب الشعرية التقليدية المقدسّة، و رأيةَ العصيان على الأعراف، و على مظاهر التخفّي والتستُّر في طلب طيّبات الحياة.

حاولنا من خلال بحثنا هذا أن نواكب مسيرة هذا الشّاعر، مسيرته الرّوحية والوجدانية بكلّ ما فيها من قلق وتوتّر وعطش هائل للنّقاء الذي عبّر عنه في كلّ خمرياته و بمظاهر تمرّده الشخصي، ورؤيته للحياة والكون والنوازع الإنسانية:خيرها و شرّها.

خلال مواكبتنا لهذه المسيرة، حاولنا أن لا نتأثر بحملات التشهير والإساءة له، بل عملنا كلّ ما في وُسعنا إلى الوقوف على حقيقة الدوافع والعوامل السّياسية والاجتماعية والرّوحية والابداعية التي تحفز هذه الشخصية القلقة والمشدودة بين التناقضات.

وإذا كنّا قد حاولنا عبر بحثنا هذا أن نثير عدة أمور كانت موضع جدل ولبس عند الكثرين حوله، كالزندقة وصحّة إسلامه وتشيّعه وانتمائه السياسي والفكري وموقفه من الأعراف والتقاليد والطقوس، فإنّما كان هدفنا الأساسي اكتشاف الكثير من مواطن شخصية هذا الشاعر الّذي نهض بقمّة فنيّة وفكرية عالية في فضاء الشعر العربي والتراث الإبداعي والّذي مازالت شخصيته حتّى الآن موضع جدل ونقاش.




المصادر و المراجع


[COLOR="rgb(139, 0, 0)"]
قرآن الکريم

2-أبو نواس ، بين التخطي والالتزام ، علي شلق : الطبعة الأولي ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ،بيروت 1995 م.

3-أبو نواس ،الحسن بن هانئ ،دراسة في التحليل النفساني والنقد التاريخي ، عباس محمود العقاد :لا ط . مکتبة الأنجلو المصرية ،لا تا.

4- أبو نواس ، قصة حياته في جده و هزله ، عبد الرحمن صدقي :لا ط. لا نا. لا تا.

5-أخبار أبي نواس ، ابن منظور : الطبعة الثانية ،دار الفکر والطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت 1995 م.

6-التاريخ الکبير،ابن عساکر: لا ط ، مطبعة الروضة،الشام 1332 ه.

7- الجامع في تاريخ الأدب العربي ، حنا الفاخوري : لا ط. دار الجيل ،بيروت ،لا تا.

8-حديث الأربعاء ، طه حسين : الطبعة الثانية عشرة ، دار المعارف بمصر ، القاهرة 1976 م.

9- ديوان أبي نواس ، أحمد عبد المجيد الغزالي : لا ط. دار الکتاب العربي ،بيروت ،لا تا.

10-شرح ديوان أبي نواس ،إيليا الحاوي :لا ط.الشرکة العالمية للکتاب ، بيروت 1987 م.

11-طبقات الشعراء ،ابن المعتز : الطبعة الثانية ،دار المعارف بمصر ،القاهرة 1956 م.

12-مقدمة تفسير أرجوزة أبي نواس ،،محمد بهجة الأثري : لا ط. المطبعة الهاشمية ،دمشق 1966 م.

13-نفسية أبي نواس ، محمد النويهي :لا ط. مکتبة النهضة المصرية ،القاهرة 1953 م[/COLOR][/COLOR]



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ

ملاحظة
د. يوسف هادي بور: أستاذ مساعد بجامعة آزاد الإسلامية في کرج

Dr.yousof Hadipour

Assistant Professor

Department of Arabic language And Literature,Karaj Branch,Islamic Azad University,Karaj,Iran.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

حواشي
[1] هو أبوعثمان بحر بن محبوب المعروف بالجاحظ 160 هـ - 255 هـ

[2] هو أبوالعبّاس محمد بن يزيد المعروف بالمبرّد 210 هـ - 285 هـ

[3] هو عبدالله بن مسلم بن قتيبه المعروف بابن قتيبة 213 هـ - 267 هـ

[4] هو أبوالعباس عبدالله بن المعتزّ بن خليفة المتوكل 247 هـ - 296 هـ

[5] هو علي بن الحسين بن محمد الاصفهاني 284 هـ - 356 هـ

[6] هو ابوالفرج محمدبن يعقوب بن اسحق بن النديم المعروف با بن النديم 320 هـ - 385

[7] هو أبو العلاء أحمد بن عبدالله بن سليمان المعروف بالمعرّي 363 هـ - 399 هـ

[8] هو أبوبكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي 393 هـ - 463 هـ

[9] هو أبوالقاسم على بن الحسن هبة الله عبدالله الحسين بن عساكر الشافعي المعروف بابن عساكر 499 هـ - 571 هـ

[10] هو أبوالعباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم المعروف بابن خلکان 608 ه- 681ه

[11] هو جمال الدين محمد بن مکرّم الأنصاري المصري الإفريقي المعروف بابن منظور 630 ه- 711هـ

[12] عباس محمود العقاد - أبونواس - الحسن بن هانى‏ء، دراسة في التحليل النفسانى و النقد التاريخى - ص 5

[13] المصدر نفسه - ص 7

[14] هو أبو الفتح عثمان بن جني المعروف بابن جني 320 هـ

[15] محمد بهجة الأثري - مقدمة تفسير أرجوزة أبي نواس - ص 4-5

[16] ابن جني - تفسير أرجورة أبي نواس - ص 8-9]

آراء النقاد المحدثين فيه:

وأمّا المعاصرون من النقاد مع الأسف الشديد ، فما أعطوه حقّه عند كتابة حياته ونقد أشعاره. إنهم اعتمدوا على الروايات المتناقضة والقصص المختلفة حوله وحول أمّه. ومن هنا وصلوا إلى نتائج شاذّة و عجيبة ما سمعناها عن شاعر آخر. إنهم عالجوا نفسانيته وحللّوا أخباره وأشعاره بشكل عجيب كأنّه لم يکن إنسانا ً شاعرا ً وشاعرا ً عبقريا.ً بل إنهم اختلطوا الأخبار الصحيحة بالآراء المختلقة وصنعوا شاعرا ً ماجنا ًباسم أبي نواس.

هذا هو أحمد عبدالمجيد الغزّالي يقول في مقدّمة ديوان أبي نواس: «فقد نشأ الحسنُ يتيما في كنف أمٍّ شغلتها عنه مطالبُ العيشِ، والسّعي الدءوب من أجله ومن أجل إخوته، وإضطرتّها الحاجة إلى أن تجعَلَ مِن بيتها مُلتقى لروّاد المُتعة وطلاّب اللّذة، يجتمعون في منزلها فيشربون ويقصفون، ويقضونَ مأربَهم تحت سمعهاوبصرها، ربّما تحت سمع الوليد الناشى‏ء وبصره كذلك. ثمّ انتهت بها الحال إلى علاقة برجلٍ من أهل البصرة، تناقل الناسُ حديثها قنروّجت منه قطعا لِلألسنة وقضاءً على ما يثار حوله و حولها من كلام غير كريم. و بهذا الزواج انقطعت تلك الصلة الضئيلة التّي كانت تربط الأمَّ بانبها... انقطعت لأنّها شاءت لها أن تنقطع، فقد انصرفت إلى زوجها واستغرقتها حياتها الطارئة ولم تلتفت بعد ذلك إلاّ إلى نفسها. و لم تصغر لنداء غير نداء عاطفتها الجديدة.» [[ أحمد عبدالمجيد الغزّالى - مقدّمة ديوان أي نواس - ص ،ط

[17] ابن المعتز - طبقات الشعراء - ص 241

[18] عبدالرحمن صدقي:، أبونواس، قصة حياته فى جدّه وهزله ص 22

[19] أحمد عبدالمجيد الغزالي - مقدمة ديوان أبي نواس - ص ،ط- ى

[20] عبدالرحمن صدقي - أبونواس، قصة حياته في جدّه و هزله - ص 23

[21] أحمد عبدالمجيد الغزّالي - مقدمة ديوان أبي نواس - ص ،ى

[22] المصدر نفسه – ص، ى

[23] المصدر نفسه - ص ،ى - ك

[24] المصدر نفسه - ص ،س – ع

[25] المصدر نفسه –ص ، ع

[26] المصدر نفسه - ص ،ع – ف

[27] عباس محمود العقّاد - أبونواس الحسن بن هانى‏ء، دراسة في التحليل النفساني و النقد التاريخي - ص 169

[28] أحمد عبد المجيد الغزالي –مقدمةديوان أبي نواس- ص،ف

[29] المصدر نفسه - ص ،ص

[30] المصدر نفسه - ص ،ص

[31] المصدر نفسه - ص ،ص

[32] محمّد النويهى - نفسية أبي نواس - ص 44

[33] المصدر نفسه - ص 44

[34] محمّد النويهي - نفسية أبي نواس - ص 96

[35] عباس محمود العقّاد: أبونواس، الحسن بن هانى‏ء، دراسة في التحليل النفساني و النقد التاريخي - ص 29

[36] المصدر نفسه - ص 29-30

[37] المصدر نفسه - ص 33-34

[38] المصدر نفسه - ص 100

[39] المصدر نفسه - ص 41

[40] المصدر نفسه - ص 46

[41] المصدر نفسه - ص40

[42] على شلق - أبونواس بين التخطّي و الالتزام - ص 15

[43] حنّا الفاخوري: الجامع في تاريخ الأدب العربي - الأدب القديم - ص 699

[44] المصدر نفسه - ص 699-700

[45] المصدر نفسه - ص 700

[46] المصدر نفسه - ص 692

[47] طه حسين - حديث الأربعاء - ج2 - ص 90

[48] المصدر نفسه - ص 90

[49] المصدر نفسه - ص 94

[50] إِيليا الحاوي - شرح ديوان أبي نواس - ج 1- ص 495

[51] المصدر نفسه — ص 356.

[52] ابن منظور - أخبار أبي نواس - ص 59

[53] ابن منظور - أخبار أبي نواس - ص 299

[54] القرآن الكريم - سورة المطففين - الآيات 25-28

[55] القرآن الكريم - سورة البقرة - قسم من الآية 20

[56] ابن عساكر - التاريخ الكبير - ج 4 - ص 272 ،ابن منظور - أخبار أبي نواس - ص 302، إيليا الحاوي- شرح ديوان أبي نواس-ج2-ص 307-308

[57] إيليا الحاوي- شرح ديوان أبي نواس –ج2- ص 30

[58] القرآن الکريم-سورة الکافرون-الآية6
  الرد باقتباس
قديم(ـة) 14/09/2012, 08:43 PM   #1023
عروس رائعة
 
الملف الشخصي:
تاريخ التسجيل: 13/06/2012
رقم العضوية: 455394
البلد: عدن
المشاركات: 1,045
الجنس: أنثى
الدولة: اليمن

تقييم العضو:
قوة التقييم: 39

عدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميز


الأوسمة

عدنية حرة غير متصل



شخصيّة أبي نواس وشخصيّة شِعره



بقلم: البروفيسور عبدالله بن أحمد الفَيفي



... ممّا يزيد الباعثَ على الشكّ في صحّة صورة أبي نواس المشتهرة المنقولة إلينا بعضُ ملامح متعلّقة بوجهٍ آخر نقيض لما نقرأ عادةً حول شخصيّته وثقافته. منها:
1- وَصْفُهُ في بعض كُتب التراث بخصالٍ حميدة، وأنه: "أكثر الناس حياءً"، وكان راوية علاّمة؟! وهل يُعقل أن يكون بتلك الصفات وهو ماجن سكّير متهتّك؟
2- زهديّاته، التي زُعم أنها توبة متأخرة. وما هناك من تواريخ مؤكّدة تحقّق متى قالها، على كلّ حال. ولا ثقة بالحكايات المصاحبة، فهي تراث شعبيّ مألوف، لا دليل عليه، وإنما يتّخذ للوعظ والتحذير من العواقب.
3- يوصف بأنه أعلم الناس وأكثرهم معرفةً بالأدب. وكان كذلك متّصلاً بحياة عصره الفكريّة، مطّلعًا على آراء الفلاسفة والمتكلّمين، متبحّرًا في العلوم اللغويّة والإسلاميّة؛ حتى قال الجاحظ- مع ما يُفترض فيه من أنه خصيمه في الشعوبيّة والموقف من المعتزلة-: "ما رأيت أحدًا أعلم باللغة من أبي نواس، وأفصح لهجةً، مع مجانبة الاستكراه"(1). وقيل: "كان أقلّ ما في أبي نواس قول الشِّعر، وكان فحلاً، راوية، عالمًا."(2) ويصفه (ابن قتيبة)(3) بأنه "كان متفنّنًا في العِلم، قد ضَرَب في كلّ نوعٍ منه بنصيب، ونَظَر مع ذلك في عِلم النجوم". وذهب يستشهد من شِعره على عِلمه بالنجوم والفلَك. وكذا أشار إلى نظره في عِلم الطبائع، أو الفيزياء. مستدلاُّ بمثل بيته:
سَخُنْتَ مِن شِدَّةِ البُرودَةِ حَـ *** ـتَّى صِرتَ عِندي كَأَنَّكَ النارُ!(4)
كما خالف ابنُ قتيبة فيه من لَحّنوه نحوًا، أو ضعّفوه لغةً، واحتجّ له على ما عيب فيه بكلام العرب وأساليبها. ممّا يدلّ على أن أبا نواس لم يكن يقع في مخالفات لغويّة عن جهل، بل عن سعة علمٍ بالعربيّة، وأخذًا للشِّعر بما ينبغي له من لغةٍ منزاحة عن مألوف القول(5).
فهل هذه إلاّ شخصيّة جادّة كلّ الجِدّ، لا عابثة ولا لاهية؟!
4- من أساتذة أبي نواس: أبو زيد الأنصاري (-215هـ)، العربيّ اليمنيّ الثقة، وأبوعُبيدة معمر بن المثنى (-209هـ)، مولى تيم، البصريّ العالم، الإباضيّ، المتّهم بالشعوبيّة من الطرف المضادّ، (قال عنه الجاحظ: "لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه")، وأزهر السمان (-203هـ)، الباهليّ بالولاء، بصريٌّ، عالمٌ بالحديث، كان يتردّد على المنصور وله معه أخبار، ويحيى بن سعيد القطّان، العربيّ التميميّ (-198هـ)، بصريٌّ، من حُفّاظ الحديث، ثقةٌ حُجّة، من أقران مالك وشُعْبة، كان يُفتي بقول أبي حنيفة، (قال أحمد بن حنبل: "ما رأيتُ بعيني مثل يحيى القطان")، ومنهم خَلَف الأحمر (- نحو180هـ)، بصريٌّ، فرغانيٌّ، من الموالي، زعم أبو عُبيدة أنه أستاذ الأصمعيّ ومعلِّم أهل البصرة، راوية مشهور، متّهم بوضع الشِّعر على العرب، وكان شاعرًا، له ديوان. ولأبي نواس تلاميذ رووا عنه من العلماء والفقهاء وأصحاب الحديث، منهم: محمّد بن إبراهيم- لعلّه (ابن طباطبا، -199هـ) من أئمة الزيديّة، ثائر على العبّاسيّين، وعُبيدالله بن محمّد العبسي (كذا ورد لقبه، والصواب: العيشي، ويكنى: ابن عائشة؛ لأنه من ولد عائشة بنت طلحة بن عبيدالله التيمي، (-228هـ)، عالمٌ بالحديث والسِّيَر، أديب، من أهل البصرة) (6)، ومحمّد بن جعفر غُنْدَر (-193)، عالمٌ بالحديث، متعبّد من أهل البصرة، وكان أصحّ الناس كتابة للحديث(7)، وعمرو بن بحر الجاحظ (-255هـ)، والإمام محمّد بن إدريس الشافعي (-204هـ)، وجماعة سواهم(8). أفيكون أستاذٌ تلاميذه أمثال هؤلاء على تلك الصورة الهزليّة التي صُوّر بها؟! تلك الصورة النمطيّة التي امتدّت من عصره إلى العصر الحديث(9)، ونفخت فيها المخيّلة الشعبيّة والملاهي القصصيّة ما نَفختا، حتى بات التوثّق من بعض نصوصها وأحاديثها أمرًا في غاية الصعوبة، غير أن مناقضتها لشواهد راجحة عن شخصيّة الرجل، ولشهادات متواترة فيه من معاصريه، تبعث على التوقّف عن التسليم بمرويّاتها الدارجة على عواهنها، إنْ لم تبعث على الشكّ في صحّة بعضها والميل إلى أنه من وضع الوضّاعين وانتحال المنتحلين، ممّن اتّخذوا أحاديث الفكاهة تجارة ورواية الطرائف وأخبار الظرفاء حرفة، يؤلّفون فيها المجلّدات الطوال، وربما كانت لهم من وراء تلك الأقاصيص، المطعمّة بالقصائد والمقطوعات الشعريّة- التي قد لا تخلو نفسُها من تزيّدٍ وكذبٍ- مآرب أخرى، كتلك المآرب السياسيّة والاجتماعيّة التي رأيناها تكتنف ما كان يُنشر حول أبي نواس. ومن الحقّ هنا ما ذهب إليه (رفيق العظم)، إذ قال في هذا السياق: "أعتقد أن ما نُسب إلى أولئك الشعراء، كأبي نواس وبشّار ومَن في طبقتهما، محلّ شكٍّ، ولاسيما إذا صحّ أن شِعر أبي نواس لم يُجمع في كتاب (ديوان) على حِدَة في حياته، وإنما جمعه رواة القصص وأخبار شعراء المجون، وتناولوه بعد وفاته بزمنٍ قريبٍ أو بعيد، ومحلّ أولئك الرواة من الثقة أو عدمها، لا يحتاج إلى تعريف."(10)
5- شَهِد لأبي نواس كذلك كبار أهل العربيّة، كالمبرّد (محمّد بن يزيد، -286هـ، الأزديّ، البصريّ مولدًا البغداديّ وفاة، إمام العربيّة في بغداد في زمنه)، وأبي عمرو الشيبانيّ (إسحاق بن مرار، -206هـ، مولى شيبان، من رمادة الكوفة، سكن بغداد ومات فيها، أخذ عنه أحمد بن حنبل)، وابن الأعرابيّ (محمّد بن زياد، -231هـ، من الموالي، كوفيّ، راوية، ناسب، علاّمة، حافظ، لغويّ، ربيب المفضّل الضبيّ)، وشهادة هذا لها معنى إضافيّ؛ لأنه من شانئي أبي نواس وعائبي شِعره، وأبي عُبيدة (سبق التعريف به)، وابن خالويه (الحسين بن أحمد، -370هـ، من همذان، زار اليمن وأقام بذمار، ثم استوطن حَلَب، له مواقفه مع المتنبّي). (11)
* * *
والنتيجة: أن أبا نواس شاعرٌ ظريف، خفيف الظلّ، فكاهيّ، هزليّ، ساخر، حتى في حكمته وزهده(12):

- أرى كلّ حيّ هالكًا وابن هالك *** وذا حسبٍ في الهالكين عريقِ!
- إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشّـفت *** لهُ عن عدوٍّ في ثياب صديـقِ!
- ومن أسوا وأقبح من لبـيـبٍ *** يُرى متطـرِّبًا في مثل ســنّي!

غير أن صورته إنما لحقتها المبالغة في التشويه التاريخيّ المتعمّد لأسباب سياسيّة واجتماعيّة. كما أسهمتْ قراءات شِعره السطحيّة في ذلك التشويه. فيما يتبدّى لمستقرئ شِعره أنه كان يسعى في معظمه إلى تعرية التناقض القيميّ في عصره، وما ساد فيه من سلوك الناس مسالك الرياء، وفرض الالتزام والاحتشام على فريق دون فريق.
[وللحديث بقيّة]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
(1) انظر: ابن منظور، -711هـ= 1311م، (1924)، أخبار أبي نواس، (مصر: ؟)، 6 ، 16 ، 53 – 54.
(2) م.ن، 53.
(3) (1982)، الشِّعر والشُّعراء، تح. أحمد محمّد شاكر (القاهرة، دار المعارف)، 2: 798.
(4) انظر: م.ن، 2: 802.
(5) انظر: م.ن، 2: 818- 819.
(6) انظر: الزركلي، خيرالدين (-1976)، (1984)، الأعلام، (بيروت: دار العِلم للملايين)، 4: 196.
(7) انظر: م.ن، 6: 69.
(8) انظر: ابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله بن عبدالله الشافعي (499- 571هـ)، (1995)، تاريخ مدينة دمشق وذِكر فضلها وتسمية من حلّها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها، تح. محبّ الدِّين أبي سعيد عمر بن غرامة العَمروي (بيروت: دار الفكر)، 13: 407.
(9) حتى إن العقّاد في كتابه " أبو نواس الحسن بن هانئ"، وقد اتّخذ أبا نواس ميدانًا لتجاربه في النقد النفسيّ، ليردّد وصفه بالإباحيّ، وذي الشخصية المنحرفة، المولع بالشيطان، الخبيث، الماجن، مع ما يصفه به في المقابل من خصال الوفاء والكرم والنُّبل.
(10) نُشر مقاله في "السياسة" المصريّة، في 21 جمادى الآخرة سنة 1341هـ= 7 فبراير سنة 1923م، تعليقًا على ما كان ينشره إذ ذاك طه حسين عن أبي نواس. وقد نُشر المقال في كتاب طه حسين، حديث الأربعاء، 2: 58-62، والإشارة هنا إلى ما ورد في: ص61.
(11) ينظر: ابن منظور، أخبار أبي نواس، 2، 58 ، 57، والمقدسي، أنيس، (1979)، أمراء الشِّعر العربيّ في العصر العبّاسي، (بيروت: دار العِلم للملايين)، 111. (والتعريف بهؤلاء الأعلام عن: الزركلي، الأعلام).
(12) (1982)، ديوان أبي نواس، تح. أحمد عبد المجيد الغزالي (بيروت: دار الكتاب العربي)، 621، 617. والأخير منسوب لأبي العتاهيّة أيضًا.



  الرد باقتباس
قديم(ـة) 14/09/2012, 09:15 PM   #1024
عروس رائعة
 
الملف الشخصي:
تاريخ التسجيل: 13/06/2012
رقم العضوية: 455394
البلد: عدن
المشاركات: 1,045
الجنس: أنثى
الدولة: اليمن

تقييم العضو:
قوة التقييم: 39

عدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميز


الأوسمة

عدنية حرة غير متصل


سيرة أبي نواس بين عبث الرواة ومكائد الورّاقين (إلى عبد الفتاح كيليطو)



[COLOR="rgb(139, 0, 0)"]بقلم: هيثم سرحان[/COLOR]





يتضمـَّنُ الموروث الأدبيّ العربيّ مساحة كبيرة من الظواهر النقدية العالقة التي لم تحسمها الدراسات والبحوث التي انشغلت بالظواهر المحددة موضوعيـّـًا وأجناسيّـّا، الأمر الذي يدعو الباحث إلى التساؤل عن موقع هذا الركام الأدبي غير الـمُجنـَّس والـمُؤطـَّر معرفيَّـًا. وبعبارة أخرى، فإنّ مدوَّنة الأدب العربيّ تحفل بنصـّيـّات هامشية تمَّ إقصاؤها بفعل هيمنة النصوص التي اكتسبت حضورها بقوّة التداول وهيمنة الخطاب السائد وشروطه الثقافيّة، في حين أنّ النصـِّيات أو النصوص الذيليـَّة العالقة ظلت مطمورة ومـُقصاة بفعل الأسباب نفسها.
وانطلاقًا من هذا التصوّر فإنّ هذه الـمداخلة تروم مقاربة تجربة إبداعية فذّة وسيرة شاعر أسهم في تخصيب الشعر العربي هي تجربة الشاعر الحسن بن هانئ المشهور بـ"أبي نواس" (ت 199 هـ)، بهدف الكشف عن موقع هذه التجربة، في إطار الجدل بين الأشعار المتعالية من جهة والأخبار الـمُقصاة من جهة أخرى؛ إذ إنّ نصوص أبي نواس الشعرية قد مُنحت فرصة الحضور الثقافي، في سياق الإضافة والتطوّر الفنيين، في حين مارست مؤسسة الكتابة التقليدية تحفـُّظاتِها على معظم أخباره وأشعاره، وتعاملت مع أغلبها بوصفها انتهاكات روّجتها لإدانة النصوص والتنديد بالـنـَّاص.
وتندرج فرضيتنا فيما أصبح يُطلق عليه دراسات الـمُتخيـّل الثقافي؛ وهو ضربٌ من الاشتغال النقديّ الذي يُقيم الوزن والثقة بالاشتباك المعرفي بين النصّ من جهة والسياقات النصية من جهة أخرى. وفي هذا المستوى تتحدد ملامح هذه الفرضية وخصوصيتها؛ فهي تراهن على قدرتها على اكتشاف دلالات النصوص وربطها بمرجعها في الثقافة والعالم لإعادة تشكيل خطاب سيرة النصّ والـنّاص الذي لم تسلم أخباره من عبث الرواة ولم تنجُ أشعاره من سلطة مؤسسة الكتابة التقليدية ومكائدها.
وبذلك يظلُّ السؤالُ النقديُّ قادرًا على توليد الأسئلة ومساءلة الثابت وفحص اليقين؛ بهدف إعادة إنتاج المعرفة ومراكمة التصوّرات المفضية إلى الحقيقة الموضوعية النسبية.
(1)
لعلّ ما يميّز الأدب العربيّ أنّ السيرة الذاتية، بوصفها جنسًا أدبيـًّا استغرق نضوجه وقتا طويلا، قد تشكـّلت بفعل سنن المثاقفة والمعايشة المعرفيتين اللتين نشأتا في العصر العباسيّ الذي اتّسم بالخصوبة والانفتاح الثقافيين من جهة وكان موّارًا بالأحداث والتحوّلات الثقافية الكبرى من جهة أخرى. ويرى شوقي ضيف أنّ "الترجمة الشخصية" عند العرب فنٌّ مٌستحدثٌ، قلـّدوا فيه غيرهم من الأمم الأجنبية التي قرأوا آثارها، واستدخلوا مفاهيمها وبخاصَّة؛ الفارسية، واليونانية، والهندية.
ورغم هذا التأسيس إلاَّ أنّه لا يمكن تجاوز الصيغ الإبداعية التي كانت تقترب، أو تكاد، من السيرة الذاتية هدفًا وغايةً، شكلاً ورؤية. فهناك عديد الأجناس الأدبية التي توافرت على معطيات السيرة الذاتية بمعناها الواسع؛ فأدب المجلس، وأدب الرحلة، والحكايات الأدبية، والقصص، والأخبار، والمسامرات، والمنافرات، والمرويات السردية تحفل بملامحَ فنية تجعلها تقترب من جنس السيرة الذاتية بعد معالجتها فنيـًّا ونقديـًّا. وبعبارة أخرى، فإنّ الثقافة العربية أنتجت أشكالاً أدبية لم تُدرس دراسة وافيةً؛ لأنها لم تقع في مخطط الأجناس الأدبية الكبرى من جهة، ولأنها لم تزوّدنا بمعايير وأدوات نقدية تمكننا من معالجة هذه الأشكال من جهة أخرى. وتدعونا هذه القضية إلى البحث عن الصيغ الممكنة التي تُمكننا من معاودة قراءة الأدب العربيّ واستخراج نصوصه العالقة التي لم تُحسم أجناسيـًّا بغية وصفها، وكشف أنظمتها، واستخراج مفاهيمها، وتوصيفها أجناسيـًّا.
(2)
لا يكاد الدارس يعثر على تجربة إبداعية يتماهى فيها حضورُ المبدعِ بحضور التجربة مثل تجربة أبي نواس التي تُعدُّ واحدةً من أبرز تجارب الشعر العربيّ خصوصيةً ثقافيةً، وفرادةً إبداعيةً، وغنىً موضوعيًّا، حيث تعددت مكوّناتها، وامتدّت مفاهيمها، واتسعت دلالاتها، وتشعـَّبت قضاياها. دليل ذلك أنها حازت على اهتمام كبير من نقـّاد الأدب ودارسيه ومستشرقيه قديما وحديثـًا الأمر الذي يؤهـّلُ هذه التجربة إلى أنْ تكونَ نموذجـًا إبداعيًّا حيـًّا وفاعلاً يمكن معاودةُ قراءته واكتشاف طبقاته التمثيلية.
وتنطلق فرضية هذه المداخلة من فكرة مُفادها؛ أنّ تجربةَ أبي نواس الإبداعية قد قُرئت ودُرست من خلال جنسين أدبيين هما: الخبر والشعر، وهي مسألةُ تُميـّزُ تجربة أبي نواس خاصّة؛ إذ إنّ هناك أخبارًا كثيرةً رافقت تجربة أبي نواس الإبداعية، وساهمت في توليد سيرته الذاتية وصورته الواقعية والـمُتخيـَّلة إلى جانب النصوص الشعرية التي لم تنجح في احتكار تشكيل صورة الناصّ والشاعر.
وإذا كانت السيرةُ الذاتيةُ تُقدّم سردًا لحياة شخصية مّا، فإنَّ نصيـَّة السيرة تُؤسس ما يُعرفُ عن تلك الحياة، والطريقة التي تُعرفُ بها. وبمعنى آخر فإنّ السيرة الذاتية لا تسعى إلى تزويدنا بمقاطع حياة الشخصيـة السردية؛ وإنما تهدف إلى وضع حياة الشخصية موضع تساؤل يمكنُ الإجابةُ عنه من خلال تفكيك عناصر السيرة المروية، وفحص أنظمتها الفاعلة، واستخراج علاماتها، وتعيين مفاصلها، وتحديد مكوّناتها وذلك من أجل كشف أبعاد الذات وتجلياتها في الحياة.
(3)
يصف طه حسين القرنين الثاني والثالث الهجريين بكونهما عصر النثر بامتياز حيث خاض النثر معركة ضارية مع الشعر ونجح في تثبيت نفسه جنسًا أدبيًّا ذا قيمة معرفيّة لا يقلُّ شأنها عن قيمة الشعر. ويعود السبب في تطوّر النثر إلى كثرة النتاجات العقلية التي أضعفت البلاغة والخيال، وقوّت مَلـَكة النقد والفهم، وخصّبت المرويات والمعقولات حيث بلغ النثر أشدّه واستوى عوده وبات ينافس الشعر في صدارة الأدب. ومن أهم الأجناس النثرية التي تطوّرت وأصبحت نوعًا أدبيـًّا هو الخبر الذي يناظر الشعر، ويطابق النثر؛ إذ إنّ القدامى كانوا يشيرون إلى فنون الأخبار وضروب الأشعار( ) بوصفهما جنسين متناظرين، مما يؤكد أنّ الأشعار والأخبار مختلفان جنسًا ومتطابقان قيمة معرفية، فالخبر قسيم الشعر ومتمِّمُه. مما يعني أنّ الخبر والنثر يدلاّن دلالة واحدة على الجنس الموازي للشعر. ويمكن حدُّ الخبر بأنه القول المرويُّ المتضمّن أحداثـًا تتمتع بالمصداقية شبه المطلقة نظرًا لما ينطوي عليه من معرفة وسند متصل.
ويتمتع الخبر، في الثقافة العربية، بقيمة معرفية كبيرة دليلُ ذلك أنّ الأخبار دُونت، في الثقافة العربية، منذ بدايات القرن الثالث، صحيحٌ أنّ الاهتمام بتدوينها كان نابعًا من الاهتمام بالشعر بيد أنّ تدوينها يكشف عن وعي مؤسسة الكتابة التقليدية بها خطابًا ذا قيم معرفية لا يمكن إغفالها وتجاهلها. كما يدلُّ اقتران الأخبار بالأشعار على صلة هذين الجنسين بالمبدع والمنشئ من حيث أنّهما يقترنان بإبداع المنشئ وحضوره الثقافيّ. ورغم أنّ الثقافة العربية قد اعتدّت بالأشعار وجعلتها ديوانها الجامع لجملة معارفها وصنوف مفاهيمها إلا أنّ الأخبار ترد، في الثقافة العربية، بوصفها نصـَّا شرحـًا وحاشية ممتدة للمتن الشعريّ.
ويرى الباحث محمد القاضي أنّه قد نشأت "… بين الأشعار والأخبار علاقة مخصوصةٌ مُعقـَّدةٌ، فيها شيءٌ من التواطؤ وشيءٌ من الصّراع". وتتجلى علاقة التواطؤ في كون الخبر خادمًا للشعر حيث انّ الخبر قد توسـَّل بالشعر ليحظى باعتراف مؤسسة الكتابة التقليدية ودخول معترك المنظومة الأدبية. وضمن علاقة التواطؤ اتكأ الخبر على الشعر واحتفل به في سبيل الحصول على شرعية معرفية وقبول ثقافيّ، ذلك أنّ الثقافة العربية في تلك المرحلة لم تكن قد حسمت خياراتها المعرفية المرتبطة بالشعر، وكانت، لا تزال، تحتفظ بالشعر في سلَّم أَولوياتها ومناشطها المعرفية.
ويؤدي الخبر في هذه العلاقة وظيفتين معرفيتين مهمتين؛ الأولى: تسويغ إيراد الأشعار، والثانية: إكساب الأشعار درجة عالية من الوثوقية التي تدفع، بالضرورة، إلى إيهام السامع واستدراجه إلى تصديق الأخبار واعتماد مضمونها. بيد أنّ الخبر في هذه العلاقة كان حاشية للشعر، ورغم استناده على الشعر واتخاذه منطلقًا إلا أنه ظلّ دونه في القيمة المعرفية التي ظلت ترسّخ تبعية الخبر للشعر . " فالخبر إنما يأتي تمهيدًا للشعر وتوضيحًا لمناسبة قول، ولذلك يميل إلى الإيجاز، فلا يرد فيه إلا ما كان ضروريًّا لفهم الشعر". أما امتداد الخبر السرديّ فظلّ يتراوح بين القصر والطول، والإيجاز والإسهاب بما يتناسب مع الشعر الذي يتضمـّنه، فقد كان الخبر يتضخـّم ويضمر الشعر في علاقة طردية تُحسم غالبًا لصالح الشعر الذي يحوّل الخبر إلى حاشية شارحة لغوامض البيان، ومُفسّرة لبواعث القول، ومُجلـِّية لمقاصد المبدع.
بيد أنّ علاقة تبعية الخبر بالشعر قد تفكّك عراها بعد أنْ أصبح الخبر صناعة لا تقلُّ أهمية عن صناعة الشعر، وأصبح يطلق على المشتغلين بالأخبار اسم "الأخباريون" تميزًا لصناعتهم، واعترافًا بأدوارهم، وفي هذه المرحلة لم يعد الخبر "…مُقتصرًا على التمهيد للشعر بل غدا يضمُّ عناصرَ قصصيةً وتفاصيل، وأصبح الشعرُ جزءًا من الحركة السّردية".
أمّا علاقة الصراع بين الأشعار والأخبار فتتمثـَّلُ في كون الخبر مُستخدِمًا للشعر حيث استرخى عنان الخبر من قبضة الشعر، واستقلّ عن سلطته التي تؤسس مركزية الشعر وهامشية الخبر. ورغم ذلك فقد استخدم الخبر الشعر بوصفه دليلاً ماديًّا، يمكن توظيف محتواه بما ينسجم مع الخبر الذي راح يقوم بـ"سردنة الشعر" من خلال التعامل معه بوصفه كلامًا مجازيًّا، وشاهدًا مؤيدًا. إنّ هذه السّردنة ليست امتثالاً للشعر وإنما هي قراءة للشعر مخصوصة تنظر إلى الشعر بوصفه إبلاغًا مُجرّدًا.
(4)
تتميز الثقافة العربية بإعلائها من شأن الإبداع النصيّ، واحتفائها بالمنشئ الناصّ الذي نجح في تحقيق حضور في سجلاّت الإبداع، وانتساب إلى أحد حقول المعرفة. إذّاك يُصبحُ المبدع حجّة تتقاطر إليه وفود الرواة، وطلبة العلم للقائه، وأخذ الإبداع عنه أخذًا مباشرًا دون وساطة أو موانع. وعندما يحقق المبدع هذا الحضور يصبح مادّة سرديةً يسعى المشتغلون بالمعرفة إلى جمعها والتقاطها وإعادة إنتاجها رواياتٍ وأخبارًا، ليس ذلك فحسب بل إنّ حجم المادة السردية والخبرية يُشكِّل رصيدًا معرفيًّا يُضافُ إلى إبداعه ويؤكّد فضله وتقدّمه.
والناظر في تجربة أبي نواس يكتشف أنه من كبار المبدعين الذين امتلكوا سجلاًّ معرفيًّا مميَّزًا لا سبيل إلا إلى فحصه، والبحث عن مقوماته الإبداعية، وخصوصيته الثقافية. ولعلّ الأخبار التي كُتبت حول أبي نوّاس إنسانًا، ومبدعًا، وماجنًا، وشعوبيًّا، وزنديقًا، ومتهتّكًا، وزاهدًا، تكاد تملأ الدنيا وتشغل الناس إذ لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب الأدب العربي.
أمّا كتب الأخبار التي تناولت أخبار أبي نواس وبحثت في تجربته الإبداعية، وسيرته الذاتية فقد بلغت من الكثرة مبلغًا عظيمًا. وسوف نستعرض في هذا المستوى ما وصل إلينا من أخبار أبي نواس حسب تاريخ تآليفها.
• أخبار أبي نواس لأبي هفـّان (ت بعد 255 هـ ):
يبلغ عدد الأخبار التي أوردها أبو هفـّان تسعة وستين خبرًا تكرر فيها خبرٌ واحد هو الخبر السادس الذي تكرر في الخبر التاسع والستين بتحوير بسيط في عبارة واحدة. ورغم ذلك ظلّ الخبر في الموضعين يحتفظ بمعناه ودلالاته واتساقه البنيوي. وقد تعرّض الخبر الرابع والستون إلى طمس كامل حيث وردت العبارة الافتتاحية: "أبو هفـّان قال: قال لي عمّي:…". وقد تعرّضت الأخبار الآتية إلى طمس جزئيّ: الخبر الخامس والعشرون، والسابع والعشرون، والحادي والأربعون، والرابع والأربعون، والخامس والأربعون، والسابع والأربعون، والسادس والخمسون، والثاني والستون. وقد تضمن الخبر الثاني والثلاثون تحريفًا كبيرًا؛ فقد ورد فيه أنّ هارون الرشيد قد طلب من أبي نواس أنْ يهجوه، وكان في مجلسه الفضل بن يحيى، وبكر البرمكيّ، وخادم للرشيد اسمه كوثر، وقد جاء في الخبر: "وكان الرشيد مستهترًا بخادم له اسمه كوثر". فأنشأ أبو نواس قائلاً:
أضاع الإمامةَ فسقُ الإمام وغشّ الوزير وجهلُ المشير
ويتضمّن المقطع الشعريُّ إساءة بالغة للرشيد، ولوزيره، ومستشاره، ليس هذا فحسب بل إنّ تتمة الخبر كما رواها أبو هفّان نقلاً عن سليمان بن أبي سهل تُبيّن أنّ ردّ فعل الرشيد كان غاضبًا؛ لأنه هو الذي طلب من أبي نواس أنْ يهجوه. تقول خاتمة الخبر السردية: "فامتعض من هذا الرشيد وقال: والله لولا ما جنيتُ على نفسي من استدعاء ما كنت عنه بنجوة لأسقيت الأرض من دمك".
وقد ورد الخبر نفسه عند صلاح الدين الصفديّ (ت 764 هـ) في كتابه الوافي بالوفيات في سياق خبريّ مختلف يجعل من الفضل بن الربيع وزير الأمير محور الخبر والشعر فهو المهجوّ؛ لأنّه قدّم للأمين مشورات دفعته لتجاهل أخيه المأمون الأمر الذي أوغر صدر المأمون، ودفعه إلى محاصرة بغداد وقتل الأمين. أمّا صاحبُ الشعر فهو يوسف بن محمد الحربيّ شاعر طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون. وقد وردت الأشعار مختلفة يقول يوسف بن محمد الحربيّ في هجاء الفضل بن الربيع:
أضاع الخلافة رأيُ الوزير وحمق الأمير وجهلُ الوزير
فبكرٌ مشيرٌ وفضلٌ وزيرٌ يريدان ما فيه حتف الأمير
فما كان إلا طريقًا غرورًا وشرُّ المسالك طُرقُ الغرور
وقد وردت هذ الأبيات منسوبة إلى الشاعر العباسيّ المغمور عليّ بن أبي طالب الأعمى (ت 198 هـ)، ونصها:
أَضاعَ الخِلافَةَ غِشُّ الوَزير وَفِسقُ الإِمامِ وَجَهلُ المُشير
فَفَضلٌ وَزيرٌ وَبَكرٌ مُشيرٌ يُريدانِ ما فيهِ حَتفُ الأَمير
وَما ذاكَ إِلّا طَريقُ غَرورٍ وَشَرُّ المَسالِكِ طُرقُ الغَرور
لِواطُ الخَليفَةِ أَعجوبَةٌ وَأَعجَبُ مِنهُ فِعالُ الوَزير
وَأَعجَبُ مِن ذا وَذا أَنَّنا نُبايِعُ للِطِفلِ فينا الصَغير
وَما ذاكَ إِلّا بِفَضلٍ وَبَكرٍ يُريدانِ نَقضَ الكِتابِ المُنير
وَهَذانِ لَولا اِنقِلابُ الزَمانِ أَفي العيرِ هَذانِ أَم في النَفير
وَلَكِنَّـها فِتَنٌ كَالجِبالِ تَرَفَّعَ فيها الوَضيعُ الحَقير
فَيا رَبِّ فَاِقبِضهُما عاجِلاً إِلَيكَ وَأَورِد عَذابَ السَعير
وَنَكِّل بِفَضلٍ وَأَشياعِهِ وَصَلِّبهُمُ حَولَ هَذيِ الجُسور
والمتأمل في تعدد هذه الأخبار واختلاف الأشعار يكتشف أنّ الرواة، في الثقافة العربية، قد ساهموا إسهامًا كبيرًا في خلق حالة البلبلة المعرفية التي أدّت إلى الارتياب من الروايات التي تبدو متناقضة ويعتورها الخلل والوضع. إنّ جزءًا كبيرًا من الروايات والأخبار الأدبية تمّ صوغها لإدانة طرف من الأطراف، أو بهدف إلحاق الأذى بجماعة من الجماعات، أو لإبطال حقّ ما، أو لإحقاق باطل. ولا يعني ذلك الشك في الأخبار والرويات الأدبية كلـِّها، وإنما في ذلك دفعٌ القراءة إلى مدياتها القصوى حيث يتوجَّبُ عليها أنْ تُعيد كتابة الأدب من خلال استثمار مبدأ اختلاف النصوص، فما بين فساد الروايات وتعدد الأخبار مساحة تأويلية شاسعة تجعل من فعل القراءة عملاً شاقًّا، وفعلاً معرفيًّا خلاَّقًا.
إنّ الخبر الثاني والثلاثين الذي أورده أبو هفـّان دسُّه واضحٌ، وفساده بيـّنٌ. بيد أنّ هذا الدسّ يكشف عن دلالتين جوهريتين:
* أنّ رواة الأدب على وعي تامّ بتناقضات السلطة والمثقف، فهذا الخبر يهدف إلى النيل من مؤسسة السلطة من خلال أبي نواس الذي يملك تاريخًا حافلاً من المواجهة والرفض. فأبو نواس في هذا الخبر محضُ قناع استثمره الرواة في إنشاء أخبارهم، ومنحوه لسانًا ناطقًا بالتنديد بالعباسيين.
* أنّ فساد الخبر لا يحتاج إلى أدلة كثيرة، فأبو نواس، وإنْ كان لا يرعوي، إلاّ أنه لا يملك الجرأة على مسّ مؤسسة الخلافة ورمزها الدينيّ. هذا إذا ما علمنا أنّ مُبدعًا كبيرًا مثل أبي نواس لا يقع في هذا المحظور، فقد تمكن بذكائه الشديد، وحنكته الكبيرة من الإفلات من فخّ الزندقة الذي ابتكرته مؤسسة الخلافة للإيقاع بخصومها. صحيح أنّ صدامًا قد وقع بين أبي نواس ومؤسسة الخلافة ومبرمجي خطابها المعتزلة، إلا أنّ أبا نواس كان واعيًا بخطورة المجابهة المباشرة التي كان بشار بن برد قد خاضها قبله عندما قال يهجو المهديّ ووزيره موسى بن داود:
خليـفةٌ يزني بعمّـاته يلعب بالدّبوق والصولجان
أبدلنـا الله به غـيره ودسّ موس في حرِ الخيزران

• كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهانيّ (ت 356 هـ):
يذكر إحسان عباس، في مقدمة تحقيق الأغاني، أنّ أبا الفرج الأصفهاني قد أمضى خمسين عامًا في تأليف هذا السِفر النفيس. وبعد أنْ فرغ الأصفهاني من جمعه قـُرئ عليه عدّة مرّات الأمر الذي دفعه إلى استخراج كتاب آخر من بطن كتاب الأغاني أسماه "مُجرّد الأغاني". فكتاب الأغاني، على هذا النحو، نصٌّ ولودٌ تتناسلُ رواياته، وتنداح أخباره لتأسيس عوالم سردية جديدة. وقد مكَّنت طاقة كتاب الأغانيّ الغنية عددًا من المؤلفين إلى اغتنامها فكان أنْ خرجت من كتـاب الأغاني، نسخٌ مجرّدة، ومهذبة، ومختارة.
ورغم البعد الاستقصائي الذي حرص الأصفهانيّ على تحقيقه، إلاّ أنّ كتابه لم يسلم من عبث الرواة، ومكر مؤسسة الكتابة التقليدية، ومكائد الورّاقين الذين كانوا أدواتٍ طيّعةً في مؤسسة الكتابة التقليدية. فقد كان الأصفهانيّ حريصًا على تنقيح مادة الكتاب، وضبطها لتـُحقق تداولاً معرفيًّا في أوساط القرّاء الذين يحضرون بقوّة في خطاب الـمقدمة التي يحاول فيها تسويغ اضطراب إيراد الأغاني والأخبار، إذ إنها لا تخضع لإحكام منهجيّ واضح، وتسلسل تاريخيّ بيّن. فكتاب الأغاني، حسب الأصفهانيّ، كتابُ منتخبات يضم الأغاني، والأشعار، والأخبار التي يُستفادُ ويَحْسُنُ بذكرها الغناء. إنها نصوصٌ مُصطفاةٌ "… إذا تأمـّلها قارئها لم يزل مُتنقـِّلاً بها من فائدة إلى فائدة مثلها، ومتصرّفًا منها بين جِدٍّ وهزلٍ، وآثارٍ وأخبارٍ، وسِيَرٍ وأشعار مُتـّصلةٍ بأيَّام العرب المشهورة وأخبارها المأثورة، وقصص الملوك في الجاهلية والخلفاء في الإسلام، يجمُلُ بالمتأدّبين معرفتُها ويحتاجُ الأحداثُ إلى دراستها، ولا يرتفعُ مَن فوقهم من الكهول عن الاقتباس منها؛ إذ كانت مُنْتَخَلَةً من غُرر الأخبار، ومُنتقَاةً من عيونها، ومأخوذةً من مظانّها، ومنقولةً عن أهل الخبرة بها". ليس هذا فحسب بل إنّ الأصفهانيّ واعٍ بتنوع الأجناس الأدبية في كتابه، فلهذا التنوع تعليل منهجيّ إذ يرى الأصفانيّ أنّ عقد الكتاب على جنس أدبيّ واحد يُضفي عليه قدرًا كبيرًا من الجمود الذي يُعطـِّلُ القراءة الفاعلة، ويُضيـِّقُ مساحة التأويل. كما أنّ المنتخبات التي أوردها الأصفهانيّ تُبيِّنُ ثراء الكتاب المعرفيّ فلو أنّ الأصفهانيّ اكتفى بالأغاني، ولم يُورد الأشعار، والأخبار لـَ" نُسبَ الكتاب إلى قصورٍ عن مدى غيره. وكذلك تجري أخبارُ الشعراء.
فلو أتينا بما غُنِّي به من شعر شاعر منهم ولم نتجاوزه حتى نفرغَ منه، لجرى هذا المجرى، وكانت للنفس عنه نبوةٌ، وللقلب منه مَلـَةٌ، وفي طباع البشر محبّةٌ للانتقال من شيء إلى شيء، والاستراحةُ من معهود إلى مُستجدٍّ. وكلُّ مُنْتَقَلٍ إليه أشهى إلى النفس من الـمُنتقَلِ عنه، والـمُنْتَظَرُ أغلبُ على القلب من الموجود. وإذا كان هذا هكذا، فما رتّبناه أحلى وأحسنُ، ليكونَ القارىءُ له بانتقاله من خبرٍ إلى خبرٍ ، ومن قصة إلى سواها، ومن أخبارٍ قديمة إلى مُحْدَثةٍ، ومَليكٍ إلى سُوقةٍ، وجِدٍّ إلى هزْلٍ، أنشطَ لقراءته وأشهى لتصفُّح فنونه، لا سيَّما والذي ضمـَّنـَّاه إياهُ أحسنُ جنسه، وصَفُو ما أُلـِّف في بابه، ولُباب ما جُمعَ في معناه". وبعبارة أخرى، فإنّ أبا الفرج الأصفهانيّ يدافع عن الفوضى التي تظهر في منهج الكتاب، ويرى أنّ المنهج المحتكم إلى أساس تاريخيّ ضربٌ من الانتظام الذي يُفسد جمال الأغاني والأخبار المحتاجة إلى مخطط موضوعيّ ينظمها، ووعاء فكريّ ينسقها. فالضرورات المعرفية تُبيحُ المحظورات المنهجية، إنّ ما قدّمه الأصفهانيّ من مسوغات يدلُّ دلالة جلية على نباهته وفطنته لمسألة الموقف المنهجيّ الذي ينبغي أنْ يظلّ مرنًا وقابلاً للحركة بما ينسجم وطبيعة الموضوع. لقد كان الأصفهانيّ حريصًا على تحقيق انسجام موضوعيٍّ، واتّساق بنيويٍّ في بناء الكتاب، فمن شأن هذا المخطط إضفاء مرونة كبيرة تدفع القارىء إلى الاندغام المطلق بالكتاب موضوعًا، وتأويلاً، وهو هدفٌ لا يكفُّ الأصفهانيُّ عن إعلانه. وبهذا المعنى فإنه يمكن الحديث عن منهج موضوعاتيّ حاول الأصفهانيّ تأسيسه مبكرًا. يقول إحسان عباس في مقدمة التحقيق: "إنّ هذا المنهج الذي اتّسع مجاله عن فكرة بسيطة يحتاجُ إلى تنظيم دقيق وذاكرة قويَّة، تُنقذُ صاحبها من التكرار، كما تنقذه من النسيان، ولكنّ ضخامة المشروع وتشعبه الكثير، كان امتحانًا قاسيًا لأبي الفرج، فهو لم يعفه من التكرار ولم يُنقذه من النسيان".
ويهمنا في هذا الجانب موضوع أخبار أبي نواس التي سقطت من كتاب الأغاني. فقد فُقدت أخبار أبي نواس من مخطوطات كتاب الأغاني كلـِّها، ولا يوجد في كتاب الأغاني من العناوين الدّالة على أبي نواس إلاّ ما جعله أبو الفرج الأصفهانيّ في العنوان الموسوم بـ "أخبار أبي نواس وجنان خاصّة إذ كانت أخباره قد أُفردت خاصَّة". وقد فطن إحسان عبـّاس لهذه المسألة البالغة الأهمية وذلك برجوعه إلى ياقوت الحمويّ ( ت 626 هـ) الذي اكتشف أنّ كتاب الأغاني قد سقط منه شيء، أو يكون النسيان غلب على مؤلفه. بيد أنّ إحسان عباس لم يلاحق هذه المسألة المهمة نقاشًا، وكشفًا، وتفسيرًا، واكتفى بالقول: "وهذه عيوبٌ طفيفةٌ بالنسبة لما يحتوي عليه الكتاب من فوائد"، ويبدو أنّ إحسان عباس قد تأثر بما قاله ياقوت الحمويّ ولم يتابع بحث المسألة.
أمّا ما يمكن استئنافه في هذه المسألة المهمة التي يمكن أنْ تكون ظاهرة كبيرة لها تجليات نصّية عديدة، فأمر يتجاوز منهج الأصفهاني إلى ما يمكن وصفه بـ"الجريمة الأدبية"، إذ إنّ أخبار أبي نواس قد أُسقطت بفعل فاعل. وهذه المسألة لا تنفصل عن تاريخ اغتيال المبدعين، وتصفيتهم معرفيًّا. دليل ذلك أنّ أخباره قد سقطت من النسخ كلها، وقد مرّ بنا أنا أبا الفرج قد مارس تشذيبًا، ومعاودة قراءة لكتابه بحضرة تلاميذه الذي كانوا يعاودون قراءته لإقرار محتوياته. وبعبارة مختلفة، فإنّ طرفًا من أطراف مؤسسة الكتابة التقليدية لم يشأ أنْ تظهر أخبار أبي نواس في كتاب الأغاني؛ كُرهًا، أو حسدًا، أو استبعادًا، وإقصاء.
إنّ ما قاله ياقوت الحمويّ لا يمكن الركون إليه إذا ما علمنا أنّ أبا نواس كان لا يزال يحظى، وشعره، بتداول كبير حتى في القرن الرابع. وهو أمر يُخرجُ نسيان الأصفهانيّ من جملة الأسباب التي أدّت إلى إسقاط أخبار أبي نواس من كتاب الأغاني. وهناك احتمال آخر لكنّه لا يملك سندًا نصّيا هو أنْ يكون الأصفهاني قد وهم أنّه أتى على أخبار أبي نواس عندما أورد أخبار "عصبة المجان" أمثال: والبة بن الحباب، والحسين بن الضحّاك، وأبي الشمقمق، وأبي الشيص، وأبي العتاهية وغيرهم.
وفي هذا الصدد يمكن القول: إنّ كتاب الأغاني قد احتفظ لنا بأخبار مهمة لأبي نواس استطاعت أنْ تنجوَ من مكائد الرواة، وأنْ تُفلت من رقابة مؤسسة الكتابة التقليدية التي قامت باستبعاد أخبار أبي نواس الخاصة، متوهـّمة أنها قادرة على إسقاط أبي نواس وأخبار من مدوّنة مهمّة مثل مدوّنة الأغاني. لكنّ هذا المخطط المؤسساتي قد تكلل بالفشل الذريع؛ ذلك أنَّ أخبار أبي نواس تناسلت في أخبار الآخرين وتجاربهم، الأمر الذي يعني استحالة حذف أخبار من لهم صلات بأبي نواس، ومن كانوا قد عايشوه، وعاصروه. إنّ مؤسسة تقترفُ الجرائم الأدبية باغتيال المبدعين، ومصادرة أخبارهم، وتشويهها مؤسسة موتورةٌ لا يمكن الوثوق بما تقدمه من مدوّنات، ومؤلفات؛ لأنها تحمل في داخلها مفاجآت غير سارّة، وتعد بخسائر فادحة لا يمكن تلافيها إلاّ بالتأويل. وقد أحسن إلينا إحسان عباس عندما أوصى القرّاء بضرورة الاحتراس أثناء قراءة كتاب الأغاني، إذ ينبغي عليهم " أنْ يفيدوا من الأغاني بحذر شديد، وتكرار نظر، وضرب الروايات ببعضها، ولا بُدّ أنْ يكونوا ذوي قدرة نقدية عالية، ذلك أنّ الضعف في روايات الأغاني إنما جاء من ضعف النقد لدى المصنّف المهتمّ بالاستكثار من الجمع، ولدى رواته الذين كانوا في أحسن الأحوال يظنّون أنّ قوّة السّند تعني قوّة الخبر، وصدقه".
• أخبار أبي نواس: تاريخه، ونوادره، وشعره، ومجونه لابن منظور المصريّ (ت 711 هـ):
يكشفُ ابن منظور، في مقدمة كتابه، المسوّغات التي دفعته لكتابة أخبار أبي نواس، وهي تنحصرُ في غياب ترجمة أبي نواس وأخباره من التراجم والأخبار التي أوردها أبو الفرج الأصفهانيُّ في الأغاني. ويُعْرِبُ ابنُ منظور عن استهجانه لغياب أخبار أبي نواس وترجمته من كتاب الأغاني. يقول ابن منظور: "ولم أجد لأبي نواس ترجمة مُفردة في نسخ الأغاني التي وقفتُ عليها. وما أدري: هل أغفل أبو الفرج ذكره من كتابه، أم أُسقطت ترجمته من كتابه بعده. وليت شعري إذا أغفل أبو الفرج ذكر أبي نواس من كتابه فـمَن ذكر: على أنّ أبا الفرج ليس ممن يجهلُ قدر أبي نواس في فضله ونُبله وجِدّه وهزله، وسائر فنونه: من صدقه ومجونه، وإنه لَطِرازُ الكُتُبِ، بل علمُ أهل الأدب".
إنّ ابن منظور يصدرُ عن إحساس عميق بالمسؤولية المعرفية التي تدفع الـمبدع إلى التسآل عن أسباب بعض الظواهر الثقافية التي تحتاج إلى تفسير وتسويغ، ثمّ معالجة الظواهر وتجليتها. والناظر في مقدمة ابن منظور يكتشف تشديده على عدّة مسائل هي:
 عدم وجود ترجمة مُفردة لأبي نواس في كتاب الأغاني.
 أنّ الترجمة ترد مقابلاً للأخبار، فترجمة أبي نواس، أي سيرته، هي أخباره.
 التساؤل عن أسباب عدم وجود ترجمة أبي نواس في كتاب الأغاني. وهي لا تخرجُ عن ثلاثة احتمالات.
‌أ. إغفال أبي الفرج ذكر أبي نواس وإثباث ترجمته وأخباره.
‌ب. إسقاط ترجمة أبي نواس وأخباره بعد وفاة أبي الفرج الأصفهانيّ صاحب الأغاني.
‌ج. أنْ يكون أبو الفرج الأصفهانيّ قد أسقط ترجمة أبي نواس وأخباره نزولاً عند رغبة مؤسسة الكتابة التقليدية التي كانت راغبة في إقصاء أبي نواس، ومصادرة أخباره.
إنّ هذا التحليل ضربٌ من التأويل الذي يقوم على النظر في الدلالات التي بثـّها ابن منظور في فاتحة كتاب أخبار أبي نوّاس، وهي تكشف جانبـًا مُهمـّا من صناعة الكتاب في الثقافة العربية القديمة. وهنا لا بُدّ من توكيد أمر مُهمّ قد ينسرب من جملة العلاقات الدلالية التي تمّ مخضُها آنفـًا، وهي أنّ هناك نسخًا كثيرة قد راجعها أبو الفرج الأصفهانيّ بصحبة تلاميذه، وطلبة العلم والأدب، ومن ثمّ فإنّه لا يُعقل أنْ تُسقطَ أخبار أبي نواس من النسخ كلها؛ إذ يستحيل أنْ تتمكن الجهة الراغبة في إقصاء أبي نواس ومصادرة أخباره من ملاحقة نسخ الكتاب كلـِّها وحذف جزء منها، خاصة إذا ما علمنا أنّ الكتاب في الثقافة العربية القديمة كان في هجرة دائمة، ورحلة مستمرة.
ولعلّ ابن منظور قد أومأ إلى ذلك إيماءً خفيـَّا عندما استبعد مسألة الغفلة التي أثبتها ياقوت الحموي، وأيّدها إحسان عبـّاس. يقول ابن منظور: "وليت شعري إذا أغفل أبو الفرج ذكر أبي نواس من كتابه فمن ذكر؟"، إنّ صيغة الاستفهام تتضمن إنكارًا من جهة وإقرارًا من جهة أخرى؛ فابن منظور يُنكر غفلة أبي الفرج، ويُقرُّ بـمكره وكيده، ذلك أنّ أبا نواس ليس عابرًا في كلام عابر، ثمّ إنّ حضوره الثقافيّ يتجاوز أغاني أبي الفرج الذي "ليس ممن يجهل قدر أبي نواس في فضله ونُبله وجِدّه وهزله، وسائر فنونه: من صدقه ومجونه، وإنه لَطِرازُ الكتب، بل علمُ أهل الأدب".
إنّ عمل ابن منظور يهدف إلى تحقيق غايتين؛ الأولى: استئناف كتابة ترجمة أبي نواس، وأخباره، ووضع حدٍّ لهذه الجريمة الأدبية التي كان أبو الفرج الأصفهانيّ طرفًا فيها. والثانية: إعادة الاحتفاء بأبي نواس؛ فهو طراز الكتب التي لا يكتمل بهاؤها إلى بتدوين ترجمته وإيراد أخباره، وأشعاره.
لقد نجح ابن منظور في إنقاذ سيرة أبي نواس، وأخباره، والأشعار المتضمنة فيها، بيد أنه لم يُطلعنا على مصادره في جمع المادة الأخبارية وهي قضيةٌ مهمة تحتاج إلى بحث آخر، ومعالجة جديدة.
  الرد باقتباس
قديم(ـة) 14/09/2012, 09:55 PM   #1025
عروس رائعة
 
الملف الشخصي:
تاريخ التسجيل: 13/06/2012
رقم العضوية: 455394
البلد: عدن
المشاركات: 1,045
الجنس: أنثى
الدولة: اليمن

تقييم العضو:
قوة التقييم: 39

عدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميز


الأوسمة

عدنية حرة غير متصل


قراءة جديدة للفکر النواسي



بقلم يوسف هادي بور



إن المتتّبع لأخبار أبي نواس وأحواله يواجه أخبارا متضاربة وآراء متباينة في تناول شخصيّته ومعالجة خمرياته، بحيث لا يتاح له التعرّف الصحيح على حقيقة أمره وحقيقة شعره الخمري.

فقد أجمع غالبية الذين كتبوا عن سيرته وشخصيته على أنّه كان عابثاً، ماجناً، فاسقاً، خليعاً كل الخلاعة، ومن جانب آخر يؤكّدون على انّه كان عالماً بارعاً، وحافظاً للقرآن الكريم، وبصيراً باختلاف القراءات، وعارفاً بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، كما كان متكلماً جدلاًً فهماً، فكاد يكون إماماً من أئمّته وكان متبحرّاً في علم النجوم والطبيعيات، كما كان راوية فحلاً بحيث روى عنه الكثيرون من الفقهاء وأصحاب الحديث، وكان فقيهاً عارفاً بالأحكام والفتاوى، وصاحب الحفظ والمعرفة بطرق الحديث، كما كان شاعراً مجيداً.

فلو سلّمنا بما روي عنه من إلمام بهذه العلوم، وسعة الإطّلاع، والثقة والإطمئنان، فليس من المعقول أن نقبل القصص المختلفة حول مجونه السافر ومجاهرته بالفجور بتلك الصورة الصارخة التي تحدّث عنها البعض من أصحاب التواريخ.

ولكي يتاح للباحثين التعرف بشكل متكامل على حقيقة أمره وحقيقة معاني شعره الخمري، فلابد من إلمامة ولو عابرة على حياة الشاعر الّتي قضاها في ظلّ ظروف سياسيّة بالغة التعقيد وحكومة جائرة تأخذ من الإسلام غطاءً لتبرير أعمالها.

اسمه ونسبه وكنيته:

(هو الحسن بن هانيء بن صباح بن عبد الله بن الجرّاح)(1) ويقال: (هو الحسن بن هاني بن عبد الأول بن الصباح مولي الجرّاح و كنيته أبونواس. سئل عن كنيته وما أراد بها ومن كنّاه بها، وهل هو نَواس أو نُواس، فقال: نواس، جَدَن، يَزَن، كَلان وكَلاع أسماء جبال ملوك حمير والجبل الّذي لهم يقال له: نُواس.)(2)

(وكانت كنيته الأصلية أبا علي وإنّما كان يشتهي أن يلقب بأبي نواس لشهرته وأنه من أسماء ملوك اليمن.)(3)

فيما يتعلق بأبيه (هانيء) فقد قيل عنه: (كان أبو أبي نواس حائكاً وقيل: كان من جند مروان بن محمد ـ آخر خلفاء بني أمية ـ من أهل دمشق وكان فيمن قدم الأهواز في أيّام مروان للرّباط والشحنة، فتزوجّ ب(جلّبان).)(4)

(أمّا أمّه جُلّبان كانت من بعض مدن الأهواز.)(5) فليس صحيحاً قول بعض المؤرخين القائلين بأنه كان من أبوين فارسيّين ومنهم حنّا الفاخوري.(6)

مولده ونشأته:

اختلف الرواة في مولده وهو يتراوح بين سنوات مائة وست وثلاثين حتّى مائة وتسع وأربعين. وقد ورد في كتاب طبقات الشعراء: "ولد بالأهواز، بالقرب من الجبل المقطوع المعروف براهبان سنة تسع وثلاثين ومائة."(7)

قد جمع ابن منظور كلّ هذه الروايات في كتابه من دون أن يخرج منها بنتيجة قائلا: "كان مولده في سنة ست وثلاثين ومائة وقيل: سنة خمس وأربعين وقيل: سنة ثمان وأربعين وقيل: سنة تسع وأربعين."(8)

فقد الحسنُ في السنة الثانية أو السادسة من عمره أباه، فنقلته أمّه إلى البصرة لضيق العيش في الأهواز حسب رواية طبقات الشعراء : "مات والده هانيء وأبو نواس صغير. فنقتله أمّه وهو ابن ستّ سنين."(9)

وقيل أيضاً: "كان في السنة الثانية من عمره وأنّ أباه نقله إلى البصرة من الأهواز." (10)

فلا شكّ في أنّه ولد بالأهواز ثم انتقل إلى البصرة، لكن الخلاف فيمن نقله إلى البصرة. أ والده أم والدته؟ وكم كان عمره آنذاك؟

"والواضح أن أباه لم يعش طويلاً. فَقَدَ الحسنُ أباه وظلّ يتيماً في كنف أمّه جلّبان "فأسلمته الأم إلى الكُتّاب ليتعلم القراءة والكتابة."(11)

ولمّا شبّ الفتى رغب في العلم والأدب وتعلّق بالشعر. ولكنّ الحياة كانت صعبة، وكان الزمان قاسياً. فأسلمته الأم إلى بعض العطارين ليعمل في النهار وحينما فرغ عن العمل يذهب إلى المسجد ويحضر في حلقات الدرس. كما ذكر ابن منظور نقلا عن الجاحظ: " لمّا شبّ أسلمته أمُّه برّاءً يبري عود البخور."(12) فظلّ الحسن مدة على هذه الحال: العمل عند النهار والحضور في حلقات الدرس عند المساء. "فلمّا ترعرعَ خرجَ إلى الأهواز، فانقطع إلى والبة بن حباب الشاعر."(13)

وقد تضاربت الآراء حول كيفية اتصاله بوالبة بن الحباب، ومكانه ولكن لا شكَّ في أصل هذا الاتصال سواء كان، في الأهواز أم في البصرة، ولكنّه قدم معه الكوفة وشارك في مجالس الشعر ومجالس اللهو والمجون أحياناً ولكنه ما كان في سنّ يفرط فيها على نفسه وإذ أنّ: "أكثر الناس على ترجيح أنه حين لقي والبة كان في حدود الثلاثين من سنه."(14) ومن ثم "واصل هذا النوع من الحياة ـ أي حياة العبث والمجون ـ مدة قليلة ثم أدرك بأنها ليست مناسبة لشأنه، فتركها وذهب إلى البادية وأقام عند قبيلة بني أسد ليفصح لسانه." (15)

واستأنف بعد رجوعه من البادية حياة الدرس والتحصيل في البصرة وتتلمذ على خلفٍ الأحمر في الشعر. وسلك خلف طريقاً آخر في تخريجه غير طريق والبة و"أمره خلف أن يحفظ كثيرا من القصائد والأراجيز لفحول الشعراء والرجّاز. فحفظ ما أمره وامتحنه خلفٌ امتحاناً عسيراً شاقّاً."(16)

فنبغ في الشعر أكثر فأكثر وهذه الفترة هي نقطة التحوّل في حياته إذ إنه كشف فيها قدراته في نيل الشهرة"فلا عجب إذ رأينا شاعرنا أبا نواس وقد أتمّ علمه واستوفى فيه يبادر إلى بغداد، عروس المدائن."(17)

ولقد كانت أمور الخليفة كلّها في ذلك الحين إلى وزرائه البرامكة وهم أهل العلم والشعر والمعرفة، فنظم في كبيرهم، يحيى بن خالد البرمكي، وأيضا في الفضل بن يحيى:

"رأيتُ لِفضل في السماحة همّـة أطالت لعمري غيظ كلّ جوادِ

ترى الناس أفواجاً إلى باب داره
كأنهـم رجـلا دَبَى وجـرادِ
حتى يقول:

بفضل بن يحيى أشرقت سبل الهُدى
وآمـن ربّـي خوف كـلّ بلادِ"(18)
غضب الرشيد على البرامكة لخوفه منهم وسجن أبو نواس عدة مرات فأصبحت بغداد مكاناً غير آمن له من بعد نكبة البرامكة، فانصرف إلى مصر ليمدح أميرها أبا النصر الخصيب صوناً من حوادث الدهر في بغداد ورغبة في عطايا الخصيب. كما يشير إلى هذه القضايا في قصيدته المعروفة عند رحلته إلى مصر حيث يقول:

"تقول التي عن بيتها خفّ مركبي عزيـز علينـا أن نراك تسيـرُ

أمـا دون مصـر للغنى متطلّب بلـى إنّ أسباب الغنـى لكثيرُ"(19)

وقد مدح الخصيب خلال هذه القصيدة وقصائد أخرى، فأنعم الخصيب عليه وأغدق، فلبث هناك حوالي سنة حتى نهاية حكم الخصيب، وكانت آلام الهجرة والبعد عن الأسرة تعصر قلبه، فقرّر مغادرة مصر والرجوع إلى بغداد. ويقول في ذلك:

" ذكـر الكـرخَ نازحُ الأوطانِ
فصبـا صبـوةً ولاتَ أوانِ

ليس لي مسعدٌ بمصر على الشو
ق إلـى أوجهٍ هناك حِسـانِ
إلى أن يبشّر ابنته بالإسراف في كل شيء والأنفاق، على أنّه عائد إليها بالمال الكثير:

يـا ابنتي أبشري بميرة مصـرٍ
وتمنّـي وأسـرفي في الأماني* (20)
* والعجيب أن بعض الباحثين ينكرون أن تكون له حياة أسرية!

فعاد إلى بغداد بعد نهاية ولاية الخصيب، سنة 191 للهجرة.

ولكنه رأى تحوّلاً كبيراً في أوضاع البلاد وفي أحوال الرشيد كما يقول:

وعدتُ إلى العراق برُغم أنفي
وفـارقتُ الجزيرة والشآما

على شطّ الشآم وساكنيـــه
سـلامُ مُسَلَِّّم لَقِيَ الحِماما(21)
وقيل إنّه: "واجه سخط الرشيد إذ أثاره الموتورون منه بما أحفظه عليه ودعاه إلى سجنه الذي طال إلى أن آلت الخلافة إلى الأمين."(22) وقيل: "حُبس أبو نواس بما ذكر عنه من الزندقة، ولم يزل محبوساً في حبس الزنادقة حتى مات الرشيد وقام الأمين."(23)

بقي في سجن الزنادقة أكثر من سنتين، فتوسط له الفضل بن الربيع ـ وزير الأمين ـ فأطلقهُ الأمين وجعله نديماً وشاعراً له، حيث يقول:

إنـي أتيتكـم مـن القـبـر
والـناس محتبسـون للحشرِ

لولا أبـو العباس* ما نظرت
عينـي إلـي ولـدٍ ولا وفرِ(24)
سجن أبو نواس عدة مرّات في أيام الأمين، وهذا ما تحدث عنه في أبيات له:

مضتْ لي شهورٌ مذ حسبتُ ثلاثة
كأنــي قد أذنبتُ ما ليس يُغفرُ

فإنَ كنتُ لـم أذنبْ ففيمَ حبستني
وإن كنتُ ذا ذنبٍ فعفوُك أكبرُ (25)
وواضح في كلامه أنّ الأمين غضب عليه بشدة حتى أراد قتله:

بك استجيـرُ مـن الرّدي وأعوذ من سطوات باسـك

وحيــاة رأسـك لا أعو
دُ لمثلها … وحيـاة رأسك

مـن ذا يكـون أبونـو ا
سك إن قتلتَ أبـا نواسـك(26)
كما يقول ابن منظور: " غضب عليه الأمين وأمر به إلى السجن"(27)

وفي هذه الفترة اشتدت الحرب بين الأمين والمأمون. فما لبث أن تغلب المأمون على الأمين، فقتل الأمين في محرّم سنة 198هـ ورثاه أبو نواس بأصدق أبيات، كما يقول طه حسين: و"أنا أزعم أنّ أبا نواس لم يصدق في رثائه إلاّ مرّة واحدة، وذلك حين رثى الأمين." (28)

كنية الفضل بن الربيع

ولم يعيش أبو نواس طويلاً بعد ذلك إذ توفّي بعد أشهر من موت الأمين أو على الأكثر بعد سنة واحدة منه وقد اختلف الرواة في سنة وفاته. كما اختلفوا من قبل في سنة ولادته وفي كل شأن من شؤونه. ويقال: "إنه مات سنة ستّ وتسعين ومائة وقيل: مات ببغداد في سنة خمس وتسعين ومائة وكان عمره تسعا وخمسين سنة ودفن في مقابر الشونيزية في تلّ اليهود." (29)

"وقد ذكرت خمسة تواريخ متتابعة عن وفاته، آخرها سنة 199 هـ وهي الراجحة، ومؤرخوه مجموعون في غالبيتهم على أنه مات وعمره تسعة وخمسون عاماً ودفن في المقابر الشونيزية (30) في تلّ اليهود ببغداد. وقد رثاه صديقه ورفيق صباه، الحسين بن الضحّاك، بقوله:

نازعنيكَ الزّمان يا حسـنُ
فخابَ سهمي وأفلَحَ الزمنُ

لَيْتَكَ إذ لم تكُـن بقيـتَ لنا
لم تَبْقَ روحٌ يَحُوطُها بدنُ(31)
شخصيته وأدبه:

كان أبو نواس حسنَ الوجه، رقيق اللون، أبيض، حلو الشمائل حسن الجسم وكان ألثغ بالرّاء. وقال الجاحظ فيه: "كان نحيفاً، في حلقة بحّة لا تفارقه وكان إذا دخل حلقة الدرس، التفت القوم إلى حسنه وحداثة سنّة وذكائه وقوة تحصيله. قرأ القرآن على يعقوب الحضرمي ـ إمام القراّء ـ فلّما حذّق القراءة رمى اليه يعقوب بخاتمة وقال : "إذهب فأنت أقرأ أهل البصرة" (32). أخذ على أبى زيد الأنصاري اللغة، وعلى خلف الأحمر معاني الشعر، وعلى عبيدة معمر بن المثنّى أخبار العرب وأيّام الناس. وقرأ الفقه فأتقن الأحكام والفتيا، وطلب الحديث ورواه عن كبار ثقاته، وطلب علوم القرآن فعرف ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه. وجالس أصحاب الكلام وأخذ علمهم وناظرهم . وكان جدلاً فهماً، فكاد يكون إماماً من أئمته… وعنى بعلوم الأمم المنقولة. فاطّلع على علم النجوم والطبيعيات وألمَّ بخرافات اليونان والفرس والهند وحفظ ما لا يحصى من أشعار العرب القدماء والمحدثين. قرأ ديوان ذي الرّمة على الناشيء."(33)

وقال فيه ابن منظور: "كان أبو نواس متكلماً جدلاً، راوية فحلاً، رقيق الطبع، ثابت الفهم في الكلام اللطيف. ويدلّ على معرفته بالكلام أشياءُ من شعره."(34)

وهكذا ورد في كتاب طبقات الشعراء:" كان أبو نواس عالماً فقيهاً، عارفاً بالأحكام والفتيا، بصيراً بالاختلاف، صاحب حفظ ومعرفة بطرق الحديث. يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه، محكمه ومتشابهه. وقد تأدبّ بالبصرة، وهي يومئذٍ أكثر بلاد الله علماً وفقهاً وأدباً، وكان أحفظ لإشعار القدماء والمخضرمين وأوائل الإسلاميين والمحدثين." (35)

وحدّث يوسف بن الداية قال: "قال أبو نواس أحفظ سبعمائة أرجوزة وهي عزيزة في أيدي الناس، سوى المشهورة عندهم… ثم أخذ في قول الشعر فبرز على أقرانه وبرع على أهل زمانه… فصار مثلاً في الناس، وأحبّه الخاصة والعامة وكان يهرب من الخلفاء والملوك بجهده ويلام على ذلك."(36)

وقال الجاحظ فيه: "ما رأيتُ أحداً كان أعلم باللغة من أبي نواس، ولا افصح لهجة، مع حلاوة ومجانبة الاستكراه"(37) وقال فيه أبو هفّان: "كان أبو نواس آدبَ الناس وأعرفهم بكلّ شعر.(38) وقال أبو عمر الشيباني فيه: "لو لا ما أخذ فيه أبو نواس من الرفث لاحتججنا بشعره لأنه محكم القول."(39)

وقال أبو عبيدة فيه: "كان أبو نواس للمحدثين مثل امرؤ القيس للمتقدمين قال فيه أيضا: ذهبت اليمن بجد الشعر وهزله: امرؤ القيس بجدّة وأبو نواس بهزله. وكان يقول ذهبت اليمن بجيّد الشعر في قديمه وحديثه. امرؤ القيس في الأوايل وأبو نواس في المحدثين. "(40)

وفي حرصه على العلم تكفينا هذه الرواية عن قول أبي هفّان حيث يقول: "قال لي أبو نواس: الشره في الطعام دناءة، وفي الأدب مروءة. وكلّ من حرصَ على شيء فاستكثر منه سكن حرصُه وقرّتْ عينه غير الأدب، فأنه كلما ازداد منه صاحُبه ازداد حرصاً عليه وشهوةً له ودخولاً فيه." (41)

وهذا هو أبو نواس يتكلم عن نفسه وشعره: "لا أكاد أقول شعراً جيداً حتى تكون نفسي طيبةً وأكون في بستانٍ مونق وعلى حال أرتضيها من صلة أوصل بها أم أوعد بصلة. وقد قلتُ وأنا على غير هذه الحال أشعاراً لا أرضاها." (42)

نراه يؤكّد على طيب النفس في حال قول الشعر. وخلاصة الكلام فيه هي أن: "شاعرنا لم يكن رجلاً ما وإنما كان رجلاً يقدره أهل عصره ويكبرونه في كلّ ما عرض له من الفنون… أنه أرق الناس أدباً وأحسنهم شعراً." (43) فأين من هذا، أبو نواس العابث المستهتر والذي كيل له من الاتهامات وأشيع عنه من الروايات ما يبرزه فاسقاً ، فاجراً لا همّ له سوى الإقبال على الملذّات وارتكاب المحارم؟

ولكنّ السؤال الذي لا بدّ لنا من طرحه هو: لماذا ترسّخت صورة أبي نواس الماجنة المستهترة في أذهان الناس ولم تترسّخ صورة أبي نواس المعروفة بالأدب والمعرفة؟ مع أنه مشهود بأنه كان من كبار رجال العلم والأدب والحديث في عصره، كما رأينا وذكرنا أقوال العلماء والمؤرخين في ذلك.

ومردّ ذلك إلى بعض المحاولات التشهيرية ضده.

حملة التشهير ضد أبي نواس:

واجه أبو نواس عدداً كثيراً من حملات التشهير والتشكيك من جوانب شتّى تختلف غايات هذه الحملات ومراميها:

الاتّجاه الأوّل: يتعلّق باتجاهه الفكري والأدبي وبمذهبه الجديد في الشعر الذي تمثلت فيه ثورتُه على منهج القصيدة والنظام الشعري القديم، فخالفه الشعراء الذين كانوا يحافظون على المنهج القديم وبثّوا دعايات كثيرة ضده. الاتّجاه الثاني: يتعلّق بعدد من الشعراء المعاندين له، والذّين لهم موقفهم الصريح المؤُيد للحكم العباسي والمعارض لِآل البيت. ومن هؤلاء الشعراء: مروان بن أبي حفصة، وسلم الخاسر، والرّقاشي وأبان عبد الحميد اللاحقي، شاعر البرامكة. الاتّجاه الثالث: مدعوم بالخلفاء والأمراء والوزراء، والذين كان لهم وَضعهم الطبقي والاجتماعي الخاص إلى جانب ما يتمتّعون به من نفوذ سياسي، وفي الحقيقة كانت لهم شخصيتان: الأولى هي الشخصية الرسمية عند الناس تحافظ على العفّة والطهارة والرزانة. والثانية شخصية عابثة ماجنة تَظهر في خلواتهم. هؤلاء إذا حضروا مجالس الأنس والطرب مع الغلمان والجواري والمغنّين ، جادت قريحتهم بشعر مُسفّ فاحشٍ نسبوه إلى أبي نواس خوفاً من قدرهم وموقعهم الاجتماعي والسياسي، و"العامة الحمقى قد لهجت بأن تنسِبَ كلّ شعرٍ في المجون إلى أبي نواس وذلك غلط." (44)

الاتجاه الرابع: وهو تهرّب أبي نواس من هذه المجالس الرسمية لاتّجاهه الفكري والعقيدتي والديني. وهذا هو أبو نواس يقول: "إنما يَصبر على مجالسة هؤلاء الفحول المنقطعون الذّين لا ينبعثون ولا ينطقون إلاّ بأمرهم. والله لكأنّي على النّار إذا دخلتُ عليهم حتى انصرفَ إلى إخواني ومن أشاربه، لأني إذا كنتُ عندهم فلا أملك من أمري شيئا. "(45) وتتّضح لنا مسائل كثيرة عند التعمق في هذا القول. وهذا قول أبي نواس حيث يقول: "لا أكادُ أقول شعراً جيداً حتّى تكون نفسي طيبة." (46) كان الخلفاء والأمراء يتمنّون أن يكون أبو نواس في بلاطهم ويتقرب إليهم. ولكنه كان بمعزل عن البلاط وكان ميلُه إلى الناس وميل الناس إليه : "فصار مثلاً في الناس وأحبّه الخاصة والعامة."(47) و"لم يكن شاعر في عصر أبي نواس إلا وهو يحسده لميل الناس إليه وشهوتهم لمعاشرته ولبعد صيته وظرف لسانه."(48) ولا يخفى على الباحث ميله إلى الشعوبية وذلك كلّه مما لا يؤهّل شاعرا بأن يكون قريبا من الخلفاء والحكام.

الاتّجاه الخامس: هذا هو ما عاناه كثيراً وسبّب أن تكثر الأقوال فيه كما جاء في أحواله: "كان دمثاً، لطيفاً، ظريفاً، حلو المعشر، حسنَ الوجه، رقيق اللون، أبيض، حلو الشمائل، ناعم الجسم."(49) وكان "فصيحَ اللسان، لطيف المنطق، مليح الإشارة، وظرفه كان من أهمّ ما تتميّز به شخصيته."(50)

ولعلّ اتجاهه هذا إلى الهزل والدعابة إلى جانب ما تمتّع به من جرأة وحرية في قول ما كان يخطر بباله، جَعَل الكثيرين ينسبون إليه النوادر والسلوك الماجن والشعر الفاسق. ولهذا نرى في ديوانه كثيراً من الأبيات لا تحمل خصائص أبي نواس. ولكن ظرفه وهزله كان أشدَ من الجّد، والجد المخبوء تحت الهزل هو أشد من الجدّ الظاهر. وهو الذي يقول عن نفسه: "وأمّا المجون، فما كلّ أحد يحسن أن يمجن، وإنّما المجون ظرفٌ ولست أبعدُ فيه عن حدّ الأدب. ولا أتجاوز مقداره."(51) ويؤكّد هذا القول قوله الآخر ممّا نقله محمد بن أبي عمير: "سمعتُ أبا نواس يقول: والله ما فتحتُ سراويلي لحرام قطّ."(52)

دينه ومذهبه:

يحيط بحياة أبي نواس غموض كثيرة ولا سيّما من الناحية الدينية. وكان يُتّهم بكل مذهب ومنه "الزندقة" وسجن عدة مرات بهذه التهمة كما رأينا. و"كان يتّهم برأي الخوارج".(53) و"ذكر صاحب كتاب الورقة جماعة من الشعراء في طبقة أبي نواس ومن قبله، ووَصفَهم بالزندقة. وسرائر الناس مغيبة وإنما يعلم بها علاّم الغيوب… وكانت تلك الحال تكتم في ذلك الزمان خوفاً من السيف."(54)

ومنهم من يعتقد بتشيع أبي نواس، ومن الدلائل الهامة التي تشير إلى تشيع أبي نواس، ما قاله أبو العلاء المعري عنه حين يقول: "ولا ارتابُ أنّ دعبلاً كان على رأى الحكمي (أي أبو نواس) وطبقته، والزندقة فيهم فاشية ومن ديارهم ناشئة." (55) ويقول في موضع آخر: "وقد اختلف في أبي نواس . أُدّعي له التألّه وأنّه كانَ يقضي صلوات نهاره في ليله، والصحيح أنّه كان على مذهب غيره من أهل زمانه." (56)

وأمّا ما ذكرناه من كلام أبي العلاء على طريقته في الشك. فإننا إن نظرنا بدقة في قوله تبين لنا، أوّلاً أنه لا يؤيّد زندقة أبي نواس بل يؤيد تشيعه حيث يقول ، أنه لا يرتاب في أنّ دعبلاً ـ أي دعبل علي الخزاعي كان على رأي الحكمي. ولا يخفى علينا تشيع دعبل وإخلاصه لآل البيت وشعره الصادق فيهم.

وأما قوله: " والصّحيح أنه كان على مذهب غيره من أهل زمانه"، يدل على سلوكه وكيفية تعامله ومواجهته القضايا السياسية والدينية في تلك الفترة وبالطبع فقد كان مختلفاً عن الآخرين. على أنه اتّخذ موقفاً خطيراً إزاء تلك القضايا، وكان للتظرّف والتظاهر بالمجون وإظهار الجنون دورٌ خاص في ذلك الزمان خوفاً من السيف كما أشار المعري في كلامه وتؤكده إحدى قصائد أبي نواس التي تزخر بجوانب كثيرة مما أشير إليه هنا يقول فيها:

خــلِّ جنبَيك لــرام
وامــضِ عنـه بسلامِ

مُت بداء الصَّمت خــيرٌ
لك مـن داء الــكلامِ

ربّما استفتحتَ بالمــز
ح مغاليـق الحِـمــامِ

رُبّ لفظٍ ساقَ آجـــا
ل َنـــيام وقـيــامِ

إنـما السالم مـن ألــ
ــجمَ فــاه بـلجامِ

فالبس الناسَ على الصـ
ـحّةِ منهــم والسقـامِ

وعليك القصـدَ إنّ الـ
ـقصَد أبقى للحُمـــامِ

شبتَ يا هذا ومـا تتـ
ـركُ أخلاقَ الغــُلامِ

والمنـــايا آكــِلاتٌ
شــارباتٌ لِـلأنـامِ!(57)
هل يوجد كلام أفصح من هذه الأبيات لبيان الخوف في تلك الفترة؟ ينصح الناس ألّا يتكلّموا بالجد، بل بالمزح. وهو يستفتح مغاليق الموت بالمزح، وينصح بالصراحة وبالتأكيد:

إنـما السّالـم من ألّــ
ـجمَ فـاه بلجـامِ
ويقول: العاقل هو الذي يقتصد في الكلام، وبالطبع هو الكلام المخالف للحكم ويشير إلى المنايا التي تنتظر أكل الناس.

كما يقول في مكان آخر:

هذا زمان القرود فاخضع
وكُـن لهم سامعاً مطيعاً(58)
انتماؤه إلى الشعوبية :

ما هي الشعوبية؟

كان العرب يزدرون الموالي ويفتخرون بكلّ ما هو عربي، ولاسيّما أيام الأمويين. فواجهت الأمم المختلفة آلاماً كثيرة من جرّاء هذا الازدراء. فلمّا حدثت الثورة العباسية وضعفت السلطة العربية، قامت جماعة من الشعراء والأدباء المنحدرين من أصول فارسية يقولون بتساوي الشعوب وعدم تفضيل أمة على أخرى استدلالاً بالآية القرآنية:

*يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقيكُم*(59)

ولكن ما لبثت أن تحولّت هذه الفكرة إلى الحطّ من شأن العرب، والطّعنِ في أخلاقهم وآدابهم، والتّنوية بفضائل الإيرانيين وغيرهم من الشعوب التي كانت لها حضارة قديمة. وقد ألّفت كتب كثيرة في ذم العرب وبيان انحطاطهم، كما ألفت كتب أخرى في فضائل الفرس وغيرهم من الأمم غير العرب. وقد كان للشعوبية هذه دور كبير في تاريخ الأدب، كما كان لها دور مهم في السياسة العربية في العصر العباسي.

فإذاً كانت الشعوبية مذهباً سياسياً وإنسانياً في ذلك الوقت وبإمكاننا أن نقول: " إنّ الشعوبية ليست عقيدة، بل هي نزعة تشبه أن تكون محاولة ديمقراطيّة تحارب أرستقراطية العرب."(60)

جاء في العقد الفريد: "الشعوبية هم أهل التسوية" وفي الصحاح: "الشعوبية فرقة تفضّل العرب على العجم" وفي اللسان: "الشعوبي هو الذي يصغر شأن العرب ولا يرى لهم فضلاً على غيرهم."(61)

إنّ ما جاء في لسان العرب في معنى الشعوبية يدلّ على تحوّل هذه الحركة المدافعة عن تساوي الأمم إلى الحطّ من شأن العرب كما ذكرناه آنفاً. وتلك هي الشعوبية العنصرية، وغايتها تعظيم الفرس وحضارتهم ومقاومة ما كان قد نشأ في نفوس العرب من قبل، من روح التفوق والاستئثار بالمجد. وقد قام من هذين الفريقين جماعة يناضلون عن مذهبهم ويرمون خصومهم بأليم سهامهم. نذكر من الفريق العربي أبن قتيبة والجاحظ ومن الفريق الشعوبي أبا عبيدة وسهل بن هارون.

وفيما يتعلّق بشعوبية أبي نواس يقول ابن رشيق: "وكان أبو نواس شعوبي اللسان ولا أدري ما وراء ذلك."(62)

كلمة ابن رشيق "شعوبي اللسان" تفيدنا دعوته إلى الشعوبية دون إضمار البغض لشعب آخر ودونَ أن يدلّ على الشعوبية العنصرية. فلهذا نراه كان ملازماً للفضل بن الربيع والخليفة الأمين وهما يمثّلان العصبية العربية في ذلك الوقت. ورأينا فخره باليمنيين والقحطانيين وهجاءه للنزاريين في الكثير من أشعاره.

وفي حينٍ يهجو اليمنيين كقوله في هجاء هاشم بن حديج، وهو كَندي من صميم اليمن حيث يقول:

يا هاشمُ بن حُديجٍ لو عددتَ أباً
مثل القَلمَّس لم يعلَق بك الدَنسُ (63)
والقلمّس أحد رؤساء كنانة وهو من غير اليمن كما هو معروف. وفي هذه القصيدة يعدّد كرماء نزاريين ويفتخر بهم ؛ ومن جانب آخر نراه "كان يأخذ العلمَ عن أبي عبيدة ويمدحهُ ويذمّ الأصمعي.(64) ونعلم بأن أبا عبيدة كان شعوبيا والأصمعي عربياً متعصباً للعروبة.

ونراه في مقارنته لحضارة العرب بحضارة الإيرانيين الغابرة يفتخر بحضارة الإيرانيين حيث يقول:

دَعِ الرَّسـمَ الّذي دَثـَرا
يُقاسي الريحَ والمطرا

وكن رجلاً أضاعَ العلـ
ـمَ في اللّذات والخطرا

ألم تـرَ ما بنى كسرى
وسـابورٌ لِمَن غــبرا(65)
إلى آخر القصيدة حيث يذّم أهل البادية رجالاَ ونساءاً وشعره يدلّ على شغفه بتاريخ الفرس وإناقة الحضر ونفوره من الحياة البدوية التي كان يتغنّى بها الأقدمون ومن ذلك أيضاً قوله:

عاج الشقي علـى دار يسائلــها
وعُجت أسألُ عن خمّارة البلــدِ

لا يُرقيء الله عيني من بكى حجراً
ولا شفَى وَجْدَ من يصبو إلى وتدِ

قالوا ذكرتَ ديار الحيّ من أسـدٍ
لا درَّ درُّك قل لي من بنو أسـدِ

ومن تميمٌ ومَن قيس وإخوتُهــم
ليس الأعاريب عند الله من أحدِ(66)
وأيضاً ممّا يشير بميله إلى الفرس وانحرافه عن مذاهب العرب قوله في قصيدته:

دع الأطلال تسفيها الجنوبُ
وتبلي عهد جدّتها الخطوبُ

وخلِّ لراكب الوجناءِ أرضاً
تخُبُّ بها النجيبة والنجيبُ

بــلادٌ نبتُها عشرٌ وطلحٌ
وأكثر صيدها ضبع وذيبُ

ولا تأخذ عن الأعراب لهواً
ولا عيشـاً فعيشهُمُ جديبُ
ثم يصف خشونة عيشهم ويقارن ذلك بصفاء العيش في الحضارة الفارسية والتمتع بمواهبها، إلى أن يقول:

فهذا العي
ش لا خيم البوادي وهذا العيش لا اللّبن الحليبُ

فأين البدو مِن إيوان كسرى
وأين من الميادين الزُّروبُ(67)
"وكذلك يمدح البرامكة مرة ويهجوهم تارة أخرى." (68) ملخّص القول أنّه نراه، يفضّل الفارسي على العربي تارة، ويفضّل العربي مرّة على الفارسي واليمنيّ على النزاري ومرةّ أخرى النزاري على اليمني. ونراه يسخر من العباسيين الملتفتين إلى الجاهليين وكان يسخر أيضاً من أولئك الّذين يبدّلون أنسابهم حسب الظروف. فهذا الفضل الرقاشي المولى، رآه أبو نواس يتنكّر لأهله ويستعرب، فهزّه هذا النفاق اشمئزازا فقال:

قلتُ يومـاً للرّقاشــي
وقـد سبّ المـوالـي:

ما الّذي نحّاك عن أصـ
ـلك مـن عمّ وخـالِ

قال لي : قد كنتُ مولىً
زمنـــاً ثم بدا لي…

أنـا بالبصرة مولـىً
عــربـي بالجبـالِ

أنا حقاً أدّعيهـــم
لسوادي وهُزالــي (69)
وخلاصة القول أنّ شعوبية أبي نواس ليست شعوبية عنصرية بل هي شعوبية بمعنى الأصل القائل بتساوي الشعوب وعندي أنّ أبا نواس لا يفرّق بين عربي وفارسي وبين مولى وسيّد. ولكّن الفرق واضحٌ عنده بين الدعي المتجاوز، وبين المتحضر المهذب، بين الغليظ واللطيف وبين الفهيم والبليد وبين الظالم والعادل.

وأبو نواس شاعر ذوّاقة، محبُّ للحياة، وميّال إلى الجمال وهو يمدح الإنسانية التي تعين عنده الشعور بالصفات المشتركة بين البشرية جمعاء.

نهاية المطاف في حياة الشاعر:

ولد أبونواس الحسن بن هانيء في الأهواز سنة 140هـ ـ على الأرجح ـ من أب عَرَبي وأمّ فارسيّة. فقد أباه في السنّة الثانية أو السادسة من عمره فظّل يتيماً. ثم انتقل إلى البصرة ونشأ فيها. قرأ القرآن وحذق فيه وأصبح أقرأ أهل البصرة. تخرّج في الشعر على والبة بن الحباب الأسدي وخلف الأحمر. ثمّ تبدّى وخالط العرب الخلّص ، ففصح لسانه. عاد إلى الكوفة بعد سنة، فاختلف إلى أئمّتها فأخذ عنهم علوم اللغة. ثم توجّه إلى بغداد وهو في الثلاثين من عمره. اتّصل بالبرامكة في أوّل أمره وفي أوّل خلافة الرشيد. ولكنه سجن بتهمة الزندقة. هرب إلى مصر بعد نكبة البرامكة ولجأ إلى أميرها "الخصيب" ومدحه. عاد إلى بغداد بعد سنة وأشهر. قبض عليه عند دخوله في بغداد وسجن في سجن الزنادقة حتى ماتَ الرشيد. أطلقه الأمين من السجن بواسطة وزيره الفضل بن الربيع. اتّصل بالأمين ومدحه ولكنّه سجن عدة مرّات في زمان الأمين بتهم مختلفة، منها المجون والزندقة، إلى أن مات سنة 199 الهجرية ودفن في مقابر الشونيزية ببغداد، وعمره تسع وخمسون سنة.

وأبو نواس شاعر سهل، جديد المعاني والألفاظ، حلو النكتة، وشعره مرآة صافية لعصره لكل ما فيه من القضايا السياسية والاجتماعية والدينية والفلسفية.

ولكنّه لجأ إلى التظرّف والتظاهر بالمجون، كما ورد في بعض الكتب: "كان أبو نواس في دعاويه يتماجن ويعبث".(70) وهذا هو قول أبي نواس في هذا الصعيد:" وأمّا المجون، فما كلُّ أحدٍ يحسن أن يمجن، وإنما المجون ظُرف ولستُ أبعدُ فيه عن حدّ الأدب ولا أتجاوز مقداره."(71) كما يقول : "والله ما فتحتُ سراويلي لحرامٍ قطّ".(72)

إنه تماجَنَ خوفاً من السلطة الجائرة التي كانت تحكم باسم الإسلام واتّخذ الخمرة رمزاً للتعبير عمّا يتمنّاه. ثارَ في أوّل أمره على أسلوب القصيدة التقليدية، ثم على التقاليد والأعراف الاجتماعية البالية وطعن بسياسات الخلفاء.

عاش وحيداً في ظلّ خلافة حافلة بالرّئاء والنفاق. تلك الخلافة الّتي تعيش التناقض بأوسع أشكاله، فخلف ظاهرها الأنيق باطن ملؤه الفساد، لكنّه يخفى في طيّات هذا الطلاء الخلّاب.

عاش غريباً دون أن يعرف أحد آلامه وتمنياته، وواجه حملات التشهير من جوانب شتّى ولا سيّما من ناحية الحكومة لشهرته الواسعة وحبّ الناس له وتهربّه من البلاط. ومع هذا ترك لنا تراثاً خالداً، وهو شعره الخمري بكلّ ما فيه من الأبعاد التقليدية والتجديديّة بنزعاتها الفنية والاجتماعية والسياسية والنفسية والأخلاقية والروحية بحيث أصبح رائد الشعر الخمري في الأدب العربي. وللتعرف على خمريات أبي نواس يجب علينا أن نتعرف على دور الظرف والتظاهر بالجنون والتماجن في تلك الفترة العباسية ولا سيما في عهد الخليفة هارون الرشيد. ولهذه الأشكال الثلاثة دور هام في الحكومات الدينية الجائرة على مرّ العصور، ولا سيّما في العصر العباسي الأول. فمثلاً نرى بهلولاً، أعني بهلول بن عمر الصيرفي الكوفي المتوفّى سنة 198هـ، لجأ إلى التظاهر بالجنون في حينما "كان بهلول عالماً كبيراً ذا عقل وفير وهو من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. أراد هارون الرشيد أن يجعله قاضياً ليفتي له بقتل الإمام موسى الكاظم (ع) بدعوي أنّه يريد الخروج عليه. فتجانن وركب قصبة يطوف بها أزقّة الكوفة، فقال الناس جُنّ بهلول وكان في حالته تلك، ينتقد الرشيد انتقادات لاذعة، وأخباره تدلّ على أنه كان من أهل الموالاة والتشييع لأهل البيت(ع)."(73)

كما لجأ أبو نواس إلى التظرف وإظهار المجون وكان من الشيعة واتّخذ "التقيّة" مذهباً له. ومن خلال القراءات الواسعة ينكشف لنا أنّ كثيرين من الشعراء والأدباء اتخذوا التظرّف في تلك الفترة طريقاً لتبيين أفكارهم وتماجنوا خوفاً من السلطة الجائرة الّتي كانت تحكم باسم الإسلام. ومع هذا قتل الكثيرون من الشعراء والأدباء بتهمة الزندقة والخروج على الحكم الديني مثل: ابن المقفّع، وعبد الحميد الكاتب، وصالح بن عبد القدوس، وبشار بن برد. ومكانة هؤلاء في معاداة العرب وانحيازهم إلى الشعوبية لا تخفى. الأمر الذي عرّضهم لهذه التّهم التي كانت السلطات الدينية تتخذها وسيلة للوقوف في وجه كلّ من سوّلت له نفسه إظهار العداء للسلطة السياسية الحاكمة.

هذا هو النواسي الذي يمكّننا الولوج إلى خمرياته من الكشف عن خفايا عصره المليء بالاضطرابات والتعقيدات. وغنيّ عن البيان أنّ خمرياته بحاجة إلى المزيد من الدرس والبحث لإماطة اللثام عن الزوايا الخفية في شعره وحياته ممّا لا يسعه هذا المقال. وعسى أن يعقب هذا المقال مقال آخر يعالج هذه الأمور.

الهوامش :

1. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج7، ص 436

2. ابن خلّكان، وفيات الأعيان، ج1، ص 373

3. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص 10

4. ابن منظور، مختار الأغاني في الأخبار والتهاني، ج3، ص8

5. عبد الله بن المعتزّ، طبقات الشعراء، صص 193-194

6. انظر حناالفاخوري، الجامع في تاريخ الأدب العربي، الأدب القديم، ص 692

7. ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص193

8. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص12

9. ابن المعتزّ، طبقات الشعراء، ص 194

10. ابن خلكان، وفيات الأعيان، ص373

11. ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص 194

12. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص 15

13. ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص 194

14. محمد بهجة الأثري، مقدمة تفسير أرجوزة أبي نواس، ص60

15. عبد الرحمن صدقي، أبو نواس، قصة حياته في جده وهزله، ص 42

16. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص 15

17. محمد بهجة الأثري، مقدمة تفسير أرجوزة أبي نواس، ص62

18. الديوان، صص472-473، وأيضا في قصيدة أخرى، صص 474-475

19. الديوان، ص 481

20. الديوان، صص 476-477

21. الديوان، ص250

22. محمد بهجة الأثري، مقدمة تفسير أرجوزة أبي نواس، ص 65

23. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص299

24. الديوان، ص 461

25. الديوان، ص 426

26. الديوان، ص 424

27. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص 7

28. طه حسين، حديث الأربعاء، ج2، ص 133. الديوان، ص 581

29. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج7، صص 448-449

30. الشونيزية مقبرة ببغداد بالجانب الغربي، دفن فيها جماعة كثيرة من الصالحين، ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج3، ص374

31. عبد الرحمن صدقي، أبو نواس، قصة حياته في جدّه وهزله، ص 263

32. ابن منظور، أخبار أبي نواس، صص 12-15

33. محمد بهجة الأثري، مقدمة تفسير أرجوزة أبي نواس، صص 58-59

34. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص 21

35. ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص 201

36. المصدر نفسه، ص 201

37. ابن عساكر، التاريخ الكبير، ج4، ص 255

38. ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص 194

39. المصدر نفسه، ص 202

40. ابن منظور، أخبار أبي نواس، صص 38-39

41. ابن المعتز، طبقات الشعراء ، ص204

42. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص 41

43. طه حسين، حديث الأربعاء، ج2، ص45

44. ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص 88

45. ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص 202

46. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص 41

47. ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص201

48. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص 41

49. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص 15

50. ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص 201

51. ابن المنظور، مختار الأغاني، ج 3، ص 201

52. ابن عساكر ، التاريخ الكبير، ص 264

53. ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص 195

54. أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، ص 215

55. المصدر نفسه، ص 207

56. المصدر نفسه، صص 207-208

57. الديوان، ص 620

58. الديوان، ص519

59. القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية 13

60. أحمد أمين، ضحي الإسلام، ج 1، ص 58

61. المصدر نفسه، ص55

62. ابن رشيق القيرواني، العمدة، ج1، ص 155

63. الديوان، ص 552

64. أنيس المقدسي، أمراء الشعرالعربي، ص 78

65. الديوان، ص 557

66. الديوان، ص 46

67. الديوان، صص 11-12

68. الديوان ، صص 470و474 في مدحهم. وفي هجوهم ص 519

69. الديوان، ص 571

70. ابن منظور، أخبار أبي نواس، ص 35

71. ابن منظور، مختار الأغاني في الأخبار والتهاني، ج3، ص 201

72. ابن عساكر، التاريخ الكبير، ج4، ص 264

73. لبيب بيضون، بهلول الكوفي، صص 5-6

المصادر والمراجع:

1. القرآن الكريم.

2. أبو نواس، قصة حياته في جدّه وهزله، عبد الرحمن صدقي، دون تاريخ

3. أخبار أبي نواس، إبن منظور، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، بيروت، 1995م.

4. أعيان الشيعة ، محسن الأمين ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت، 1983م.

5. بهلول الكوفي، لبيب بيضون، مؤسسة البلاغ، الطبعة الأولى، بيروت، 1998م.

6. تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، القاهرة، 1931.

7. التاريخ الكبير، ابن عساكر، مطبعة الروضة، الشام 1932م.

8. الجامع في تاريخ الأدب العربي، حنا الفاخوري، دار الجيل، بيروت ، دون تاريخ

9. حديث الأربعاء، طه حسين، دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية، القاهرة، 1976م.

10. ديوان أبي نواس، احمد عبد المجيد الغزّالي، دار الكتاب العربي، بيروت ، دون تاريخ

11. رسالة الغفران، أبو العلاء المعرّي، شرحها وحققها الدكتور علي شلق، دار القلم، بيروت، 1983م.

12. الشعر والشعراء، ابن قتيبة، مطبعة المعاهد، الطبعة الثانية، القاهرة، 1932م.

13. ضحي الإسلام، احمد أمين، النهضة المصرية، الطبعة الخامسة، القاهرة، 1956م.

14. طبقات الشعراء، ابن المعتز، تحقيق عبد الستار احمد فرّاج، دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية، القاهرة 1956.

15. العمدة، ابن الرشيق القيرواني، مطبعة أمين هندية، الطبعة الأولى، القاهرة، 1925م.

16. مختار الأغاني في الأخبار والتهاني، ابن منظور، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة 1966م

17. معجم البلدان ، ياقوت الحموي، دار بيروت، 1988م.

18. مقدمة تفسير أرجوزة أبي نواس، محمد بهجة الأثري، المطبعة الهاشمية، دمشق 1966م.

19. وفيات الأعيان، ابن خلّكان، بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الأولى ، القاهرة، 1948.


  الرد باقتباس
قديم(ـة) 14/09/2012, 11:51 PM   #1026
عروس رائعة
 
الملف الشخصي:
تاريخ التسجيل: 13/06/2012
رقم العضوية: 455394
البلد: عدن
المشاركات: 1,045
الجنس: أنثى
الدولة: اليمن

تقييم العضو:
قوة التقييم: 39

عدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميز


الأوسمة

عدنية حرة غير متصل
المراجع

أبو نواس - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة



اعظم شعراء العصر العباسى دراسه ادبيه مهداه الى سيد مدكور - منتديات اصحاب كول 2013



حديث الأحد : حكاية ابو نواس الشعبيه - صحيفة الأفلاج الإلكترونية .. أول صحيفة إلكترونية لمحافظة الأفلاج

لمحبي سماع قصص عن ابو نواس هذه الصفحه الاولي .............شمــــــــــــــــس

أبو نواس - بوابة الشعراء - بوابتك إلى عالم الشعر - Poetsgate

أدب .. الموسوعة العالمية للشعر العربي أبو نواس


مراجع

العصر العباسي الاول... د. شوقي ضيف
في صحبة الشعر والشعراء¬ محمد عبدالغني حسن
حديث الاربعاء... د. طه حسين


مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الثامن- السنة الثانية- تموز "يوليو" 1982

مجلة التراث العربي العدد الثامن- السنة الثانية- تموز "يوليو" 1982

نقد آراء النُقّاد القدام


* صحيفة "الجزيرة"، الخميس 2 رمضان 1431هـ= 12 أغسطس 2010م، العدد13832، ص23.

شخصيّة أبي نواس وشخصيّة شِعره-5 :3.دراسات: إضبارة د.عبدالله الفـَيفي http://www.alfaify.cjb.net


الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

قراءة جديدة للفکر النواسي - ديوان العرب
  الرد باقتباس
قديم(ـة) 07/10/2012, 08:56 PM   #1027
مشرفة سابقة
 
صورة yma a7tajk الرمزية
 
الملف الشخصي:
تاريخ التسجيل: 11/04/2010
رقم العضوية: 378803
البلد: \ويا أحـღــلامي \
المشاركات: 5,244
الجنس: أنثى
التدوينات: 21
الدولة: المملكة العربية السعودية

تقييم العضو:
قوة التقييم: 2413

yma a7tajk مشهورة وحضورها رائع ومتميزyma a7tajk مشهورة وحضورها رائع ومتميزyma a7tajk مشهورة وحضورها رائع ومتميزyma a7tajk مشهورة وحضورها رائع ومتميزyma a7tajk مشهورة وحضورها رائع ومتميزyma a7tajk مشهورة وحضورها رائع ومتميزyma a7tajk مشهورة وحضورها رائع ومتميزyma a7tajk مشهورة وحضورها رائع ومتميزyma a7tajk مشهورة وحضورها رائع ومتميزyma a7tajk مشهورة وحضورها رائع ومتميزyma a7tajk مشهورة وحضورها رائع ومتميز


الأوسمة

yma a7tajk غير متصل
رد: الشاعر العباسيي أبو نواس (( الحسن بن هانئ ))

ماشاءالله مشاركة مميزة
وجهد واضح
مبارك عليكِ الفوز تستحقين يالغاليـة
تم التقيم وحياكِ الله

:032:
التوقيع:
أحبك أحبك يالله/
ربِ اشرح لي صدري ويسر لي أمري ..~

مدونتـي شرفوني

بسمة أمل (:

  الرد باقتباس
قديم(ـة) 12/10/2012, 05:17 PM   #1028
مراقبة أركان الحاسب والتقنية والمكتبة ، عضو فريق التطوير بالمنتدى
 
الملف الشخصي:
تاريخ التسجيل: 15/11/2007
رقم العضوية: 205182
البلد: حيث يشرق الأمل كل صباح مع أنفاس الفجر الأولى
المشاركات: 22,486
الجنس: أنثى
التدوينات: 20
الدولة: مصر

تقييم العضو:
قوة التقييم: 7539

Anfas Elfajer مشهورة وحضورها رائع ومتميزAnfas Elfajer مشهورة وحضورها رائع ومتميزAnfas Elfajer مشهورة وحضورها رائع ومتميزAnfas Elfajer مشهورة وحضورها رائع ومتميزAnfas Elfajer مشهورة وحضورها رائع ومتميزAnfas Elfajer مشهورة وحضورها رائع ومتميزAnfas Elfajer مشهورة وحضورها رائع ومتميزAnfas Elfajer مشهورة وحضورها رائع ومتميزAnfas Elfajer مشهورة وحضورها رائع ومتميزAnfas Elfajer مشهورة وحضورها رائع ومتميزAnfas Elfajer مشهورة وحضورها رائع ومتميز


الأوسمة

Anfas Elfajer غير متصل
رد: الشاعر العباسيي أبو نواس (( الحسن بن هانئ ))



ماشاء الله مشاركة قيمة وجهد واضح
مبارك الفوز غاليتي


  الرد باقتباس
قديم(ـة) 23/10/2012, 11:10 PM   #1029
عروس رائعة
 
الملف الشخصي:
تاريخ التسجيل: 13/06/2012
رقم العضوية: 455394
البلد: عدن
المشاركات: 1,045
الجنس: أنثى
الدولة: اليمن

تقييم العضو:
قوة التقييم: 39

عدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميز


الأوسمة

عدنية حرة غير متصل
رد: الشاعر العباسيي أبو نواس (( الحسن بن هانئ ))


اقتباس   المشاركة الأساسية كتبها لـ غ ـة الـ ع ـيون مشاهدة المشاركة  
     
  ماشاءالله مشاركة مميزة
وجهد واضح
مبارك عليكِ الفوز تستحقين يالغاليـة
تم التقيم وحياكِ الله

:032:
 
 

تسلمين غاليتي ع المرور
و يعطيك الف عافيهـ
  الرد باقتباس
قديم(ـة) 23/10/2012, 11:11 PM   #1030
عروس رائعة
 
الملف الشخصي:
تاريخ التسجيل: 13/06/2012
رقم العضوية: 455394
البلد: عدن
المشاركات: 1,045
الجنس: أنثى
الدولة: اليمن

تقييم العضو:
قوة التقييم: 39

عدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميزعدنية حرة في طريقها للتميز


الأوسمة

عدنية حرة غير متصل
رد: الشاعر العباسيي أبو نواس (( الحسن بن هانئ ))


اقتباس   المشاركة الأساسية كتبها Anfas Elfajer مشاهدة المشاركة  
     
  ماشاء الله مشاركة قيمة وجهد واضح
مبارك الفوز غاليتي
 
 

الله يبارك بعمرك
تسلمين يالغالية
  الرد باقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع ابحث بهذا الموضوع
ابحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح


مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
من ست الحسن لست الحسن mitcy ركن الأزياء 40 12/06/2011 09:07 PM
لتبقى بشرتك شابة 16 طريقة لتنعمي بنوم هانئ RoOoOmy ركن العناية بالبشرة والجسم 27 04/03/2011 05:32 PM
صنفرة من برنامج ست الحسن soha ibrahim ركن العناية بالبشرة والجسم 19 27/01/2010 04:57 AM
قصيدة لأبي نواس في التوبة كأس الزنجبيل الواحة الأدبية 4 08/10/2007 02:19 AM
الحسن والجمال ام لميس مجلس بنات عروس الثقافي 2 26/02/2003 12:23 AM




الساعة الآن +3: 12:29 AM.


جميع المواضيع و المشاركات تعبر عن رأي أصحابها فقط, و لا تمثل بالضرورة رأي موقع عروس.
جميع الحقوق محفوظة لموقع و منتديات عروس © 2001 - 2014
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141